جديد

يوم اللاجئين العالمي… عندما يصبح الوطن حلماً والعودة أملاً

يوم اللاجئين العالمي… عندما يصبح الوطن حلماً والعودة أملاً

بقلم : يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ ألمانيا
المقدمة :
اللاجئ لا يترك وطنه حباً بالغربة ولا بحثاً عن المغامرة بل يغادره مرغماً عندما تضيق به سبل الحياة وتتحول أرضه إلى ساحة حرب أو قمع أو فقر أو خوف. فالوطن ليس مجرد قطعة أرض بل هو الذاكرة والهوية والأهل والأصدقاء والذكريات التي ترافق الإنسان منذ ولادته وحتى آخر أيامه.

ففي العشرين من حزيران من كل عام يتوقف العالم أمام واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث وهي مأساة اللجوء التي أجبرت عشرات الملايين من البشر على ترك أوطانهم ومنازلهم وأحلامهم بحثاً عن الأمان والكرامة في أماكن أخرى من العالم.

خلال العقود الماضية شهد العالم موجات هائلة من اللجوء والنزوح نتيجة الحروب والصراعات السياسية والانقسامات القومية والدينية. فقد اضطر ملايين السوريين والعراقيين والأفغان والأوكرانيين والسودانيين وغيرهم إلى مغادرة ديارهم بعد أن وجدوا أنفسهم بين نار الحرب وظلام المجهول. وشاهد العالم أطفالاً يفقدون طفولتهم في المخيمات وأمهات يحملن أبناءهن عبر الحدود وشيوخاً تركوا بيوتهم التي عاشوا فيها عشرات السنين دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها يوماً.

كما شهدت السنوات الماضية مآسي مؤلمة هزت ضمير الإنسانية عندما غرق الآلاف في البحار أثناء محاولتهم الوصول إلى بر الأمان أو فقدوا حياتهم في الصحارى والطرقات الخطرة. وكانت صور الأطفال والنساء والعائلات الهاربة من الموت شاهداً مؤلماً على حجم المعاناة التي يعيشها اللاجئون في مختلف أنحاء العالم.

ولا يمكن الحديث عن قضية اللجوء دون الإشارة إلى الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. فالحروب وحدها ليست السبب الوحيد بل إن الفساد والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وغياب العدالة وانتشار الفقر وسوء الإدارة كلها عوامل تدفع الإنسان إلى البحث عن حياة أكثر أمناً واستقراراً خارج وطنه. ولو توفرت الحرية والعدالة والتنمية في كثير من البلدان لما اضطر الملايين إلى مغادرة أرضهم وأهلهم.

وفي مقابل هذه المآسي الإنسانية لا بد من الإشادة بالمواقف النبيلة التي قدمتها بعض الدول والشعوب تجاه اللاجئين. فقد فتحت ألمانيا أبوابها أمام مئات الآلاف من الفارين من الحروب وقدمت لهم فرص السكن والتعليم والرعاية الصحية والعمل والتدريب. كما استقبلت كندا والسويد وعدد من الدول الأخرى أعداداً كبيرة من اللاجئين وسعت إلى دمجهم في المجتمع ومنحتهم فرصة جديدة للحياة. وقد أثبتت هذه التجارب أن الإنسانية الحقيقية تظهر عندما يحتاج الإنسان إلى المساعدة وأن قوة الدول لا تقاس فقط باقتصادها وجيوشها بل أيضاً بقدرتها على احتضان الإنسان في أوقات المحن.

ومن الإنصاف أيضاً أن نؤكد أن اللاجئين لم يكونوا مجرد متلقين للمساعدة بل أصبح كثير منهم عناصر فاعلة في المجتمعات التي استقبلتهم. فقد برز بينهم أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وعلماء ورجال أعمال وعمال ساهموا في دعم اقتصادات الدول المضيفة وخدمة مجتمعاتها. وهذا يؤكد أن الإنسان إذا حصل على فرصة عادلة وأمان حقيقي يستطيع أن يحول المعاناة إلى نجاح وأن يصبح جزءاً من نهضة المجتمع الذي يعيش فيه.

أما الحل الحقيقي لقضية اللاجئين فلا يكمن في بناء المزيد من المخيمات أو تشديد الحدود بل في معالجة جذور المشكلة من أساسها. فوقف الحروب والنزاعات المسلحة ونشر ثقافة السلام واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد وإقامة أنظمة عادلة وتوفير فرص العمل للشباب وتحقيق التنمية الاقتصادية وإعادة إعمار المناطق المتضررة كلها خطوات ضرورية للحد من تدفق اللاجئين وتهيئة الظروف المناسبة لعودتهم إلى أوطانهم.

الخلاصة :

يقال إن الوطن هو المكان الوحيد الذي لا يمكن استبداله ويقال أيضاً إن العدالة هي أساس الاستقرار. ولذلك فإن العالم لا يحتاج إلى المزيد من مخيمات اللجوء بل إلى المزيد من العدالة والسلام والتنمية. فكل لاجئ في هذا العالم هو دليل على وجود أزمة لم تجد حلاً بعد وكل عودة آمنة وكريمة إلى الوطن هي انتصار للإنسانية بأسرها. وفي يوم اللاجئين العالمي ننحني احتراماً لكل من تحمل مرارة الغربة والنزوح ونوجه الشكر لكل دولة وشعب فتح أبوابه للمحتاجين ونأمل أن يأتي اليوم الذي لا يضطر فيه أي إنسان إلى مغادرة وطنه بحثاً عن الأمان لأن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في العيش حراً آمناً مستقراً على أرضه وبين أهله.