صباح البغدادي
(*) النطق بالحقيقة كالرصاصة؛ قد ترتد لتغتال قائلها إن واجهت طغيان أصحاب النفوذ ؟.
(*) قبل يومين وتحديدا الثلاثاء 9 حزيران 2026 اندلع حريق في قسم العقود في وزارة الصحة العراقية ومن خلال تماس كهربائي ــ ويا سبحان الله لا يحدث التماس الكهربائي إلا في قسم العقود والمناقصات فقط ؟ــ وبعد يومين فقط من إعلان وزير الصحة ومع توجيهات أصدرها (عبد الحسين الموسوي) لإعادة تقييم ومراجعة جميع العقود والتعاقدات التجارية داخل الوزارة ودوائرها ؟ وعلى الرغم من تصريح الوزارة بأن الأضرار كانت طفيفة ومسيطر عليها ؟ ولكن الأفلام المصورة والمنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي توضح بأن الحريق قد أكل الأخضر واليابس وأن حجم الدمار الذي شاهدناه أكبر من أن يتم أخفاه بهذه السهولة (1) ؟ (*) في كل مرة يعلن فيها عن حريقٍ جديد داخل مؤسسة حكومية، تتجه الأنظار أولًا إلى اللهب، ثم إلى الدخان، ثم إلى تقرير الدفاع المدني ؟ ولكن تتكون في مخيلتنا مفارقة تثير الدهشة وقد نجدها كذلك قد تكون ماثلة في المخيال الشعبي؛ فالتماس الكهربائي يبدو كائنًا اسطوريا غامضًا له بوصلة خاصة، يعرف طريقه إلى مكاتب العقود والمناقصات أكثر مما يعرف طريقه إلى بقية المكاتب ؟ وحين يأتي، فإنه لا يختار ساعات الدوام الصاخبة، بل ينتظر حتى يغادر الموظفون، وتخلو الممرات من الشهود، ثم يظهر في المساء كزائرٍ الليل الذي لا يحب الأضواء الساطعة؟ صحيح من الناحية التقنية قد تكون هناك تفسيرات كثيرة، ولكن الفلسفة لا تكتفي بالتفسير التقني. إنها تبحث عن المعنى الكامن خلف تكرار نمطية الصورة . لماذا أصبحت النار، في الوعي الجمعي للرأي العام، مرتبطة بالأوراق الحساسة والوثائق والمستندات الرسمية ؟ ولماذا تحولت عبارة “التماس الكهربائي” إلى شخصية كائن أسطوري تتكرر في الروايات الإدارية كما تتكرر شخصيات الملاحم القديمة؟.(*) بداية عام 2009 نشرت سلسلة مطولة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية معززة بالوثائق والمستندات الرسمية تبين بصورة “قطعية” لا “ظنية” عن حجم الفساد المالي والإداري بوزارة الصحة وبالاخص موضوع استيراد الأدوية العلاجية للأمراض المزمنة والتي كانت معظمها تاتي أما منتهية الصلاحية او قاربت على انتهاء صلاحيتها ــ وبشهادة رئيس تحرير صحيفة كتابات المحترم والذي كان يساعدني في وضع بصمة توقيع رقمية على الوثائق والمستندات قبل نشرها منعا لسرقتها من قبل المواقع والصحف ــ ولكن الحدث المفصلي الاهم كان في بداية شهر حزيران من عام 2009 حيث نشرت في إحدى التحقيقات أوضحت فيها بشيئ من التفصيل والاستغراب من عدم وصول “التماس الكهربائي” لغاية الان الى مكاتب الشركة العامة لاستيراد وتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية ” كيماديا” وذلك بعد ان شكلت موجة من الحرائق في الوزارات والمؤسسات الحكومية في حينها والذي اختص “التماس الكهربائي” بان يندلع فقط في أقسام العقود والمناقصات دون غيرها من بقية الأقسام الأخرى ؟ وفعلا لم تمضي خمسة أيام إلا وتتناقل الاخبار العاجلة عن اندلاع حريق في مبنى “وزارة الصحة” حيث اتى شدة الحريق على معظم الوثائق والمستندات وعقود المناقصات والعطاءات التي كانت شركة “كيماديا” تحيلها إلى الشركات الدوائية ؟ وكذلك مع شهادة رئيس التحرير “كتابات” السيد “الزاملي” حيث اتصل كذلك للاخباري بأن ما توقعته في المقال وكقراءة استباقية قد حصل فعلا ؟ حيث قمنا بتوثيق هذا الحدث بسلسلة من التحقيقات وبمساعدة ودعم مشهود له في حينها من قبل بعض الموظفين والمسؤولين في شركة “كمياديا” وتم كذلك إذاعتها من خلال البرنامج الإذاعي السياسي الساخر ” حرامية كهرمانة بغداد ” الذي كنت بدوري أعده واقدم بعض من حلقاته من خلال إذاعة صوت الشباب وكذلك من اهم الأسباب الرئيسية للمرة الثانية قرصنة صحيفة كتابات في حينها وضياع الأرشيف الصحيفة بالكامل , كما في مأساة فليم ــ ذهب مع الريح ـ وقبلها كان نفس السبب ومن خلال إختراق وتدمير متعمد أصاب كتابات في 12 – 11 – 2004 والذي عاصرنا صدورها منذ الأيام الأولى وما زلنا ولكن لحسن الحظ ما تزال بعض الصحف والمواقع الالكترونية تحتفظ في ارشيفها ببعض من هذه التحقيقات الصحفية (2).منذ فجر التاريخ والإنسان يبحث عن المعنى الكامن وراء الأحداث التي تتكرر بصورة تثير الدهشة. فحين تتكرر المصادفات في المكان نفسه أو ضمن السياق ذاته، ينشأ سؤال فلسفي قديم: هل نحن أمام مصادفة عمياء، أم أمام نمط خفي لم نكتشف قوانينه بعد؟ لقد شغلت هذه الأسئلة عقول الفلاسفة والمتصوفة والحكماء منذ آلاف السنين، فراح بعضهم يفسرها بقوانين الطبيعة، بينما رأى فيها آخرون إشارات غامضة تصدر من طبقات أعمق من الواقع. ولو قُدّر للحكيم الإغريقي “طاليس الملطي” وأن ينهض الينا اليوم من سباته التاريخي ويعود إلى عالمنا المعاصر، لربما وجد نفسه أمام لغز يفوق في غرابته كل الأسئلة التي شغلته عن أصل الكون والماء والعناصر الأولى. فالرجل الذي حاول تفسير الطبيعة بالعقل بدل الأسطورة، قد يقف اليوم حائرًا أمام ظاهرة سياسية شرقية فريدة: العلاقة العجيبة بين التماس الكهربائي ومكاتب العقود والمناقصات. لقد كان “طاليس” يعتقد أن لكل ظاهرة سببًا يمكن اكتشافه، وأن الكون لا تحكمه المصادفات بل القوانين. غير أن هذه القناعة الفلسفية قد تتعرض لاختبار قاسٍ عندما يكتشف أن بعض الحرائق تمتلك، في المخيلة الشعبية، قدرة خارقة على اختيار أماكنها وأوقاتها بدقة تكاد تبدو ميتافيزيقية. فالنار لا تزور أي مكان، بل تتجه مباشرة وبدون اي عائق نحو المكاتب التي تختزن الذاكرة الإدارية والوثائق الحساسة، وكأنها تنفذ مهمة غامضة أو تستجيب لنداء خفي لا تسمعه إلا هي. ومن هنا يتحول السؤال من كونه سؤالًا تقنيًا إلى سؤال سياسي فلسفي. فالمشكلة ليست في الكهرباء، بل في معنى الكهرباء. وليست في الحريق، بل في رمزية الحريق. إذ كلما ضعفت الثقة بين المجتمع والمؤسسات، تحولت الأحداث العادية إلى أساطير سياسية، وأصبحت الرواية الرسمية عاجزة عن إقناع جمهور يبحث دائمًا عن المعنى الكامن خلف الوقائع.
وفي العراق المعاصر ظهرت ظاهرة تستحق التأمل من منظور فلسفي ورمزي، وهي ظاهرة الحرائق التي ترتبط في المخيلة الشعبية بأقسام العقود والمناقصات والملفات الإدارية الحساسة. فكلما وقع حريق في مؤسسة تحتوي على وثائق مهمة، عاد إلى الواجهة ذلك التفسير الشهير: “التماس الكهربائي”. وقد لا تكمن غرابة الأمر في وجود تماس كهربائي بحد ذاته، فهذه الحوادث تقع في مختلف أنحاء العالم، وإنما في ذلك الشعور الجمعي بالدهشة عندما يتكرر المشهد في أماكن بعينها وفي توقيتات بعينها، حتى أصبح التماس الكهربائي في الوعي الشعبي أقرب إلى شخصية أسطورية منه إلى ظاهرة تقنية.
هذه المقالة لا تهدف إلى الطعن في أي رواية رسمية أو إثبات أي فرضية مادية، بل تسعى إلى دراسة الظاهرة بوصفها فكرة فلسفية وروحانية ورمزًا ثقافيًا. إنها محاولة لقراءة العلاقة الغامضة التي رسمها الخيال الشعبي بين النار والوثائق، وبين التماس الكهربائي ومكاتب العقود، وكأننا أمام ملحمة حديثة تستعيد بطريقة مختلفة رحلة البحث عن عشبة الخلود في أساطير بلاد الرافدين القديمة.
عندما نتأمل التاريخ البشري نجد أن النار لم تكن مجرد عنصر مادي. لقد كانت دائمًا رمزًا للتحول والتطهير والإخفاء والكشف في الوقت نفسه. ففي الأساطير القديمة كانت النار تمنح المعرفة أحيانًا، وتبتلع الأسرار أحيانًا أخرى. ولهذا فإن الإنسان لا ينظر إلى الحريق بوصفه حادثة تقنية فقط، بل يحمّله معاني تتجاوز اللهب والدخان. ومن هنا تبدأ المفارقة الفلسفية. فحين يندلع حريق في مخزن عادي أو ورشة عمل، ينشغل الناس بأسباب الحادث وطرق معالجته. أما عندما يقع الحريق في مكان يحتوي على ملفات أو عقود أو وثائق، فإن السؤال يتحول من “كيف اشتعلت النار؟” إلى “لماذا اشتعلت هنا بالذات؟”. وفي هذه اللحظة بالذات تبدأ الفلسفة عملها.
إن ما يثير التأمل ليس الحريق نفسه، بل السياق المحيط به. فغالبًا ما ترتبط هذه الحوادث في المخيلة الشعبية بوقت المساء، أي بعد مغادرة الموظفين وانتهاء ساعات العمل. وكأن التماس الكهربائي، في الرواية الشعبية الساخرة، يمتلك حسًا إداريًا يجعله يختار لحظته المناسبة بعناية. وهنا تظهر أولى ملامح الأسطورة الحديثة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى منح الأحداث المتكررة معنى رمزيًا. وعندما تتكرر حادثة معينة في أماكن متشابهة، يبدأ العقل في نسج خيوط تربط بينها، حتى لو لم تكن هذه الخيوط مثبتة ماديًا. ومن هنا يمكن القول إن التماس الكهربائي لم يعد مجرد مصطلح هندسي في المخيال العراقي، بل أصبح رمزًا ثقافيًا يشير إلى شيء أكبر من معناه الحرفي.
وإذا انتقلنا إلى البعد الروحاني، سنجد أن الأمر يزداد إثارة. ففي الفكر الصوفي والفلسفات الباطنية يوجد اعتقاد بأن الأحداث الظاهرة ليست سوى ظلال لحقائق أعمق. وليس المقصود هنا وجود قوى سحرية بالمعنى التقليدي، بل وجود طبقات من المعاني تختبئ خلف الوقائع اليومية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحرائق بوصفها لغة رمزية تعبّر عن صراع الإنسان مع الذاكرة والنسيان لان الوثيقة والمستند الرسمي ليست مجرد ورقة ولكنها ذاكرة مؤسسية وإنها سجل الأفعال والقرارات والاتفاقات. ولذلك فإن احتراق الوثيقة يحمل دلالة رمزية تتجاوز قيمتها المادية. إنه احتراق جزء من الذاكرة. ومن هنا نفهم لماذا ترتبط النار في الوعي الجمعي بفكرة محو الأثر أو اختفاء الشاهد أو ضياع الحقيقة , و
في هذه القراءة الرمزية التي نحاول إن نقربها قدر الإمكان إلى العقل الجمعي للرأي العام , فلا تصبح النار مجرد تفاعل كيميائي متسلسل يؤدي إلى الدمار والخراب بالنتيجة المتعارف عليها، بل تتحول إلى كائن أسطوري يلتهم الذاكرة الوثائقية ؟ إنها التنين الذي يحرس بوابة النسيان ؟ وكلما اقترب التحقيق من منطقة حساسة، يظهر في المخيلة الشعبية سؤال قديم : هل جاءت النار مصادفة، أم أنها استدعيت كما كان الكهنة يستدعون الأرواح في الحكايات القديمة ؟ لان التحقيق الاستقصائي يبحث عن الأدلة والقرائن وآثار الاحتراق. أما الفلسفة فتبحث عن شيء آخر؛ تبحث عن سبب الدهشة نفسها. لماذا لم يعد الناس يندهشون من الحريق، بل من توقيته؟ ولماذا لا يركزون على حقيقية تماس الأسلاك الكهربائية بقدر تركيزهم على الملفات التي كانت محفوظة قربها؟.وفي ختام هذه العجالة والموجز والذي حاولنا به وبصورة مختصرة التطرق إلى العلاقة والفلسفلة الروحانية والتي ارتبطت في عوالمها السحرية بين التماس الكهربائي واقسام مكاتب العقود الرسمية ، فلا يسعنا إلا أن نتمنى أن تبقى هذه العلاقة الغامضة محصورة فقط في المخيلة الشعبية وعوالمها السحرية الخيالية بين “التماس الكهربائي” ومكاتب العقود والمناقصات بالوزارات وان لا تتعدى بمفهومها مجرد مادة للتأمل الفلسفي والسخرية السياسية، لا أن تتحول إلى فصل متكرر من فصول الواقع الإداري التي قد نراها غدا تندلع في إحدى مكاتب وأقسام التي تحتفظ بأرشيف العقود والمناقصات ومنذ عام 2003 بالوزارات العراقية وان لا تعيد السردية نفسها وبالأخص اليوم حكومة رئيس الوزراء السيد “علي الزيدي” نراها ماضية في فتح جميع ملفات الفساد المالي والاداري , ولذا لا نريد ان نصحى غدا لنشاهد في نشرات الاخبار عن اندلاع حريق في قسم العقود والمناقصات بسبب تماس كهربائي نتيجة رداءة التوصيلات الكهربائية . فالمجتمعات التي تسعى إلى بناء دولة المؤسسات تحتاج إلى ذاكرة محفوظة لا إلى ذاكرة محترقة، وإلى وثائق محصنة بالشفافية لا إلى وثائق تحيط بها الشكوك والتأويلات. وإن التحدي الحقيقي أمام أي حكومة تعلن الحرب على الفساد المالي والإداري لا يكمن فقط في فتح الملفات ومراجعة العقود، بل في ضمان بقاء هذه الملفات نفسها شاهدة على الحقيقة، بعيدًا عن كل ما قد يثير الريبة أو يفتح أبواب الشك في الوعي العام. فكلما كانت إجراءات المراجعة والتدقيق أكثر جدية، ازدادت الحاجة إلى حماية السجلات والوثائق والبيانات التي تمثل الذاكرة القانونية والإدارية للدولة. ومن هنا تبرز أهمية أن ترافق حملات الإصلاح أعلى درجات الشفافية والرقابة والتوثيق، لأن الثقة العامة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل ببقاء الحقائق متاحة وقابلة للتحقق والمراجعة. فحين يشعر المواطن أن الحقيقة محفوظة، تتراجع الأساطير، ويخفت حضور التفسيرات الغامضة، وتعود الوقائع إلى حجمها الطبيعي بعيدًا عن عوالم التأويل والرمزية. ولعل أعظم انتصار على ما أسميناه مجازًا “فلسفة الحريق الإداري” هو أن يأتي يوم لا يثير فيه أي حادث عرضي عاصفة من التساؤلات والشكوك، لأن المؤسسات تكون قد نجحت في ترسيخ الثقة والشفافية والمحاسبة في العقل الجمعي للراي العام .
ولو كان الحكيم “طاليس” بيننا اليوم، فربما لم يكن سينشغل بدراسة النار، بل بدراسة المجتمع الذي منح النار هذا المعنى الرمزي الهائل. وربما لاكتشف أن أعظم الألغاز ليست تلك التي تقع في الطبيعة، بل تلك التي تنشأ عندما تفقد الشعوب ثقتها بالتفسيرات الرسمية البسيطة، فتبدأ بالبحث عن عوالم ما وراء السياسة، كما كان القدماء يبحثون عن عوالم ما وراء الطبيعة وعندها فقط ستنتهي أسطورة العلاقة الروحانية بين النار والوثائق، وسيعود التماس الكهربائي إلى مكانه الطبيعي بوصفه ظاهرة فنية يفسرها المختصون، لا لغزًا سياسيًا يستدعي الفلاسفة والشعراء وكتّاب الملاحم لغرض تفسيره . فالدولة القوية لا تخشى الذاكرة، ولا تخشى الوثيقة، ولا تخشى الحقيقة؛ بل تجعل منها أساسًا للإصلاح، وركيزةً لبناء مستقبل لا تحكمه الأساطير، بل تحكمه المعرفة والقانون والمساءلة والعدالة والنزاهة والشفافية
.(1)https://www.youtube.com/shorts/IimLRzXTrXM(2)https://misralhura.wordpress.com/2009/09/22/sabahbghdadi-2/
لمزيد من التوثيق والمراجعة راجع جزء من سلسلة تحقيقاتنا الصحفية الاستقصائية حول ما حدث من حريق في بناية وزارة الصحة وما عثرنا عليه في الأرشيف؟
https://www.alwatanvoice.com/arabic/…29/139147.html
https://misralhura.wordpress.com/200…albaghdadi-17/
https://www.alwatanvoice.com/arabic/…21/138923.html
https://www.alwatanvoice.com/arabic/…24/139024.html