الجولاني والوكالة الحصرية لتجميع واستيراد فلول الإرهاب

رياض سعد

*تدفق جماعي للمقاتلين الأجانب ومنح الجنسية السورية

في مشهد يعيد إنتاج أسوأ نماذج التوظيف الإقليمي للجماعات المتشددة والفصائل الجهادية والعصابات الارهابية ، تحولت سوريا خلال السنوات والاشهر الأخيرة إلى بؤرة استقطاب غير مسبوقة لآلاف المقاتلين الأجانب القادمين من جنسيات متعددة… ؛ اذ لم يعد الأمر مجرد تسلل فردي أو تحركات محدودة، بل أصبح ظاهرة منظمة تهدف إلى إعادة بناء جيش عقائدي تكفيري على أراضي دولة عربية، في تكرار مكشوف لتجربة أفغانستان التي أنجبت شبكات الإرهاب العابر للحدود.

وتشير المعطيات الميدانية والاستخبارية إلى حصول المجاميع الإرهابية والعصابات التكفيرية على ألف سيارة مصفحة على الأقل، إلى جانب آلاف الطائرات المسيرة الحديثة، معززة بعناصر مدربة تدريباً عالياً على إدارة معارك الطائرات المسيرة، فضلاً عن جحافل من القناصة وخبراء حرب المدن والشوارع الذين راكموا خبراتهم في ساحات الصراع السابقة… ؛ و هذا التجهيز النوعي لا يمكن أن يكون وليد الصدفة، بل يرسم ملامح مشروع عسكري تكفيري طائفي واسع النطاق يعدّ له منذ فترة طويلة.

*الجولاني والوكالة الحصرية لتجميع واستيراد فلول الإرهاب

بات واضحاً أن أحمد الجولاني بات يملك ما يمكن وصفه بـ “الوكالة الحصرية لاستيراد وتجميع فلول الإرهاب”، حيث أصبحت الساحة السورية تحت إمرته مستودعاً يجمع شتات التنظيمات المتشددة التي تفرقت بعد انهيار معاقلها في مناطق مختلفة… ؛ و الأكثر خطورة هو السعي المعلن لمنح هؤلاء المقاتلين الأجانب الجنسية السورية، في خطوة تحوّلهم من مجرد عناصر عابرة إلى كتلة بشرية مقيمة ذات شرعية وهمية، تهدف إلى توطين مشروع طائفي عدواني.

ما يحدث اليوم يحمل أبعاداً سياسية وإقليمية تتجاوز بكثير الصراع الداخلي السوري، فهناك من يعمل على إعادة تدوير التاريخ الإجرامي في المنطقة، مستنسخاً سيناريو حرب الثمانينيات التي وظّف فيها النظام البعثي البائد كل امكانيات ومقدرات الدولة  لمحاربة الشيعة، مدعوماً من أطراف إقليمية ودولية .

*استعداد ممنهج لحرب طائفية مفتوحة

المشهد الأكثر إثارة للقلق هو التصريحات المعلنة من قبل منابر هذه الجماعات ومنصاتها الإعلامية، التي تتحدث بصراحة عن “المعركة الكبرى” و”الاستعداد للمنازلة”، في إشارة واضحة لا تحتمل التأويل إلى أن الهدف ليس تحرير الجولان المحتل من إسرائيل، بل شن حرب طائفية ممنهجة تستهدف شيعة لبنان أولاً، ثم الانتقال إلى العراق… ؛  إن غياب أي حديث جاد عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، مقابل التركيز المكثف على العداء الطائفي، يكشف عن حقيقة المشروع الذي يبنى هناك.

في هذا السياق، يجري إعداد وتدريب الآلاف من العناصر المدربة تدريباً عالياً على حرب المدن والشوارع، مع توفير تجهيزات متطورة تشمل أسراباً من الطائرات المسيرة وأساطيل من السيارات المصفحة، في مؤشر واضح على أن الحرب المزمع خوضها ليست حرب عصابات تقليدية، بل مواجهة عسكرية واسعة تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي واستهداف التجمعات الشيعية في لبنان والعراق.

*الواجب الوطني العراقي: اليقظة والمبادأة

إن العراق، الذي دفع أثماناً باهظة من الدماء والدمار خلال سنوات الإرهاب، لا يمكنه التغاضي أو التهاون أمام هذا الخطر الداهم المتربص على حدوده… ؛  لقد علمتنا التجارب القاسية أن التنظيمات المتشددة لا تعترف بحدود الدول ولا تلتزم بسيادتها، وأن التساهل مع بؤر التطرف يمنحها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع دائرة خطرها.

إن الواجب الشرعي والوطني يفرض على الحكومة العراقية والنخب الوطنية والقوات المسلحة اتخاذ إجراءات استباقية حاسمة:

· رفع أعلى درجات الجاهزية العسكرية والأمنية على طول الشريط الحدودي مع سوريا، ونشر أنظمة رصد وتتبع متطورة لرصد أي تحركات مشبوهة.

· تكثيف العمل الاستخباري وتعزيز التعاون الأمني مع الدول المعنية لمتابعة تحركات هذه الجماعات وكشف شبكات دعمها وتمويلها.

· ملاحقة شبكات التجنيد والتمويل داخل العراق التي قد تسعى لدعم هذه المشاريع التكفيرية تحت أي مسمى أو شعار.

· معالجة العدوان قبل انطلاقه عبر استراتيجية وقائية تستند إلى المبادأة وعدم انتظار وصول الخطر إلى الداخل العراقي.

*وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة أوضاع السجناء المحكومين في قضايا الإرهاب، ولا سيما من يحملون جنسيات أجنبية وسورية ، والتخلص من المجرمين والارهابيين الاجانب والغرباء ؛ وفقًا للقانون العراقي والاتفاقيات النافذة… ,  كما ينبغي تعزيز إجراءات التأمين داخل المؤسسات الإصلاحية، والنظر في توزيع النزلاء وفق اعتبارات أمنية ومهنية، بما يقلل من مخاطر التمرد أو الهروب أو التنسيق مع شبكات خارج السجون.

وفي حال وقوع أي اضطرابات أو محاولات هروب أو اعتداءات مسلحة تستهدف المؤسسات الإصلاحية، فإن مسؤولية الدولة تقتضي تمكين القوات الأمنية من إعادة فرض النظام بسرعة وحزم، وباستخدام القوة المشروعة والضرورية وفق القانون، مع حماية المدنيين والحفاظ على الأمن العام ومنع أي خرق قد يهدد استقرار البلاد.

كما تقع مسؤولية كبيرة على النخب السياسية والدينية والإعلامية في ترسيخ الوعي الوطني، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف الطائفي، ومنع تحويل العراق مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية التي تستغل الجماعات المسلحة أدوات فيها.

*الوقاية خير من مواجهة الكوارث

إن التجارب المريرة التي مرت بها المنطقة تؤكد أن مكافحة الإرهاب تبدأ بمنع تشكل بيئته، لا بانتظار تمدده واستفحاله… ؛ و الدولة القوية لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وصيانة سيادتها وإحباط التهديدات قبل أن تتحول إلى أزمات مدمرة.

إن أمن العراق لا يتحقق بالشعارات ولا بالتمني، بل ببناء دولة قوية ومؤسسات أمنية محترفة، وسياسة خارجية يقظة تستند إلى قراءة واقعية للمتغيرات الإقليمية، واستعداد ميداني حقيقي لمواجهة أي تهديد إرهابي وفق القانون، بما يحفظ أمن المواطنين وسيادة الدولة ويمنع تكرار المآسي التي دفع العراقيون ثمنها غالياً خلال العقود الماضية.

فليعلم الجميع أن العراق الذي انتصر على أخطر تنظيم إرهابي عرفه التاريخ، قادر على حماية حدوده وصون أمن شعبه، ولن يسمح بإعادة إنتاج مآسي الماضي تحت أي مسمى أو ستار.