د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ” ﴿الممتحنة 13﴾ يعني أن اليهود بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلّم وهم يعرفون صدقه وأنه رسول قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة حظ وخير كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظ لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله عن مجاهد وسعيد بن جبير وقيل كما يئس كفار العرب من أن يحيا أهل القبور أبدا عن الحسن وقيل كما يئس الكفار من أن ينالهم خير من أصحاب القبور وقيل يريد بالكفار هاهنا الذين يدفنون الموتى أي يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من الآخرة كما يئس الذين دفنوا الموتى منهم. قوله جل جلاله “وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ” ﴿الحج 7﴾ أي: يحييهم للجزاء لأن ما ذكرناه يدل على البعث على الوجه الذي بيناه. قوله عز من قائل “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” ﴿الإنفطار 4﴾ أي قلب ترابها وبعث الموتى الذين فيها وقيل معناه بحثت عن الموتى فاخرجوا منها يريد عند البعث. قوله جل وعلا “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾ أي بعث الموتى ونشروا وأخرجوا ومثله بحثر. قوله سبحانه “وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ” ﴿التوبة 84﴾ أي: لا تقف على قبره للدعاء فإنه عليه السلام كان إذا صلى على ميت، يقف على قبره ساعة، ويدعو له، فنهاه الله تعالى عن الصلاة على المنافقين، والوقوف على قبورهم، والدعاء لهم. ثم بين سبحانه سبب الأمرين، فقال: “إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون” فما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك على منافق، حتى قبض. وفي هذه الآية دلالة على أن القيام على القبر للدعاء، عبادة مشروعة، ولولا ذلك لم يخص سبحانه بالنهي عنه الكافر. قوله جلت قدرته “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال عن الحسن وقتادة وقال الجبائي: حتى متم على ذلك ولم تتوبوا وقيل ألهاكم التباهي بكثرة المال والعدد عن تدبر أمر الله حتى عددتم الأموات في القبور وروى قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول “ألهاكم التكاثر” السورة قال (يقول ابن آدم مالي مالي وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت) أورده مسلم في الصحيح.
وعن تفسير الميسر: قال الله تبارك وتعالى عن القبور “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ” ﴿الممتحنة 13﴾ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ: انقطع رجاؤهم من ثواب الآخرة، يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الذين غضب الله عليهم، لكفرهم أصدقاء وأخلاء، قد يئسوا من ثواب الله في الآخرة، كما يئس الكفار المقبورون، من رحمة الله في الآخرة، حين شاهدوا حقيقة الأمر، وعلموا علم اليقين أنهم لا نصيب لهم منها، أو كما يئس الكفار مِن بَعْث موتاهم أصحاب القبور، لاعتقادهم عدم البعث. قوله سبحانه.
للقبور مكانة وأهمية في القرآن الكريم والسنة، فقد وردت في آيات قرآنية “حتى زرتم المقابر” (التكاثر 2)، “يئس الكفار من أصحاب القبور” ﴿الممتحنة 13﴾، “وأن الله يبعث من في القبور” ﴿الحج 7﴾، “واذا القبور بعثرت” ﴿الإنفطار 4﴾، “اذا بعثر ما في القبور” ﴿العاديات 9﴾، “ما أنت بمسمع من في القبور” ﴿فاطر 22﴾ “ولا تقم على قبره” (التوبة 84)، “ثم أماته فأقبره” (عبس 21). والتهديم منبوذ “لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد” (الحج 40). هذه الأيام تمر الذكرى الأليمة لهدم قبور أئمة البقيع عليهم السلام.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ” ﴿الممتحنة 13﴾ الجملة بيان لشقائهم الخالد وهلاكهم المؤبد ليحذر المؤمنون من موالاتهم وموادتهم والاختلاط بهم والمعنى: قد يئس اليهود من ثواب الآخرة كما يئس منكر والبعث من الموتى المدفونين في القبور. وقيل: المراد بالكفار الذين يدفنون الموتى ويوارونهم في الأرض من الكفر بمعنى الستر. وقيل: المراد بهم كفار الموتى و”من بيانية والمعنى: يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار المدفونون في القبور منه لقوله: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ” (البقرة 161). قوله جل جلاله “وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ” ﴿الحج 7﴾ فإن قلت: الحجة المذكورة تنتج البعث لجميع الأشياء لا للإنسان فحسب لأن الفعل بلا غاية لغو باطل سواء كان هو الإنسان أو غيره لكن الآية تكتفي بالإنسان فقط. قلت: قصر الآية النتيجة في الإنسان فقط لا ينافي ثبوت نظير الحكم في غيره لكن الذي تمسه الحاجة في المقام بعث الإنسان على أنه يمكن أن يقال: إن نفي المعاد عن الأشياء غير الإنسان لا يستلزم كون فعلها باطلا منه تعالى لأنها مخلوقة لأجل الإنسان فهو الغاية لخلقها والبعث غاية لخلق الإنسان. هذا ما يعطيه التدبر في سياق الآيات الثلاث وعرضها على سائر الآيات المتعرضة لإثبات المعاد على تفننها، وبه يظهر وجه الاكتفاء من النتائج المترتبة عليها بهذه النتائج المعدودة بحسب المترائي من اللفظ خمسا وهي في الحقيقة ثلاث موضوعة في الآية الثانية مستخرجة من الأولى، وواحدة موضوعة في الآية الثالثة مستخرجة من الثلاث الموضوعة في الثانية. قوله عز من قائل “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” ﴿الإنفطار 4﴾ قال في المجمع، بعثرت الحوض وبحثرته إذا جعلت أسفله أعلاه، والبعثرة والبحثرة إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره، انتهى. فالمعنى وإذا قلب تراب القبور وأثير باطنها إلى ظاهرها لإخراج الموتى وبعثهم للجزاء. قوله جل وعلا “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾ البعثرة كالبحثرة البعث والنشر. ذا بعثر ما في القبور إلخ تأكيدا للإنكار، والمراد بما في القبور الأبدان. إذا أخرج ما في القبور من الأبدان وحصل وميز ما في سرائر النفوس من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية إن ربهم بهم يومئذ لخبير فيجازيهم بما فيها.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ” ﴿الممتحنة 13﴾ الغرض تحذير المؤمنين من أعداء اللَّه والحق، وان لا يأمنوهم على شيء من أخبار الرسول صلى الله عليه واله وسلم والمسلمين، ولا يركنوا إلى أكاذيبهم ودسائسهم، لأنهم لا يرجون لقاء اللَّه، والبعث عندهم تماما كرجوع الموتى إلى الحياة الدنيا، ومن أجل هذا غضب اللَّه عليهم وأعدّ لهم عذابا أليما. قوله جل جلاله “وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ” ﴿الحج 7﴾. قوله عز من قائل “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” ﴿الإنفطار 4﴾ البعثرة والبحثرة في اللغة إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره، وبالعكس، والمراد هنا من البعثرة ان الساعة آتية لا ريب فيها “وأَنَّ اللَّهً يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ” (الحج 7) ذلك إشارة إلى الأمر والشأن، ومعنى اللَّه هو الحق ان الحكم والسلطان له وحده لا شريك له، وانه لا وجود إلا منه. ويتفرع على ذلك أنه هو المبدئ والمعيد، وان النشأة الثانية حتم لا مفر منها، تماما كالنشأة الأولى، بل إن هذه وسيلة وطريق إلى الثانية التي هي غاية الغايات، لأنها تعود بالإنسان إلى خالقه، وتوقفه بين يديه للحساب والجزاء، ولأنها دائمة باقية، والنشأة الأولى زائلة فانية، والفاني وسيلة إلى الباقي. وبهذا نجد تفسير قوله تعالى: “وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات 56) أي الا ليعملوا للآخرة. قوله جل وعلا “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾ وبعثر ما في القبور خرج منها الموتى للحساب والجزاء.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ” ﴿الممتحنة 13﴾ ذلك أنّ موتى الكفّار سيرون نتيجة أعمالهم في البرزخ حيث لا رجعة لهم لجبران ما مضى من أعمالهم السيّئة، لذلك فإنّهم يئسوا تماماً من النجاة، وهؤلاء المجرمون في هذه الدنيا قد غرقوا في آثامهم وذنوبهم إلى حدّ فقدوا معه كلّ أمل في نجاتهم، كما هو الحال بالنسبة للموتى من الكفّار. قوله جل جلاله “وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ” ﴿الحج 7﴾ فالذين يشكّون في إمكان الحياة بعد الموت يشاهدون الصور المشابهة لها في حياة البشر والنباتات باُمّ أعينهم. وهي تتكرّر كلّ يوم وكلّ عام. وإذا شكّوا في قدرة الله فإنّ قدرة الله جعلتهم يشاهدون أمثلة بارزة لها بأعينهم. ألم يخلق الإنسان من تراب؟ ألا نشاهد كلّ عام احياء الأرض الميتة؟ فهل عجيب أمر حياة الأموات ثانية ونهوضهم من تراب؟. قوله عز من قائل “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” ﴿الإنفطار 4﴾ واُخرج الموتى للحساب. (بعثرت): قلب ترابها وأثير ما فيها. واحتمل (الراغب) في مفرداته: إنّ (بعثرت) تكونت من كلمتين، (بعث) و (اُثيرت)، فجاء المعنى منهما، كقولنا: (بسملة) من (بسم) ولفظ الجلالة (اللّه). وعلى آيّة حال، فإننا نرى شبيه هذا المعنى قد ورد في سورة الزلزلة: “وأخرجت الأرض أثقالها” أي الأموات (بناءً على المشهور من تفاسيرها)، وفي الآيتين (13 و14) من سورة النّازعات: “فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ” (النازعات 13-14). وتوضح الآيات إنّ إحياء الموتى وإخراجهم من القبور سيكون مفاجئاً وسريعاً. قوله جل وعلا “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾. “بعثر” من (البعثرة) وهي البعث والإِثارة والإِخراج وبعثرة ما في القبور: بعث الموتى واخراجهم من القبور. “ما” اسم موصول لغير العاقل عادة، وإنّما قال سبحانه: “مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾ إمّا لكون الأفراد أمواتاً، أو لأنّهم لا يزالون في حالة إبهام بالنسبة لهويتهم. والتعبير بالقبور لا يتنافى مع عدم وجود قبر لبعض الأفراد، كالذين يغرقون في البحر، أو المندرسة قبورهم، والمتفرق تراب رفاتهم. لأن أغلب النّاس لهم قبور، أضف إلى ذلك أن القبر يمكن أن يكون له معنى واسع يشمل كل محل فيه تراب جسد الإِنسان، وإن لم يكن بشكل قبر اعتيادي.