اشتقاق رباعي في آية: يشهد (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فان شهدوا فلا تشهد)

د. فاضل حسن شريف

وردت مشتقات مادة (ش – ه – د) في القرآن الكريم ومشتقاتها (من أفعال، وأسماء فاعلين، ومفعولين) نحو 159 مرة، وتدور جميعها حول معاني: الحضور، المعاينة، العلم، والبيان.تتوزع أهم مشتقات الشهادة في القرآن على النحو التالي: 1. الأفعال (صيغ الاستشهاد والإقرار)شَهِدَ: بمعنى الإقرار والإخبار عن علم، كقوله تعالى: “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” (آل عمران: 18).أَشْهَدَ: بمعنى طلب الحضور أو جعل الآخرين شهوداً، مثل: “وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ” (البقرة 282).اسْتَشْهَدَ: طلب الشهادة، مثل: “وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ” (البقرة 282).2. الأسماء (الشخصيات الموثقة)الشَّاهِد: هو من يؤدي الشهادة بناءً على رؤية أو علم، مثل: “وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا” (يوسف 26).الشَّهِيد: صيغة مبالغة تدل على التوثيق والحضور الدائم، وتُطلق على الله عز وجل وعلى الأنبياء، مثل: “وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ” (آل عمران 98)، “وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ” (المائدة: 117). كما تُطلق على من يُقتل في سبيل الله.الشُّهَدَاء: جمع “شهيد”، وهم الشهود في القضايا لإثبات الحقوق، أو الأنبياء والأمة الإسلامية كشهود على الناس يوم القيامة، مثل: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” (البقرة 143). 3. أسماء الأماكن والزمان والحدثالشَّهَادَة: المصدر (الإخبار عن الحق)، وقد وردت للتحذير من كتمانها، مثل: “وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ” (البقرة 283).المَشْهَد: هو الموضع أو الزمان الذي تُقام فيه الشهادة، مثل: “وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” (غافر 51)، (وهم الملائكة والأنبياء الذين يشهدون).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله سبحانه وتعالى “قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ” ﴿الأنعام 150﴾ “قل” يا محمد لهم “هلم شهداءكم” ﴿الأنعام 150﴾ أي: أحضروا، وهاتوا شهداءكم “الذين يشهدون” بصحة ما تدعونه من “أن الله حرم هذا” ﴿الأنعام 150﴾ أي: هذا الذي ذكر مما حرمه المشركون من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحرث، والأنعام، وغيرها “فإن شهدوا فلا تشهد معهم” ﴿الأنعام 150﴾ معناه: فإن لم يجدوا شاهدا يشهد لهم على تحريمها غيرهم، فشهدوا بأنفسهم، فلا تشهد أنت معهم، وإنما نهاه عن الشهادة معهم، لأن شهادتهم تكون شهادة بالباطل. فإن قيل: وكيف دعاهم إلى الشهادة، ثم قال: فلا تشهد معهم ؟ فالجواب: إنه أمرهم أن يأتوا بالعدول الذين يشهدون بالحق، فإذا لم يجدوا ذلك، وشهدوا لأنفسهم، فلا ينبغي أن تقبل شهادتهم، أو تشهد معهم، لأنها ترجع إلى دعوى مجردة بعيدة من الصواب. وقيل: إنه سبحانه أراد هاتوا شهداء من غيركم، ولم يكن أحد غير العرب يشهد على ذلك، لأنه كان للعرب شرائع شرعوها لأنفسهم.

وعن تفسير الميسر: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله تعالى هو الذي حرَّم ما حرَّمتم من الحرث والأنعام، فإن شهدوا كذبًا وزورًا فلا تصدقهم، ولا توافق الذين حكَّموا أهواءهم، فكذبوا بآيات الله فيما ذهبوا إليه من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ولا تتبع الذين لا يصدقون بالحياة الآخرة ولا يعملون لها، والذين هم بربهم يشركون فيعبدون معه غيره.

جاء في معاني القرآن الكريم: شهد الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر، أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور مفردا قال الله تعالى: “عالم الغيب والشهادة” (السجدة 6)، لكن الشهود بالحضور المجرد أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى، ويقال للمحضر: مشهد، وللمرأة التي يحضرها زوجها مشهد، وجمع مشهد: مشاهد، ومنه: مشاهد الحج، وهي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل مشاهد الحج: مواضع المناسك. قال تعالى: “ليشهدوا منافع لهم” (الحج 28)، “وليشهدوا عذابهما” (النور 2)، “ما شهدنا مهلك أهله” (النمل 49)، أي: ما حضرنا، “والذين لا يشهدوا الزور” (الفرقان 72)، أي: لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمهم وإرادتهم. والشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. وقوله: “أشهدوا خلقهم” (الزخرف19)، يعني مشاهدة البصر ثم قال: “ستكتب شهادتهم” (الزخرف 19)، تنبيها أن الشهادة تكون عن شهود، وقوله: “لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون” (آل عمران 70)، أي: تعلمون، وقوله: “ما أشهدتهم خلق السموات” (الكهف 51)، أي: ما جعلتهم ممن اطلعوا ببصيرتهم على خلقها، وقوله: “عالم الغيب والشهادة” (السجدة 6)، أي: ما يغيب عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدونه بهما. وشهدت يقال على ضربين: أحدهما جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشهادة، ويقال: أشهد بكذا، ولا يرضى من الشاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني يجري مجرى القسم، فيقول: أشهد بالله أن زيدا منطلق، فيكون قسما، ومنهم من يقول: إن قال: أشهد، ولم يقل: بالله يكون قسما، ويجري علمت مجراه في القسم، فيجاب بجواب القسم.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه وتعالى “قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ” ﴿الأنعام 150﴾ “قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهً حَرَّمَ هذا” ﴿الأنعام 150﴾. افترى المشركون على اللَّه الكذب في تحريم ما حرموا من الحرث والأنعام، وأيضا افتروا عليه في نسبة شركهم إليه، فأمر نبيه محمدا في الآية الأولى أن يقول لهم: هل عندكم دليل على ما تدعون، فتخرجوه لنا ؟. ثم أمره في الآية الثانية أن يقول لهم: ان الدليل القاطع لكل شبهة ملك للَّه، لا لكم، ثم أمره في هذه الآية أن يقول لهم: أروني من يشهد بأن اللَّه أوحى إليه مباشرة، أو بواسطة نبي من أنبيائه انه تعالى حرم ما حرمتم أيها المشركون، لأن الشهادة الحقة يشترط فيها العلم القاطع للشك والاحتمال، ولا وسيلة للعلم بحرام اللَّه وحلاله إلا الوحي، فأحضروا من يشهد به “فَإِنْ شَهِدُوا” ﴿الأنعام 150﴾ على سبيل الفرض “فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ” ﴿الأنعام 150﴾ هذا النهي كناية عن كذبهم في شهادتهم، لأن النبي محال أن يشهد مع المشركين. والكناية أبلغ من التصريح.

يُقصد بالاشتقاق في الحديث الشريف استنباط معاني الألفاظ النبوية من جذورها اللغوية، وتتبع تصريفاتها لاستخراج الدلالات العميقة. يُعد الاشتقاق أداة محورية لدى شراح الحديث لفهم مراد النبي (ص)، وربط المفردات بسياقها الأصلي والمجازي.أهمية الاشتقاق في فهم الحديث الشريفتجلية الغريب: يساعد في كشف معاني الكلمات النبوية الصعبة بردها إلى أصلها.توسيع الدلالات: يفسر استخدام الكلمة الواحدة في عدة معانٍ مترابطة بفضل تعدد مشتقاتها.البيان النبوي: يبرز دقة اختيار النبي (ص) للألفاظ من حيث القوة والفصاحة والمناسبة للسياق.من تطبيقاته عند شراح الحديثاستخدم العلماء الاشتقاق كمنهج تحليلي، ومن أبرز أمثلته:العلم والرحمة: في قول النبي (ص): “الراحمون يرحمهم الرحمن”، يوضح الشراح اشتقاق “الرحمة” من (الرَّحِم) للدلالة على شدة الوصل واللين والشفقة بين الخلق والخالق.الأسماء المشتقة: توجيه معاني الأحاديث التي تتضمن أسماءً وصفاتٍ، مثل اشتقاق “المؤمن” من الأمان، و”المسلم” من السَّلام.أقسام الاشتقاق في اللغةيُصنف علماء اللغة الاشتقاق إلى ثلاثة أقسام رئيسية يتم تطبيقها في توجيه النصوص: الاشتقاق الصغير (التصريف): أخذ كلمة من أخرى مع اتفاقهما في الحروف الأصلية والترتيب، مثل اشتقاق (يَضْرِب، ضَارِب، مَضْرُوب) من الفعل (ضَرَبَ).الاشتقاق الكبير (القلب): تقليب حروف الكلمة الأصلية في تصريفات مختلفة تجمعها دلالة واحدة.الاشتقاق الكُبَار (النحت): صياغة كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر أو من جملة كاملة، مثل قولهم: (بَسْمَلَ) إذا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم).

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه وتعالى “قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ” ﴿الأنعام 150﴾ ولكي يتضح بطلان أقوالهم، ومراعاة لأسس القضاء والحكم الصحيح دعا المشركين ليأتوا بشهدائهم المعتبرين لو كان لهم، لكي يشهدوا لهم بأنّ الله هو الذي حرّم الحيوانات والزروع التي ادّعوا تحريمها، لهذا يقول: “قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا” ﴿الأنعام 150﴾. ثمّ يضيف قائلا: إذا كانوا لا يملكون مثل هؤلاء الشهداء المعتبرين (ولا يملكون حتما) بل يكتفون بشهادتهم وادّعائهم أنفسهم فقط، فلا تشهد معهم ولا تؤيدهم في دعاويهم: “فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ” ﴿الأنعام 150﴾. اتضح ممّا قيل إنّه لا تناقض قطّ في الآية لو لوحظت مجموعة، وأمّا مطالبتهم بالشاهد في البداية ثمّ أمره تعالى بعدم قبول شهاداتهم، فلا يستتبع إشكالا، لأنّ المقصود هو الإشعار بأنّهم عاجزون عن إقامة الشهود المعتبرين على القطع واليقين، لأنّهم لا يمتلكون أيّ دليل من الأنبياء الإلهيين والكتب السماوية يسند تحريم هذه الأمور، ولهذا فإنّهم وحدهم الذين يدّعون هذه الأمور سيشهدون، ومن المعلوم أنّ مثل هذه الشهادة مرفوضة. هذا مضافا إلى أنّ جميع القرائن تشهد بأنّ هذه الأحكام ما هي إلّا أحكام مصطنعة مختلفة نابعة عن محض الهوى والتقليد الأعمى، ولا اعتبار لها مطلقا.