الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي

رياض سعد

الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (3)

يُعَدُّ التحديد المفاهيمي لأي مصطلح خطوةً تأسيسية لا غنى عنها في البحث العلمي؛ إذ تنتقل المصطلحات من فضاء الغموض والالتباس إلى حقل الوضوح والانضباط، فتتحدد حدودها الدلالية، وتتضح وظائفها المعرفية، ويغدو النقاش بشأنها أكثر قدرة على إنتاج نتائج متماسكة. ومن هنا، فإن البحث في مفهوم «الأمة العراقية» يقتضي، ابتداءً، العودة إلى الجذر اللغوي لمفردة الأمة، واستكشاف تطورها الدلالي، قبل الانتقال إلى بيان معناها الاصطلاحي ومدى انطباقه على الحالة العراقية.

أولاً: الأمة في المعنى اللغوي

يتسع مفهوم الأمة في المعاجم العربية اتساعاً لافتاً، بحيث لا ينحصر في دلالة واحدة جامدة، بل يعبِّر عن معانٍ متعددة يجمعها خيط دلالي واحد هو الاجتماع على أمر جامع.

فقد عرَّف ابن منظور الأمة بأنها: «القرن من الناس»، كما أطلقها على أتباع الأنبياء، مؤمنهم وكافرهم، باعتبار أنهم جماعة اجتمعت على خطاب واحد ودعوة واحدة. وفي هذا المعنى تتجاوز الأمة حدود الاتفاق العقدي الصرف إلى مجرد الاشتراك في الانتماء إلى جماعة بشرية محددة.

أما الراغب الأصفهاني، فقد قدَّم تعريفاً أكثر شمولاً، حين قال إن الأمة هي: «كل جماعة يجمعها أمر ما؛ دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر تسخيراً أو اختياراً». وبهذا يصبح الجامع المكاني أو التاريخي أو الثقافي سبباً كافياً لإطلاق وصف الأمة.

ولا تقف المعاجم عند هذا الحد؛ إذ يورد أصحاب اللغة معاني أخرى للمفردة، فتأتي الأمة بمعنى الدين، والحين من الزمن، والإمام الذي يُقتدى به، والرجل الجامع لخصال الخير الذي لا نظير له. بل إن ابن الأنباري أحصى للأمة وجوهاً متعددة في الاستعمال العربي، منها الجماعة، والدين، والزمان.

ولعل السبب الرئيس في هذا الثراء الدلالي يعود إلى الاستعمال القرآني المتنوع للمصطلح؛ إذ استُخدمت كلمة «الأمة» في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة بحسب السياق والمقصد. فهي تارةً تدل على الجماعة البشرية، وأخرى على المدة الزمنية، وثالثة على القدوة والإمام، الأمر الذي يجعل ردَّ جميع الاستعمالات إلى معنى واحد أمراً عسيراً. غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً يبقى هو وجود رابطة جامعة تُخرج الأفراد من حالة التفرق إلى حالة الاجتماع والانتظام ضمن وحدة معنوية أو واقعية معينة.

ثانياً: الأمة في المعنى الاصطلاحي

في الاصطلاح السياسي والاجتماعي الحديث، يُقصد بالأمة جماعة بشرية كبيرة تمتلك قدراً من الوعي بذاتها، وتشعر بانتمائها إلى إطار جامع يميزها عن غيرها، سواء تأسس هذا الإطار على اللغة أو التاريخ أو الثقافة أو الأرض أو المصالح المشتركة.

وقد ذهبت بعض التعريفات إلى تضييق مفهوم الأمة، فاشترطت تحقق عناصر عديدة مجتمعة، كاللغة الواحدة، والأصل العرقي المشترك، والتاريخ الموحد، والثقافة المتجانسة. غير أن هذا الاتجاه يواجه إشكالات عملية وتاريخية؛ لأن أمماً كثيرة نشأت واستمرت رغم افتقادها إلى بعض تلك العناصر.

ولهذا تبدو التعريفات الأكثر مرونة أقرب إلى الواقع، حين تنظر إلى الأمة بوصفها جماعة بشرية كبيرة تتوافر بينها عناصر مشتركة كالتاريخ والتراث والثقافة والمصالح والشعور بالانتماء إلى مصير واحد، من دون تحويل تلك العناصر إلى شروط صارمة لا تقوم الأمة إلا بها.

ثالثاً: من الأمة اللغوية إلى الأمة العراقية

إذا كان المعنى اللغوي للأمة يدور حول اجتماع الناس على جامع يوحدهم، فإن مفهوم الأمة العراقية لا يبدو خروجاً على هذا الأصل، بل هو أحد أبرز تجلياته المعاصرة.

فالعراقيون، على الرغم من تنوعهم الديني والمذهبي والقومي واللغوي، يشكلون جماعة بشرية استقرت عبر تاريخ طويل فوق أرض واحدة، وتفاعلت ضمن جغرافيا متصلة، وأسهمت في إنتاج ذاكرة جمعية مشتركة، وخبرت تجارب تاريخية متقاربة، وتقاطعت مصالحها وتطلعاتها ومخاوفها وآمالها في إطار سياسي واجتماعي واحد.

إن الأمة العراقية، بهذا المعنى، ليست ادعاءً أيديولوجياً يراد فرضه قسراً على الواقع، وليست نفياً للتعددية التي يتسم بها المجتمع العراقي، وإنما هي توصيف لحقيقة تاريخية واجتماعية مفادها أن التنوع لا يناقض وجود الأمة، بل قد يكون أحد مكوناتها الأساسية متى ما انصهر داخل إطار الانتماء الوطني الجامع.

فكما أن العرب أطلقوا لفظ الأمة على الجماعة التي يجمعها الدين، أو الزمان، أو المكان، أو الغاية المشتركة، فإن العراقيين يدخلون ضمن هذا النسق الدلالي؛ لأنهم جماعة جمعها المكان والتاريخ والمصير المشترك، وتكوَّن لديها، عبر قرون طويلة، شعور متفاوت القوة بالانتماء إلى كيان اسمه العراق.

ومن هنا، فإن مصطلح «الأمة العراقية» لا يمثل قطيعة مع التراث اللغوي العربي، بل يستند إلى أحد معانيه الأصيلة. فالأمة ليست كتلة صماء متجانسة على نحو مطلق، وإنما بناء تاريخي متحرك، تتداخل في تشكيله عناصر الوحدة والتنوع، والثبات والتحول، والاختيار والإكراه.

وبذلك يغدو الحديث عن الأمة العراقية محاولةً لتأصيل هوية وطنية جامعة، لا لإلغاء الهويات الفرعية أو مصادرتها، وإنما لتنظيمها ضمن إطار أعلى من الانتماء المشترك، إطارٍ يرى في العراق وطناً نهائياً لأبنائه جميعاً، وفي تاريخهم المتشابك ومصيرهم الواحد أساساً لقيام أمة عراقية حديثة، تستمد مشروعيتها من الواقع والتاريخ، كما تستمدها من السعة الدلالية العميقة التي احتضن بها اللسان العربي مفهوم الأمة منذ نشأته الأولى.

……………………….

1-ابن منظور، لسان العرب، مادة (أمم).

2-الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة (أمم).

3-ابن الأنباري، الزاهر في معاني كلمات الناس.

4-موسوعة السياسة، مادة «الأمة».

5-الموسوعة العربية العالمية، مادة «الأمة».