لقمان البرزنجي .. المانيا
الحياة في العراق اليوم تكاد تكون التجسيد الحي والواقعي لاسطورة سيزيف الإغريقية؛ ذلك العقاب الابدي الذي يدين صاحبه بدفع صخرة عملاقة إلى قمة الجبل، لتتدحرج صعودا بهمة وتعب، ثم تسقط إلى القاع في اللحظة التي يظن فيها أنه قارب على الوصول، فيضطر لإعادة الكرة بلا نهاية وبلا طائل.
في المشهد العراقي المعاصر، تحولت هذه السخرة من فكرة فلسفية عبثية إلى ديناميكية عيش يومية مفروضة على المواطن، بفعل تداخل معقد بين الفساد البنيوي، والانسداد السياسي، والتشوه الاقتصادي.
منذ سقوط النظام البعث المقبور . يعيش العراق حالة من الاستعصاء المزمن. النظام التوافقي الذي أُسس بعد عام 2003 تحول بمرور الوقت إلى ديمقراطية غنائمية حيث تتقاسم النخب السلطة والثروة على حساب مفهوم الدولة والمواطنة. في كل دورة انتخابية، يحدو المواطن الأمل في التغيير، ليدفع بصخرة امنياته نحو صناديق الاقتراع. لكن القوانين المفصلة على مقاس القوى التقليدية، واستخدام السلاح المنفلت والمال السياسي، يعيد إنتاج الوجوه والسياسات نفسها. هذا الانسداد يخلق شعورا عارما بالعبثية السياسية؛ حيث الفاعل السياسي منفصل تماما عن الشارع، والاصلاح البنيوي يبدو مستحيلا لأن النظام يحمي نفسه عبر شبكات مصلحية معقدة عابرة للمؤسسات.الواقع الاقتصادي کالريع كفخ سيزيفي اقتصادياً، يرزح العراق تحت وطأة الدولة الريعية المطلقة. الاعتماد شبه الكامل (بنسبة تتجاوز 90%) على الإيرادات النفطية يجعل الاقتصاد العراقي رهينة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية، ثم تاتي
البطالة المقنعة بحيث تضخم القطاع العام واستيعاب ملايين الموظفين ليس دليلا على الانتعاش، بل هو ترحيل للأزمة وشراء للسلم الأهلي المؤقت. اما غياب الإنتاج المحلي و غياب المبادرات الصناعية والزراعية الحقيقية يحول البلد إلى سوق استهلاكية عملاقة تستنزف العملة الصعبة لاستيراد كل شيء.
ايضا المواطن يدفع ثمن جباية الخدمات (كالكهرباء والماء والطبابة) مرتين مرة للدولة عبر الضرائب والرسوم، ومرة أخرى للقطاع الخاص الموازي (المولدات الأهلية، المستشفيات الخاصة) بسبب تهالك الخدمات العامة. هذا الاستنزاف المالي اليومي هو الصخرة الاقتصادية التي لا تتوقف عن التدحرج لتدحق مدخرات الطبقة الوسطى والفقيرة. اما على الصعيد الاجتماعي والسلوكي، أفرز هذا الواقع ما يسميه علماء الاجتماع بـ صدمة العيش المستدام. الإنسان العراقي لا يعيش، بل هو في حالة استنفار دائم للبقاء، إن سخرة سيزيف في العراق تتجلى في ان المواطن يستهلك طاقته النفسية والجسدية كاملة فقط لتأمين المتطلبات الأساسية (الأمن، الكهرباء، التعليم، الصحة) التي تمنح تلقائيا في دول أخرى.
اذن هل من مخرج لـ سيزيف العراقي؟ الفيلسوف العبثي الفرنسي ألبير كامو (صاحب لاهوت أسطورة سيزيف الفلسفي) يختم مقالته الشهيرة بعبارة يجب أن نتخيل سيزيف سعيدا، لانه وجد معنى في التمرد على عبثية الصخرة والاستمرار في المحاولة.