إيهاب مقبل
أعلنت دائرتا صحة بغداد الرصافة وكركوك فتح باب التعاقد أمام خريجي الطب من الدفعة الخامسة والعشرين براتب شهري مقداره 600 ألف دينار/ نحو 450 دولار، على أن يتم تثبيتهم لاحقاً ضمن ملاك وزارة الصحة في موازنة عام 2027. خبرٌ بدا إدارياً في ظاهره، لكنه محزن جدًا للأوساط الطبية، ويعيد فتح سؤال أعمق من مجرد رقم في عقد وظيفي: ما قيمة الطبيب اليوم في العراق؟
ست سنوات كاملة يقضيها طالب الطب بين القاعات الدراسية والمختبرات والمستشفيات التعليمية، ست سنوات لا تشبه أي تخصص آخر من حيث الضغط النفسي وكثافة المواد وصعوبة الامتحانات. لكنها ليست مجرد سنوات دراسة، بل سنوات من التضحيات الصامتة التي تتحملها العائلات العراقية في سبيل صناعة طبيب المستقبل. ومع ذلك، يُطلب من هذا الطبيب اليوم أن يبدأ مسيرته المهنية بعقد لا يتجاوز 600 ألف دينار، وكأن كل تلك الرحلة الطويلة يمكن اختصارها برقم شهري محدود.
وراء هذا الرقم تختبئ تفاصيل لا تُذكر كثيراً في الخطابات الرسمية. فطالب الطب لا يعيش على المحاضرات وحدها، بل هناك سلسلة طويلة من المصاريف اليومية التي تتراكم عاماً بعد عام. النقل اليومي إلى الكلية أو المستشفى التعليمي يستهلك جزءاً ثابتاً من دخل الأسرة، خصوصاً في المدن البعيدة عن المراكز الطبية الكبرى. والسكن يشكل عبئاً إضافياً على الطلبة الوافدين من المحافظات، حيث يضطر كثير منهم إلى الإقامة في بيوت مشتركة أو استئجار غرف صغيرة بأسعار مرتفعة نسبياً.
ثم تأتي الكتب والمراجع الطبية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وهي ليست كأي كتب جامعية عادية، بل مصادر علمية باهظة الثمن أو اشتراكات إلكترونية بالدولار، إلى جانب الملازم والدورات التدريبية التي أصبحت ضرورة لا خياراً. ولا يمكن تجاهل تكاليف الأدوات الطبية الأساسية مثل السماعات والمعاطف البيضاء واللوازم السريرية، فضلاً عن الأجهزة الإلكترونية التي يعتمد عليها الطالب في الدراسة الحديثة، من حاسوب محمول إلى هاتف ذكي وإنترنت مستمر. كل ذلك يجعل من رحلة الطب عبئاً مالياً متراكماً يمتد لسنوات طويلة، تتحمله العائلة بصبر كبير وأمل أكبر.
وعندما يصل الخريج إلى مرحلة التعيين، يكون السؤال الطبيعي: هل يعكس هذا الراتب حجم ما تم استثماره فيه من وقت وجهد ومال؟ وهل يمكن اعتبار 600 ألف دينار بداية عادلة لطبيب يتحمل مسؤولية حياة البشر وصحتهم اليومية؟ الطبيب ليس موظفاً عادياً، فهو يتعامل مع قرارات مصيرية، ويعمل تحت ضغط المناوبات والطوارئ، ويُحاسب قانونياً وأخلاقياً على كل تفصيلة في عمله.
لكن الصورة تصبح أوضح عند وضعها في سياق مقارن داخل المجتمع نفسه. فمثلاً، عامل الميكانيك في ورشة سيارات في العراق قد يتقاضى ما بين 500 ألف إلى 1.2 مليون دينار شهرياً بحسب الخبرة وموقع الورشة، وقد يرتفع دخله أكثر إذا كان صاحب ورشة أو متخصصاً في أعطال معقدة أو كهرباء السيارات الحديثة. هذا الدخل لا يرتبط بعدد سنوات دراسة طويلة أو شهادة جامعية، بل يعتمد على المهارة والخبرة العملية وسوق الطلب.
وفي المقابل، فإن راتب 600 ألف دينار يضع صاحبه أمام سقف معيشي شديد الضيق. فبالحساب الواقعي، هذا الدخل بالكاد يغطي إيجار سكن متواضع في مدينة رئيسية، أو مصاريف عائلة صغيرة من طعام وكهرباء ونقل، دون أي قدرة حقيقية على الادخار أو مواجهة الطوارئ. أي إن أقصى ما يمكن أن يفعله هذا الراتب في الواقع العراقي اليوم هو تأمين حياة “حدّ الكفاف”: سكن بسيط، طعام محدود، ونفقات يومية محسوبة بدقة، مع غياب شبه كامل لأي استقرار مالي أو قدرة على بناء مستقبل مستقل.
الأمر لا يتعلق بالمبالغة في المطالب، ولا بالمقارنة السطحية مع المهن الأخرى، بل بمبدأ بسيط: التناسب بين الجهد والعائد. فعندما يشعر المتفوق في المدرسة الثانوية أن الطريق إلى الطب قد ينتهي بعقد محدود الأجر ومجهول الاستقرار، فإن السؤال الطبيعي الذي سيطرحه هو: لماذا أختار هذا الطريق أصلاً؟ وعندما يرى الطبيب الشاب أن بدايته المهنية لا تختلف كثيراً عن وظائف أقل من حيث سنوات التحصيل العلمي، فإن الإحباط يصبح احتمالاً واقعياً لا يمكن تجاهله.
إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس الرقم بحد ذاته، بل الرسالة التي يحملها. فالدول لا تنهض إذا فقدت قدرتها على إقناع أفضل عقولها بالبقاء في نظامها الصحي. ومع كل طبيب يفكر بالهجرة أو يعيد النظر في مستقبله داخل البلد، هناك خسارة تراكمية لا تظهر فوراً، لكنها تتجلى لاحقاً في نقص الكفاءات، وتراجع جودة الخدمات، وزيادة الضغط على من يبقى داخل المنظومة.
لقد كان الطب في العراق يوماً ما رمزاً للهيبة الاجتماعية والعلمية، ومهنة يرتبط اسمها بالاحترام والمكانة والمسؤولية. أما اليوم، فإن هذا الرمز يبدو أمام اختبار حقيقي: إما إعادة الاعتبار له عبر سياسات عادلة تحفظ كرامة الطبيب وتضمن استقراره، أو استمرار الانحدار نحو واقع تصبح فيه الهجرة خياراً أكثر جاذبية من البقاء.
إن الطبيب العراقي لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يطلب فقط أن تُقاس سنوات عمره بميزان عادل، وأن يُنظر إلى مهنته باعتبارها استثماراً في صحة المجتمع لا عبئاً على الموازنة. فالمجتمعات التي تبخس قيمة أطبائها اليوم، قد تدفع غداً ثمن ذلك في غرف الانتظار المزدحمة، وفي المستشفيات التي تفتقر إلى الكفاءات، وفي نظام صحي ينهكه النقص قبل أي شيء آخر.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: إذا كان هذا هو سعر البداية، فكم سيكون ثمن المستقبل؟
انتهى