رياض سعد
إن جريمة “سبايكر” ليست مجرد حدثٍ عابر، بل هي بحقٍ جريمة العصر، ومجزرة المجازر، وأمُّ المواجع… , إنها فاجعةٌ أليمة أعادت للأذهان ما سبقها من مآسٍ دموية، ودقت ناقوس الخطر محذرةً مما قد تحمله الأيام من شرور إذا لم يُجتث الإرهاب من جذوره.
فنهج الإجرام واحد؛ إذ إن مجرمي الأمس الذين استباحوا الحرمات، هم ذاتهم من تقمصوا أدوار الإرهاب اليوم، ولن تجد لسيرتهم الإجرامية ومسيرتهم الدموية تبديلاً ولا تحويلاً. وهؤلاء الجناة باتوا معروفين للقاصي والداني، فقد كشفت التحقيقات الدقيقة والشهادات الموثقة – ومنها اعترافات أبناء تلك المناطق الذين رفضوا هذا الإجرام – عن هويات المتورطين في هذه الفاجعة، وعن أسمائهم وانتماءاتهم بالتفصيل.
إن هذه العقلية الإجرامية التي نفذت مجزرة سبايكر، هي الامتداد الطبيعي للعقلية التي مارست القمع والبطش بحق العراقيين الأصلاء طوال أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
ففي ذلك العهد المظلم، امتلأت السجون والمعتقلات وغرف التعذيب بمئات الآلاف من الأبرياء، حيث مُورست أبشع صنوف التنكيل والهوان.
ولم يكتفِ أصحاب هذا النهج الدموي بما اقترفوه من مقابر جماعية وإعدامات بالجملة، بل أبوا إلا أن يستمروا في غيّهم وعدوانهم .
وعندما تنفس العراقيون الصعداء بسقوط نظام الاستبداد وتحرروا من قبضة القمع، سعت قوى الإرهاب والتطرف إلى تنغيص هذه الفرحة… ؛ فعمدت تلك العصابات الحاقدة إلى ارتكاب أفظع جرائم الذبح والنحر، وتفجير الآلاف من السيارات المفخخة والعبوات الناسفة ضد المدنيين العُزّل.
عقيدة القتل من السلف إلى الخلف
وبما أن هؤلاء قد نشأوا وترعرعوا على الإجرام كابراً عن كابر، وورثوا القسوة والعنف سلفاً عن خلف، فقد أصابهم الامتعاض الشديد لزوال نظامهم الذي كان يمنحهم الغطاء القانوني والمظلة السلطوية لممارسة ساديتهم… ؛ وإزاء هذا التحول، عمدوا إلى تربية أطفالهم، وصبيانهم، ونسائهم على ذات النهج الدموي الذي لقنهم إياه كبيرهم السفاح… ؛ فصاروا يتصيدون العراقيين العزل والأبرياء بعد عام 2003 في عمليات إرهابية غادرة، جاعلين من أشلاء الضحايا ميادين تدريب لصبيانهم ونسائهم على نحر المواطنين بدم بارد.
سبايكر.. الشاهد الأكبر
وما مجزرة سبايكر إلا الشاهد الأكبر، والدليل الدامغ الذي يضاف إلى سلسلة المخازي والجرائم والمجازر التي تكشف الحقيقة العارية لهذه الفئة الهجينة الباغية… ؛ إن هذه الفاجعة تستصرخ الضمير الوطني وتؤكد ضرورة التصدي الحازم لهؤلاء القتلة، وإنزال أقسى العقوبات العادلة بحقهم، كجزاء عادل لما اقترفته أيديهم الأثيمة بحق الإنسانية والوطن… ؛ ومحاربة هذا الفكر المنحرف قانونياً وثقافياً لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في تاريخ العراق.