الأمة العراقية في فكر سليم مطر

دراسة تحليلية نقدية ومقارنة مع الرؤية الرافدينية العراقية

رياض سعد

* مقدمة

يُعد المفكر العراقي سليم مطر من أبرز المنظرين لفكرة “الأمة العراقية” في الفكر العراقي المعاصر، وقد انطلق في مشروعه الفكري من نقد الأيديولوجيات القومية التقليدية، ولا سيما القومية العربية بصيغتها الوحدوية التي سادت خلال القرن العشرين… ؛  وقد سعى إلى إعادة تعريف مفهوم الأمة على أساس الدولة والوطن المشترك، لا على أساس اللغة أو العرق أو الدين.

وتستند أطروحته إلى التمييز بين مفهومي “الأمة” (Nation) و”القومية” أو “الإثنية” (Ethnicity)، وهو تمييز يرى أنه ضروري لفهم طبيعة المجتمعات الحديثة وإشكاليات الهوية في المشرق العربي.

* أولاً: مفهوم الأمة عند سليم مطر

يرى سليم مطر أن الأمة ليست جماعة لغوية أو عرقية، بل هي جماعة بشرية توحدها دولة واحدة ووطن واحد ومصالح تاريخية مشتركة.

فالأمة عنده هي كيان سياسي–حضاري ينشأ داخل إطار الدولة، بغض النظر عن التنوع اللغوي أو الديني أو الإثني الذي يضمّه المجتمع.

ولهذا يستشهد بنماذج عديدة من الأمم الحديثة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا والهند والصين، حيث تتعايش قوميات ولغات وأديان متعددة ضمن دولة واحدة، لكنها تشكل أمة سياسية واحدة.

وبناءً على ذلك يرفض سليم مطر الفكرة القائلة إن اللغة الواحدة تكفي لتكوين أمة واحدة… ؛  فاللغة العربية ــ من وجهة نظره ــ لا تجعل العراقي والمغربي والجزائري والمصري شعباً واحداً بالضرورة، تماماً كما أن اللغة الإنجليزية لا تجعل الأمريكي والبريطاني والأسترالي أمة واحدة.

ومن هنا يصل إلى نتيجة مفادها أن العرب ليسوا أمة واحدة، بل أمم متعددة تجمعها لغة مشتركة وتراث ثقافي متقارب، لكنها تختلف في أوطانها وتجاربها التاريخية ومصالحها الوطنية.

* ثانياً: مفهوم القومية عند سليم مطر

يفرق سليم مطر بين الأمة والقومية.

فالقومية عنده تعني الجماعة اللغوية أو الإثنية التي تمتلك لغة وثقافة وعادات مشتركة، بينما الأمة هي الإطار السياسي الأشمل الذي يضم عدداً من القوميات المختلفة داخل دولة واحدة.

وعلى هذا الأساس يرى أن الأمة العراقية تتكون من عرب وكرد وتركمان وسريان وغيرهم، وأن الأمة المصرية تضم عرباً وأقباطاً ونوبيين، وأن الأمة الجزائرية تضم عرباً وأمازيغ.

أي أن القومية جزء من الأمة، وليست الأمة جزءاً من القومية.

* ثالثاً: أهمية أطروحة سليم مطر

تمتلك أطروحة سليم مطر عدة نقاط قوة فكرية:

أولاً: أنها تحاول تجاوز الصراعات العرقية والطائفية عبر تأسيس هوية وطنية جامعة.

ثانياً: أنها تنسجم مع كثير من مفاهيم الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة لا على الانتماء العرقي.

ثالثاً: أنها تعيد الاعتبار للبعد التاريخي المحلي لكل بلد عربي، وتنتقد النظرة التبسيطية التي تذيب المجتمعات المختلفة في هوية لغوية واحدة.

وربما كانت أهم مساهماته الفكرية هي إبرازه لفكرة أن اللغة وحدها لا تكفي لبناء أمة، وأن التاريخ المشترك والإرادة السياسية والدولة الموحدة عوامل لا تقل أهمية عن اللغة.

رابعاً: نقد أطروحة سليم مطر من منظوري

على الرغم من أهمية هذا التمييز بين الأمة والقومية، فإن رؤية سليم مطر لا تخلو من إشكالات نظرية وتاريخية.

فمن منظوري ، لا يمكن اختزال الأمة بمجرد وجود دولة قائمة، لأن الدولة كيان سياسي متغير، بينما الأمة ظاهرة تاريخية أعمق وأكثر رسوخاً.

فلو كانت الدولة وحدها كافية لتكوين أمة، لوجب اعتبار عشرات الدول الاستعمارية المصطنعة أمماً مكتملة بمجرد رسم حدودها، وهو أمر لا تؤيده الوقائع التاريخية.

فأني أرى :  أن الأمة ليست مجرد عقد سياسي بين سكان دولة معينة، بل هي حصيلة تراكم تاريخي طويل تشترك فيه الجغرافيا والذاكرة الجمعية والأساطير المؤسسة والخبرات الحضارية والمصالح المشتركة والشعور بالانتماء إلى مصير واحد… .

ولا يعني الحديث عن الأمة أو الهوية التاريخية التقاطع مع مفهوم المواطنة القانونية أو الانتقاص منه، فالمواطنة مفهوم قانوني وسياسي، بينما الأمة مفهوم تاريخي وحضاري واجتماعي أوسع وأعمق.

فلو افترضنا أن شخصاً من أصول أفريقية حصل على الجنسية العراقية وفق القوانين النافذة، فإنه يصبح مواطناً عراقياً كامل الحقوق والواجبات، ويتمتع بالحماية القانونية نفسها التي يتمتع بها أي مواطن آخر… ؛  غير أن اكتسابه للجنسية العراقية لا يخولنا بالضرورة للقول إنه ينحدر تاريخياً من سكان العراق القدماء أو من النبط أو من القبائل العربية العراقية أو من الكلدان أو الآشوريين أو غيرهم من المكونات التاريخية التي تشكلت منها الشخصية العراقية عبر القرون.

وبالمثل، لو حصل شخص هندي على الجنسية الإيرانية وأصبح مواطناً إيرانياً من الناحية القانونية، فإن ذلك يمنحه حق الانتماء إلى الدولة الإيرانية والمشاركة في حياتها السياسية والمدنية، لكنه لا يجعله تلقائياً جزءاً من الامتداد التاريخي للشعب الفارسي أو من السلسلة الحضارية التي تشكلت عبر آلاف السنين في الهضبة الإيرانية.

فالمواطنة القانونية تنشأ بقرار قانوني، أما الانتماء القومي أو الحضاري فيتشكل عبر مسار تاريخي طويل يمتد أحياناً لقرون أو لآلاف السنين… ؛  ولذلك فإن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اضطراب كبير في فهم قضايا الهوية والأمة والدولة.

فالفرنسي المتجنس حديثاً بالجنسية الفرنسية مواطن فرنسي بلا شك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه ينتمي إلى الامتداد التاريخي للشعب الفرنسي الذي تشكل عبر قرون طويلة من التفاعلات بين الغاليين والرومان والفرنجة وغيرهم… ؛  وكذلك الأمر بالنسبة للأمريكي أو الروسي أو الصيني أو التركي.

ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة:

أولاً: **المواطنة القانونية**، وهي رابطة دستورية تربط الفرد بالدولة وتمنحه الحقوق والواجبات.

ثانياً: **الهوية الوطنية**، وهي شعور بالانتماء إلى وطن معين والاشتراك في مصيره السياسي.

ثالثاً: **الانتماء الحضاري أو التاريخي**، وهو الامتداد المتراكم لذاكرة جماعة بشرية عاشت على أرض معينة وأسهمت في صناعة تاريخها وثقافتها عبر الأجيال.

وعليه، فإن المواطن يمكن أن يكتسب الجنسية خلال يوم واحد بقرار إداري أو قانوني، أما الانتماء إلى أمة تاريخية أو حضارية فهو ظاهرة أكثر تعقيداً، تتعلق بالتراكم التاريخي والذاكرة الجمعية والاندماج الاجتماعي والثقافي عبر الزمن.

لذلك فإن المواطنة لا تساوي بالضرورة الانتماء القومي أو الحضاري، كما أن الانتماء القومي أو الحضاري لا ينبغي أن يكون شرطاً للحصول على حقوق المواطنة… ؛  فلكل مفهوم مجاله الخاص ووظيفته الخاصة، والخلط بينهما يؤدي إلى تشويش فكري ومنهجي في فهم العلاقة بين الأمة والدولة والمجتمع.

ومن هنا فإن الأمة العراقية لا تنشأ فقط من وجود دولة اسمها العراق، بل من حقيقة أن سكان بلاد الرافدين يشتركون في فضاء حضاري يمتد لآلاف السنين، منذ سومر وأكد وبابل وآشور وصولاً إلى العصر الحديث.

نعم , من منظور فكري اخر … ؛  يمكن إضافة ملاحظة مهمة وهي أن الأمة الحضارية ليست رابطة دم خالص أو نقاء عرقي كما اسلفنا ، بل هي استمرارية تاريخية وثقافية… ؛  ولذلك فإن الفرد المتجنس وأبناؤه وأحفاده قد يندمجون مع مرور الزمن في الأمة التاريخية نفسها، كما اندمجت عبر التاريخ جماعات لا تُحصى في الأمم الكبرى، سواء في العراق أو إيران أو فرنسا أو غيرها… ؛  فالأمم ليست سجوناً بيولوجية مغلقة، وإنما كيانات تاريخية حية تستوعب الوافدين وتعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال.

*خامساً: الاختلاف الجوهري بيني وبين المفكر سليم مطر

يكمن الفرق الجوهري بين المشروعين في مصدر الأمة ذاتها.

فسليم مطر يجعل الدولة أساس الأمة، أو على الأقل شرطها الحاسم.

أما أنا : اجعل الحضارة والجغرافيا والتاريخ أساس الأمة، بينما تأتي الدولة بوصفها التعبير السياسي عن تلك الأمة فيما بعد .

وبعبارة أخرى:

عند سليم مطر:

الدولة ← الأمة.

أما عندي:

الأمة الحضارية ← الدولة.

فالعراق في نظري ليس مجرد دولة حديثة تأسست في القرن العشرين، بل هو كيان حضاري ضارب في القدم، أنتج عبر آلاف السنين شخصية عراقية متمايزة عن محيطها، رغم تعدد اللغات والأديان والأعراق التي تعاقبت عليه.

* سادساً: إشكالية الأمة والقومية في فكر سليم مطر

ثمة إشكالية أخرى تتمثل في تعريفه للقومية بوصفها جماعة لغوية فقط.

فالعديد من الدراسات الحديثة في علم القوميات تؤكد أن القومية لا تُبنى على اللغة وحدها، بل على التاريخ المشترك والوعي الجمعي والأساطير المؤسسة والذاكرة التاريخية.

فالألمان والنمساويون يتحدثون لغة واحدة لكنهم قوميتان مختلفتان.

والصرب والكروات والبوسنيون يتحدثون لغة متقاربة جداً لكنهم يعتبرون أنفسهم أمماً وقوميات مختلفة.

وفي المقابل توجد قوميات متعددة اللغات لكنها تمتلك وعياً تاريخياً موحداً.

لذلك فإن ربط القومية باللغة وحدها يبدو تبسيطاً لمفهوم أكثر تعقيداً.

نعم,  أن اللغة عنصر من عناصر الأمة بل والقومية  وليست الأمة  والقومية نفسها؛ فالأمة العراقية ـ وفق هذا التصور ـ لم تتشكل لأن العراقيين يتحدثون العربية فحسب، بل لأنها نتاج تراكم حضاري وجغرافي وتاريخي طويل في بلاد الرافدين، شاركت في صناعته شعوب وأقوام ولغات متعددة عبر آلاف السنين، بينما بقيت وحدة الأرض والذاكرة والمصير المشترك هي العامل الأكثر رسوخاً في تكوين الأمة.

ولو افترضنا – على سبيل الجدل التاريخي – أن فرنسا نجحت في بسط سيطرتها الكاملة على أمريكا الشمالية، وأن بريطانيا مُنيت بهزيمة ساحقة أدت إلى تراجع نفوذها السياسي والثقافي، ثم تمكنت السلطات الفرنسية عبر القرون من فرض اللغة الفرنسية على سكان الولايات المتحدة وكندا حتى أصبحت لغة الأغلبية الساحقة، فهل يعني ذلك أن أحفاد المهاجرين الإنجليز والاسكتلنديين والإيرلنديين – من ابناء  قبائل الأنجلوسكسون – فقدوا أصولهم التاريخية وتحولوا تلقائياً إلى قومية أخرى لمجرد تبدل اللغة التي يتحدثون بها؟

من الواضح أن الجواب هو: لا.

فاللغة، مهما بلغت أهميتها، تبقى أحد عناصر الهوية وليست الهوية كلها… ؛  إذ يمكن للإنسان أن يغيّر لغته خلال جيل أو جيلين، وأن يتبنى ثقافة جديدة أو ديناً جديداً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انقطاعه الكامل عن جذوره التاريخية أو تبدل البنية السكانية التي ينتمي إليها.

والتاريخ الإنساني مليء بأمثلة شعوب تخلت عن لغاتها الأصلية أو تبنت لغات جديدة دون أن يؤدي ذلك إلى زوالها أو انقراضها… ؛  فشعوب أمريكا اللاتينية تتحدث الإسبانية والبرتغالية، لكنها ليست إسبانية أو برتغالية بالمعنى القومي… ؛  وملايين الأفارقة يتحدثون الفرنسية أو الإنجليزية، لكن أحداً لا يزعم أنهم تحولوا إلى فرنسيين أو إنجليز بسبب اللغة.

ومن هنا فإن اختزال القومية أو الأمة في العامل اللغوي وحده يُعد تبسيطاً مفرطاً لظاهرة إنسانية معقدة… ؛  فاللغة عنصر مهم في تحديد الهوية القومية، لكنها ليست العنصر الوحيد ولا الحاسم دائماً… ؛  فالقومية تتكون من شبكة واسعة من العوامل المتداخلة، تشمل التاريخ المشترك، والجغرافيا، والذاكرة الجمعية، والتجربة الحضارية، والروابط الاجتماعية، والشعور بالانتماء إلى جماعة بشرية ذات مصير واحد.

ولهذا فإن تبدل اللغة لا يؤدي بالضرورة إلى تبدل القومية، تماماً كما أن تبدل الدين لا يؤدي بالضرورة إلى تبدل الشعب… ؛  فالمصريون لم يصبحوا عرباً بالمعنى العرقي لمجرد تحدثهم العربية، كما لم يصبح الإيرانيون عرباً بعد اعتناقهم الإسلام، ولم يصبح الأتراك أوروبيين لمجرد استخدامهم الأبجدية اللاتينية.

إن اللغة قد تنتشر بفعل النفوذ السياسي أو الديني أو الاقتصادي أو الثقافي، لكن انتشارها لا يعني تلقائياً تبدل الشعوب أو اختفاء الجماعات البشرية التي تتبناها. ولذلك فإن جعل اللغة المعيار الوحيد لتعريف القومية أو الأمة يقود إلى استنتاجات تتعارض مع كثير من حقائق التاريخ وعلم الاجتماع السياسي.

* الخاتمة

يمثل سليم مطر أحد أبرز المنظرين لفكرة الأمة العراقية في العقود الأخيرة، وقد قدم إسهاماً مهماً في نقد القومية العربية التقليدية وإبراز أهمية الدولة الوطنية والهوية العراقية الجامعة.

غير أن أطروحته، رغم أهميتها، تبقى أقرب إلى مفهوم “الأمة السياسية” المرتبط بالدولة الحديثة، في حين اذهب انا إلى مفهوم أوسع وأعمق هو “الأمة الحضارية العراقية”، التي تستمد مشروعيتها من استمرارية التاريخ الرافديني ووحدة الجغرافيا وتراكم الخبرة الحضارية عبر آلاف السنين.

وبينما ينطلق سليم مطر من الدولة لبناء الأمة، أنطلق أنا من الأمة التاريخية  الحضارية والوحدة الجغرافية لبناء الدولة… ؛  ومن هنا يبدو مشروع سليم مطر مشروعاً وطنياً إصلاحياً داخل الدولة العراقية الحديثة، في حين يمثل مشروعي محاولة لتأسيس نظرية حضارية شاملة حول الأمة العراقية بوصفها امتداداً تاريخياً ورافدينياً سابقاً على الدولة الحديثة نفسها.

وعليه، فإن الخلاف بيني وبينه ليس في ضرورة وجود أمة عراقية، بل في تعريف هذه الأمة ومصدر مشروعيتها: هل تنبع من الدولة السياسية الحديثة، أم من التاريخ الحضاري العميق لبلاد الرافدين؟