بين دماء سبايكر المغدورين ودموع لرقية الكربلائية

لقمان البرزنجي .. المانيا

المقارنة التي اطرحتها تختزل في عمقها واحدة من أكبر جدليات التاريخ الإنساني. الصراع بين روح التوحش وروح التسامح (أو الروح الإنسانية العالية). بين مشهد ماساوي يمثل ذروة الهمجية والغدر في (مذبحة سبايكر) والتي راح ضحيتها الفان و سبعمائة شاب عراقي و هم في ريعان شبابهم. وبين مشهد وجداني جماعي يفيض بالرحمة والقدسية للبحث عن طفلة ترمز للمظلومية (رقية الكربلائية) بين دماء سبايكر ودموع كربلاء . هي صراع بين فلسفة التوحش ونورانية التسامح والإنسانية . المعروف في مسيرة البشرية يتارجح الإنسان بين قمتين متناقضتين. قمة الهبوط إلى درك (التوحش) حيث تنعدم الإنسانية، وقمة السمو إلى أوج٠(الرحمة والتسامح) حيث يصبح الإنسان مظهرا للطف الالهي. ولا نجد تجسيدا صارخا وفاضحا لهذا التناقض كما نجده في المقارنة بين فاجعة غدر جماعي، وبين هبّة وجدانية لأمة تبحث عن أثر لدمعة طفلة.ان روح التوحش وعقدة (سبايكر) لايمکن النسيان لمشهد (مذبحة سبايكر) واقتياد الشبان العزل لرميهم في النهر أو دفنهم أحياء، لم يكن مجرد جريمة حرب، بل كان إعلانا صارخا عن تمكن (روح التوحش) من جماعات نزعت عن نفسها رداء الآدمية. ايديولوجيا الإلغاء التوحش لا يولد من فراغ، بل يتغذى على عقيدة الحقد وتجريد الآخر من إنسانيته. في سبايكر تحول النهرالذي هو رمز الحياة إلى مدفنٍ للمغدورين. مما يعكس رغبة التوحش في محو الحياة نفسها. من علامات التوحش السيكولوجي ان القاتل لا يكتفي بالقتل، بل يسعى لتوثيقه والتباهي به، مستمدا شعورا زائفًا بالقوة من ضعف الضحية الأعزل. وفي الوجهە الاخر هناک روح التسامح والقدسية البحث عن (رقية الكربلائية) عندما تنهض امة بكامل طاقاتها الروحية والعاطفية للبحث عن جثة طفلة ( رقية) او لإحياء مظلوميتها، فإننا لسنا أمام مجرد طقس تاريخي، بل أمام تجلي روح التسامح والرحمة العلوية. امام عقيدة الأمة التي ترفض الظلم وتنتصر للضعيف في وجه الطغيان. إن استذكار هذه الآلام لا يهدف إلى إنتاج حقد مضاد، بل إلى غرس قيم الرحمة. الأمة التي تبكي طفلة مظلومة هي امة ترفض أن تصبح متوحشة، البكاء هنا هو غسيل للروح وتاكيد على التمسك بالإنسانية مهما بلغت قسوة الظروف.إن مقياس تحضر اي امة ليس في ترسانتها العسكرية، بل في مدى حساسيتها تجاه دماء الأبرياء ودموع الأطفال والنساء والشيوخ. مهما بلغت قوة القتلة في سبايكر، فإن فعلهم يظل وصمة عار يلفظها التاريخ والتطور الإنساني. اما روح الرحمة خالدة تلک الروح التي تحرك الملايين للتعاطف مع رقية الکربلائية او اي رمز للمظلومية هي روح عابرة للأزمان، وهي التي تبني الحضارات وتحافظ على بقاء الإنسان إنسانا. شتان بالفعل؛ بين من يحمل السلاح ليغتال الحياة ويسفك دماء الشباب في النهر مستلهمًا فكر التوحش، وبين أمة صهرتها الدموع فصارت تبحث عن ماوى لجسد طفلة مكلومة. إنها المواجهة الابدية بين ظلمة الغدر ونورانية الرحمة، ويبقى الرهان دائما على تنمية روح التسامح والعدالة لكي لا تتكررماسي التوحش في عالمنا.