التعيينات ل “حبال المضيف”… “بيت الشعب” مزرعة للأحزاب؟

سعد جاسم الكعبي

يدخل المرء مجلس النواب العراقي تحت قبته يقرأ على يافطتها “بيت الشعب”، لكنه يخرج منه بقوائم توظيف مكتوب عليها “حصة الحزب”. وبين القبة والقوائم ضاعت فكرة الدولة.

المواطن لا يحتاج إلى تحقيق استقصائي حتى يعرف إن وظائف البرلمان صارت مثل مجلس عزاء العشيرة: المعزِّب يأتي بربعه، والغريب يبقى واقفاً على الباب. الفرق أن الفاتحة تنتهي بساعة، أما هذه المزرعة فقد مضى عليها أكثر من 20 سنة.

القضاء على ظاهرة “تعيين أقارب المسؤولين بلا خبرة” لن ينتهي بشعارات، بل يحتاج إلى كسر ثلاثة مفاتيح: السلطة، والسرية، وغياب العقاب. وإذا قطعتها، انتهت هذه الظاهرة.

والخطة عملياً تمر بخمس خطوات، ولا تحتاج تعديلاً دستورياً جديداً. المشكلة الأساسية هي “الدرجات الخاصة” بـ “تكليف” ثم “تثبيت”:

أولاً: قفل باب التعيين المباشر قانوناً*  

الحل بتعديل قانون الملاك رقم 25 لسنة 1960 بإضافة مادة: “لا يجوز التعيين أو التكليف بأي درجة خاصة إلا عن طريق مجلس الخدمة الاتحادي بمسابقة علنية”.  

والنتيجة: أي أمر تعيين من رئيس كتلة أو وزير يصبح باطلاً قانوناً من اليوم الأول.

ثانياً: فرض الشفافية بالقوة*  

أي تعيين بدرجة خاصة يجب أن يُنشر خلال 7 أيام على موقع المؤسسة: الاسم الرباعي، العمر، الشهادة، سنوات الخبرة، صلة القرابة إن وجدت.  

إنشاء “بوابة الدرجات الخاصة” تابعة لمجلس الخدمة، والذي لا يُنشر اسمه يكون تعيينه باطلاً تلقائياً.  

دول مثل تونس والمغرب طبقتها عام 2018 وحجّمت الواسطات 60%. الآن إذا أُلغي تعيين “ابن الوزير”، الوزير لا يقدر أن يحاسب أحداً.

ثالثاً: تجريم الواسطة وعقاب صاحب القرار*  

الحل بتعديل قانون العقوبات، المادة 331: أي مسؤول يوقع أمر تعيين مخالف للضوابط يُعاقب بالحبس والغرامة والمنع من الترشيح 8 سنوات.

رابعاً: تفعيل جهة مستقلة ذات صلاحية*  

تكون الجهة الوحيدة المخولة بتعيين الدرجات الخاصة، وميزانيتها مستقلة من البنك المركزي وليست تابعة للحكومة. لها صلاحية إلغاء أي تعيين مخالف وإحالة الموقِّعين إلى القضاء خلال 30 يوماً، ومنع أي استثناء “للحاجة” إلا بموافقة 3/4 مجلس النواب وبجلسة علنية.

خامساً: كسر ثقافة “الستر العشائري”

بقانون حماية المبلِّغين + مكافأة مالية 10% من الراتب السنوي للوظيفة التي أُلغيت بسبب بلاغه. عندها يستفيد الموظف من كشف الفساد أكثر من سكوته، وتنتهي اللعبة.

في العراق المشكلة ليست بالقوانين، عندنا قوانين كثيرة. المشكلة بـ “الاستثناء”. فالحل هو إلغاء كلمة “استثناء” من قاموس التعيينات.

موضوع تعيين رواء الفهداوي بدرجات خاصة في مجلس النواب أثار موجة انتقادات، خصوصاً لأنه يلامس ملف “الوظائف الحزبية” الذي هو وجع العراقيين من 2003 إلى اليوم.

رواء الفهداوي، مواليد 1991، من الأنبار، ويُنسب تعيينها إلى هيبة الحلبوسي، قريبة رئيس البرلمان الأسبق، التعيين كان بـ “درجات خاصة” ضمن تشكيلات مجلس النواب، أي خارج الملاك الدائم وبدون تعيين مركزي.

الاعتراض الأساسي، العمر، وعدم وجود خدمة سابقة، فضلاً عن صلة القرابة السياسية. هذا جعل الناس تربط الموضوع بـ “المحاصصة والواسطات”.

حتى الآن لم يصدر بيان رسمي مفصل من الأمانة العامة لمجلس النواب يوضح آلية التعيين ومعايير المفاضلة، وبقي الموضوع في إطار التسريبات والاتهامات الإعلامية.

*هل العراق صار “مزرعة أحزاب”؟

الأرقام الظاهرة تتكرر، وليست حالة فردية. حسب هيئة النزاهة، أكثر من 80% من تعيينات الدرجات الخاصة 2018-2024 تمت بترشيح أحزاب وكتل، فيما القانون يشترط الكفاءة والخبرة، لكن التطبيق مفقود.

كثرت تعيينات لمواليد التسعينات بمناصب مدير عام ومستشار، رغم أن قانون الخدمة المدنية يطلب خبرة 15 سنة للمدير العام، والاستثناء يتم بقرار من مجلس الوزراء “للحاجة”.

العوائل السياسية صارت ظاهرة “التوريث السياسي والإداري”: أبناء وزراء، أقارب رؤساء كتل، يظهرون بمناصب عليا بلا مسار وظيفي واضح.

مجلس النواب له استقلالية مالية وإدارية، فصار أسهل للكتل الكبيرة تثبيت كوادرها فيه كـ “مكافأة” أو “تمكين”.

العراق للأسف بات “مزرعة” للأحزاب، لكنه لم يخرج تماماً من نموذج “الدولة”. نحن بين الاثنين: دولة تحاول بناء مؤسسات، وأحزاب تتعامل مع الدولة كغنيمة.

*أين الخلل القانوني؟*

1. *قانون 20 لسنة 2019 المعدل لقانون الملاك اشترط إعلان الدرجات الخاصة والتنافس، لكن 90% من التعيينات “تكليف” ثم تثبيت لاحقاً.

2. غياب الرقابة الفعلية*: هيئة النزاهة ومجلس الخدمة الاتحادي ليس لهما سلطة إلغاء تعيين إذا صدر بأمر نيابي/وزاري.

3. الازدواجية*: 1.5 مليون خريج عاطل ينتظر تعييناً بالدرجات الوظيفية، بينما التعيينات الخاصة سريعة لكوادر قريبة من السلطة.

*لو أردنا كسر هذه الدائرة:

1. إلغاء التعيين المباشر للدرجات الخاصة، والكل يمر بمجلس الخدمة الاتحادي بامتحان ومقابلة علنية.

2. نشر الأسماء والمؤهلات: أي تعيين بدرجة خاصة ينشر بالجريدة الرسمية وموقع المجلس: الاسم، العمر، الشهادة، الخبرة.

3. منع تعيين الأقارب حتى الدرجة الرابعة في المؤسسة نفسها التي يديرها السياسي. هذا معمول به في دول الخليج منذ سنين.

4. تفعيل ديوان الرقابة المالية لتدقيق كل تعيينات 2022-2025 وإعلان المخالفات.

قضية رواء الفهداوي لوحدها لم تحوّل العراق إلى مزرعة، لكنها قطرة في بحر ظاهرة أكبر اسمها “دولة الأحزاب”. الناس لا تغضب من شخصها كمواطنة، بل تغضب من المبدأ: إذا كان التعيين بالكفاءة فلماذا لا يُفتح التنافس؟ وإذا كان بالمحاصصة فلا نخدع الشباب بشعارات “الإصلاح”؟

وإذا ثبت أن التعيين خالف الضوابط، يجب أن يُلغى ويُحاسب من وقّع عليه، بغض النظر عن اسمه. هكذا فقط تبقى ثقة الشباب بالدولة.

من دون هذه الخطوات نبقى نغضب على حالة “رواء الفهداوي” اليوم، وغداً حالة جديدة باسم آخر.

*مجلس النواب: بيت الشعب أم دائرة عشائرية؟*

لا أجزم إن “معظم العاملين” أقارب الحلبوسي، لأنه لا توجد إحصائية رسمية منشورة بعدد الموظفين + صلة القرابة. لكن هذه الظاهرة برزت بزمن رئاسة الحلبوسي 2018-2023، وتحول البرلمان إلى “مزرعة” حسب تقارير النزاهة وديوان الرقابة.

*4 أسباب عملية جعلت البرلمان مزرعة توظيف:

1. *الاستقلالية المالية والإدارية*: المادة 62 من النظام الداخلي تعطي رئيس البرلمان صلاحية التعيين والترفيع دون الرجوع إلى مجلس الخدمة الاتحادي. صار لديه “شيك على بياض” للدرجات الوظيفية.

2. *كثرة الدرجات الخاصة والعقود*: البرلمان فيه آلاف العقود + الدرجات الخاصة: مستشارون، مدراء مكاتب، حماية، خدمة، سائقون. هذه الوظائف تكون فقط بتوصية سياسية.

3. *ثقافة “الوفاء للعشيرة/المحافظة”*: أي رئيس برلمان يأتي بناس يثق بهم: من محافظته، عشيرته، كتلته. الحلبوسي مثلاً من الأنبار ورئيس حزب تقدم، فطبيعي كوادره الإدارية من نفس البيئة. الأمر نفسه صار بزمن سليم الجبوري وزيباري قبله.

4. *غياب الرقابة والنشر*: لحد 2024 لم يكن هناك موقع رسمي ينشر أسماء الموظفين الجدد وشهاداتهم.

*هل هذه الحالة خاصة بالحلبوسي؟*

الجواب: لا. هذه “لعنة رئاسة البرلمان” من 2005 إلى اليوم:

– *2005-2010*: تعيينات مكثفة من قبل كتل شيعية وكردية.

– *2010-2014*: رئاسة أسامة النجيفي شهدت تعيينات من نينوى.

– *2018-2023*: رئاسة الحلبوسي شهدت تعيينات من الأنبار وحزب تقدم.

– *2023-الآن*: رئاسة المندلاوي ثم المشهداني، وبدأت تظهر شكاوى من تعيينات جديدة.

يعني المشكلة نظام، وليس شخصاً. أي رئيس برلمان يصل إلى الكرسي يستخدم نفس الأدوات إلا إذا كسرها.

*لكن لماذا العدد “كبير” بزمن الحلبوسي؟* لثلاثة أسباب:

1. *طول المدة*: بقي 5 سنوات رئيساً للبرلمان، فكان لديه وقت لتثبيت ناسه.

2. *السوشيال ميديا*: في زمنه انتشرت تسريبات قوائم الأسماء أكثر من قبل.

3. *ملف إقالته 2023*: بعد الإقالة خرجت ملفات واتهامات كثيرة، جزء منها حقي وجزء تصفية حسابات سياسية.

*السؤال: كيف نعيد البرلمان “بيت الشعب” وليس مزرعة؟*

الحل ليس بإقالة شخص، الحل بكسر الصلاحية:

1. تعديل النظام الداخلي: أي تعيين بدرجة مدير فما فوق يمر بمجلس الخدمة الاتحادي ونشر الاسم والشهادة.

2. سقف زمني: لا يقدر رئيس البرلمان أن يعيّن إلا بحدود 5% من الملاك الوظيفي خلال دورته.

3. ديوان رقابة مستقل: يدقق كل تعيينات البرلمان كل 6 شهور وينشر تقريراً علنياً.

4. *منع تعيين الأقارب: مادة صريحة بمنع تعيين أقارب الرئيس والكتل لغاية الدرجة الرابعة.

بدون هذه الخطوات، غداً يأتي رئيس برلمان جديد من محافظة أخرى ، وترجع نفس القصة، فقط تتغير المحافظة.