بسمه طه الحيفي
بين صخب الملاعب وأنين الأمة حين تسلبنا المستديرة وعينا
تتلاطم أمواج الأحداث في عالمنا المعاصر بشكل متسارع، ويمرّ العالم بأسره، والأمة الإسلامية على وجه الخصوص، بمنعطفات تاريخية حاسمة تتراوح بين الأزمات السياسية، والحروب المدمرة، والمجاعات، والتهجير القسري، فضلاً عن السعي المستمر لطمس الهوية الثقافية والدينية وفي خضم هذه العواصف التي تضرب جسد الأمة، يبرز تناقض غريب وصادم يثير الكثير من التساؤلات حول وعي الشعوب وأولوياتها: كيف تنجح كرة القدم (كأس العالم تحديداً) في حشد مشاعر الملايين وتوجيه اهتماماتهم، بينما تقف قضايا الأمة المصيرية عاجزة عن تحريك ساكن؟
أولاً: واقع الأمة الإسلامية.. جراح تنزف وعالم يموج بالمتغيرات
يعيش العالم اليوم حالة من إعادة التشكيل، حيث تتصارع القوى العظمى على النفوذ والثروات، وتدفع الدول النامية والمسلمة غالباً فاتورة هذا الصراع. من فلسطين المغتصبة، مروراً بأزمات الشرق الأوسط، وصولاً إلى مآسي المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ يعاني جسد الأمة من ضعف وتشتت غير مسبوقين.
الأمة الإسلامية اليوم لا تواجه تحديات عسكرية وسياسية فحسب، بل تواجه غزوًا فكريًا واقتصاديًا يستهدف إنهاكها وإشغالها بصراعات جانبية، مما يجعلها في حالة دفاع مستمر عن وجودها وهويتها. في هذا التوقيت الحرج، يُفترض أن تكون الشعوب في أعلى درجات اليقظة والوعي، ومتابعة الأحداث التي ترسم ملامح مستقبل أبنائها
ثانياً: هوس كأس العالم.. الأفيون الحديث للشعوب
في المقابل، عندما يحين موعد بطولة كأس العالم، تنقلب الموازين وتتغير الاهتمامات بشكل دراماتيكي. تتحول منصات التواصل الاجتماعي، والمقاهي، والبيوت إلى ساحات نقاش ساخنة، ليس حول حصار مدينة أو جوع أطفال أو خطط تنموية، بل حول “تسلل” مشكوك فيه، أو إصابة لاعب، أو توقعات المتأهلين للمربع الذهبي
يتحول هذا الحدث الرياضي من مجرد “ترفيه” أو “ترويح عن النفس” (وهو أمر مشروع ومطلوب) إلى حالة من الاستلاب الفكري والعاطفي الكامل. يصبح فوز فريق بمباراة مدعاة لابتهاج عارم ينسي الشعوب مآسيها، وخسارته سبباً لاكتئاب جماعي، في مشهد يجسد بوضوح نظرية “تخدير الجماهير” وصرف نظرها عن القضايا الحقيقية.
ثالثاً: المفارقة المؤلمة.. اختلال ميزان الأولويات
إن الإشكالية لا تكمن في حب الرياضة أو الاستمتاع بكرة القدم، بل في الاختلال الحاد في ميزان الاهتمام والبذل وهنا تظهر المفارقات التي تدمي القلوب:
الجهد والوقت: يقضي الشباب ساعات طوال في تحليل المباريات، وتتبع أخبار اللاعبين، وحفظ تواريخ البطولات، في حين يجهلون أبسط الحقائق والتطورات عن القضايا التي تمس إخوانهم في العقيدة والعروبة، أو حتى التي تمس مستقبلهم الشخصي
الانفعال العاطفي: تفيض المآقي بالدموع لخروج منتخب من البطولة، بينما تمر مشاهد الأشلاء والبيوت المهدمة وصراخ الأمهات الثكالى في نشرات الأخبار كشريط عابر لا يحرك في النفوس إلا تنهيدة باردة
الإنفاق المالي: تُصرف المليارات على تذاكر المباريات، والاشتراكات الفضائية، والقمصان الرياضية، بينما تعاني المؤسسات الإغاثية والتعليمية التي تدعم المنكوبين والمحتاجين في الأمة من شح الدعم والتمويل
ملاحظة تأملية: لقد تحولت الرياضة من وسيلة لبناء الأجسام والتقارب بين الشعوب، إلى صناعة ضخمة تهدف إلى تسليع الإنسان وتوجيه وعيه بعيداً عن مراكز القرار والتأثير الحقيقي
رابعاً: أسباب الانكفاء نحو “المستديرة” والهروب من الواقع
لعل من الإنصاف فهم الدوافع التي تجعل الإنسان المعاصر يهرب إلى الملاعب، ومنها:
الهروب من واقع محبط: يعيش المواطن العربي والمسلم في بيئة مليئة بالضغوط السياسية والاقتصادية، فيجد في كرة القدم متنفساً يفرغ فيه طاقاته ومشاعره المكبوتة، ومساحة يحقق فيها “نصراً وهمياً” يعوض به انكسارات الواقع.
الآلة الإعلامية الضخمة: تضخ الشركات العابرة للقارات وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مليارات الدولارات لصناعة هذا الهوس، وتوجيه الرأي العام نحو الاستهلاك والترفيه الدائم، لضمان استمرار تدفق الأرباح
ضعف الوعي والترهيب الفكري: غياب المناهج التعليمية والتربوية التي ترخ القيم العميقة وتربط الفرد بأمته، مما أنتج جيلاً هشاً منقاداً وراء الصرعات والاهتمامات السطحية
خامساً: نحو إعادة ضبط البوصلة
إن الأمة الإسلامية اليوم، وهي تواجه هذه التحديات العالمية الوجودية، بحاجة ماسة إلى ثورة في الوعي وإعادة ترتيب الأولويات. لا أحد يطالب بتحويل الحياة إلى مأتم دائم، أو تحريم الفرح والترويح عن النفس، فالإسلام دين توازن.
ولكن المطلوب هو اليقظة وعدم التبعية المطلقة. يجب أن تبقى قضايا الأمة وجراحها هي الأصل الذي ينبض له قلب المسلم، وأن تكون التسلية في حجمها الطبيعي كهامش في كتاب الحياة، لا أن تصبح هي الكتاب، وتصبح قضايا الأمة هامشاً منسياً إن استرداد الوعي هو الخطوة الأولى نحو استرداد المكانة والريادة بين الأمم.