مكسيم العراقي
1. الهندسة الجيوسياسية والتخادم الوظيفي وتفكيك البنية العائلية والنخبوية في السياسة العراقية
2. ادارة المنظومة الحاكمة في العراق عبر تزاوج هيكلي بين السلطة السياسية والامنية، والمال الفاسد، والغطاء المخابراتي الدولي.
3. سيكولوجية الانتحار الجيوسياسي والمراهقة الأيديولوجية لنخب 14 ثورة تموز والبعث وصدام وحصاد الانكشاف الممنهج
4. متوالية الانتحار الإستراتيجي والتخبطات الهيكلية لعقدة 14 تموز ومأسسة الفشل الجيوسياسي
5. الجراحة السيادية الإستراتيجية والدليل الأمني والتاريخي والنفسي لتفكيك كارتيلات العمالة واقتلاع أدوات التغلغل
6. الهندسة الجيوسياسية الجديدة والانضمام للمحور الأطلسي والسلام الإستراتيجي كحتمية لبناء الدولة السيادية
(1)
الهندسة الجيوسياسية والتخادم الوظيفي وتفكيك البنية العائلية والنخبوية في السياسة العراقية
1. مقدمة عن السيادة المنكشفة وصناعة النخب
لا يمكن فهم المشهد السياسي العراقي المعاصر، القائم على المحاصصة وتفتيت الهوية الوطنية وتدمير البلاد لالف عام قادم، باعتباره نتاجاً لصدف تاريخية أو تحولات ديمقراطية عفوية. إن ما يشهده العراق هو ثمرة هندسة جيوسياسية تعتمد على توظيف عوائل وبيوتات سياسية محددة، تلتقي مصالحها الطموحة للسلطة والمال مع استراتيجيات قوى إقليمية ودولية تسعى لإبقاء العراق في حالة انكشاف دائم.
إن مفهوم التخادم الوظيفي يفسر كيف تلتقي خطط الدول الكبرى (كالولايات المتحدة وإيران) مع شبكات عائلية (دينية، قومية، ورأسمالية) لتنفيذ أجندات تضمن تفكيك المركزية العراقية، وتغييب الإرادة الشعبية الوطنية، وتحويل مقدرات الدولة إلى إقطاعيات عائلية وحزبية تدار عبر مكاتب اقتصادية.
2. الجذور التاريخية وصناعة النخب الموازية
لم تبدأ هندسة النخب العراقية في عام 2003، بل تمتد جذورها إلى صراعات الحرب الباردة ومحاولات تقويض الدولة العراقية عبر العقود. وتعد محاولة انقلاب عبد الغني الراوي عام 1970 نموذجاً مبكراً؛ تختلف عن كل الانقلابات الاخرى, حيث تحالفت نخب سياسية وعشائرية ودينية مع شاه إيران (عبر جهازي السافاك والموساد) وبدعم استخباري غربي لإسقاط النظام في بغداد.
هذا النمط من الاعتماد على المحاور الخارجية لإعادة تشكيل السلطة تم تطويره ومأسسته لاحقاً عبر مؤتمرات المعارضة العراقية في التسعينيات (مثل مؤتمر صلاح الدين ومؤتمر لندن 2002)، والتي أنتجت صيغة مجلس الحكم الذي طبقه الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر عام 2003، محولاً الانقسام الفرعي إلى قانون دستوري غير مكتوب.
3. التشريح البنيوي للعوائل السياسية وأدوارها التاريخية
تتوزع العوائل والنخب السياسية التي تصدرت المشهد العراقي وفقاً لأدوارها الوظيفية إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
• النخب القومية والانفصالية, عائلة بارزاني نموذجاً
-الجذور والصناعة: ترتبط عائلة بارزاني (بقيادة الملا مصطفى بارزاني تاريخياً، ومسعود ومسرور بارزاني لاحقاً) بحركة قومية كردية حظيت برعاية استخباراتية دولية وإقليمية متقلبة. تشير الوثائق التاريخية (ومنها تقرير لجنة بيك التابعة للكونغرس الأمريكي عام 1976) إلى أن الدعم الاستخباري الأمريكي (CIA) والإيراني (في عهد الشاه) للحركة البارزانية في أوائل السبعينيات لم يكن بهدف إقامة دولة كوردية، بل كان أداة وظيفية لاستنزاف الدولة العراقية والضغط عليها لتوقيع اتفاقية الجزائر عام 1975.
• الدور بعد 2003: تحول نفوذ العائلة من حركة تمرد إلى شبه دولة في إقليم كردستان، قائمة على احتكار السلطة والثروة النفطية وتوريث المناصب القيادية (رئاسة الإقليم ورئاسة الحكومة وغيرها). وقد أسهم هذا النموذج في إضعاف السلطة الاتحادية في بغداد عبر فرض سياسة الأمر الواقع والسيطرة على المناطق المتنازع عليها، مستنداً إلى شبكة علاقات دولية وإقليمية مستقلة تضمن بقاء العائلة كشريك أساسي في تفكيك القرار الوطني المركزي.
4. البيوتات الدينية والسياسية, عوائل الحكيم والصدر
عائلة الحكيم (المجلس الأعلى):
• التأسيس والرعاية: برز دور العائلة السياسي بشكل مكثف بعد خروج محمد باقر الحكيم إلى إيران وتأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982، وتشكيل فيلق بدر كذراع عسكري برعاية وإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني.
• التحول الوظيفي: شكلت العائلة (عبر محمد باقر، ثم عبد العزيز، وعمار الحكيم حالياً) الجسر الرابط بين المصالح الإيرانية الإستراتيجية والمشهد العراقي بعد عام 2003. ورغم تبنيها للخطاب الديني، إلا أنها مارست الرأسمالية السياسية عبر الاستحواذ على مفاصل اقتصادية هامة في الدولة وتأسيس عوائل تجارية تابعة لها، مساهمة في ترسيخ نظام المحاصصة الطائفية لحماية نفوذها.
• عائلة الصدر (التيار الصدري):
-الخصوصية البنيوية: تحظى عائلة الصدر برصيد رمزي كبير يعود للشهيدين الصدر الأول والصدر الثاني. بعد عام 2003، قاد مقتدى الصدر تياراً جمع بين خطابي المقاومة والتمثيل الشعبي للمحرومين.
-الديناميكية السياسية: يمثل التيار الصدري نموذجاً فريداً للهندسة السياسية؛ فهو يتحرك كـ سلطة ومعارضة في آن واحد في البداية وقد اعتزل السلطة بعدها في لعبة تقاسم الادوار الايرانية ولكنه احتفظ في السلطة بكبار الفاسدين مثل الفرطوسي مدير المواني والعبودي سكرتير مجلس الوزراء وابن عم الصدر سفير العراق في لندن الخ. ورغم خطابه الوطني المناهض للتدخلات الخارجية، إلا أن التيار شارك بعمق في جميع الحكومات التعاقبية عدا حكومة شياع السوداني بعد ان ترك الساحة لايران لتلعب بالعراق كما تشاء، واحتكر وزارات خدمية ومفاصل إدارية هامة (عبر ما يُعرف بالدرجات الخاصة واللجان الاقتصادية)، مما يجعله جزءاً بنيوياً من المنظومة التي تعيد إنتاج المحاصصة وتمنع التغيير الجذري، معتمداً على الطاعة العمياء للقاعدة الشعبية وتوريث الشرعية الدينية.
وقد شكل جيش المهدي خزانا للمليشيات الايرانية والعصابات التي صفت عناصر الدولة الجديدة العسكرية والامنية والاقتصادية والاكاديمية وتمثل دور التيار في قمع ثورة تشرين مع الكاظمي بعد ان فشلت ايران في ذلك والان عاد التيار للنشاط بعد ان فرضت امريكا شروطا قاسية على حكومة الزيدي منها تصفية المليشيات وادار الصدر الامر لصالح تلك المليشيات بشكل مخفي!
طارحا جيشه كتابع للحكومة والدولة ليكون خزانا اخرا للمليشيات القادمة بعد رحل ترامب!
3. النخب الليبرالية والرأسمالية مثل عوائل الجلبي وصالح جبر
• عائلة الجلبي (أحمد الجلبي):
-الهندسة الغربية: يمثل أحمد الجلبي وعائلته (ذات الخلفية المصرفية والتجارية والاقطاعية التاريخية) النموذج الأبرز للنخب التي صُنعت في أروقة واشنطن. أسس المؤتمر الوطني العراقي بدعم مالي ولوجستي من الكونغرس الأمريكي بموجب قانون تحرير العراق عام 1998.
واسس البيت الشيعي واسس هيئة علماء المسلمين الارهابية لتدمير العراق!
ونقل لايران اسرار امريكا وكذب في موضوع اسلحة الدمار الشامل ثم قتلته ايران بعد ان صعدت فوقه!
وهو المنظر للاجتثاث وحل الجيش والقوى الامنية!
مصادر
في 1 شباط 2020
(926) مثال الالوسي … احمد الجلبي هو من اسس هيئة علماء المسلمين – YouTube
في 27 تموز 2023
أحمد الجلبي: عميل إيراني مزدوج
12 نيسان 2014
أحمد الجلبي العميل الايراني و رجل الاستخبارات الاول في العراق
في 19 ك2 2024
السطر الأوسط | بداية فكرة المؤتمر الوطني العراقي وعلاقة أحمد الجلبي بها
-الدور الاستراتيجي: كان الجلبي المهندس الرئيسي لتسويق تقارير مضللة حول أسلحة الدمار الشامل لإقناع الإدارة الأمريكية بغزو العراق. بعد 2003، تولى هندسة قرارات اجتثاث البعث وحل المؤسسات الأمنية، وهي القرارات التي فككت بنية الدولة العراقية وخلق الفراغ الأمني الذي مكن الفصائل المسلحة والقوى الإقليمية من السيطرة على البلاد، ناهيك عن دوره في صياغة النظام المالي (مثل مزاد العملة) الذي أصبح شريان الفساد المالي واستنزاف الثروات.
• عائلة صالح جبر (سعد صالح جبر)
-الامتداد التاريخي: يعود نفوذ العائلة إلى صالح جبر (رئيس وزراء العراق في العهد الملكي). واصل ابنه، سعد صالح جبر، هذا الإرث من الخارج كمعارض لنظام البعث، وكان فاعلاً أساسياً في كواليس التنسيق مع القوى الإقليمية (ومنها المشاركة في ترتيبات انقلاب عبد الغني الراوي عام 1970).
-التمثيل النخبوي: تعكس هذه العائلة نمط الرأسمالية السياسية التقليدية التي حاولت الموازنة بين علاقاتها الغربية وعلاقاتها العشائرية والإقليمية، معتبرة السلطة في العراق إرثاً سياسياً يجب استعادته عبر التوافق مع المحاور الدولية، مما مهد الطريق لشرعنة التدخل الخارجي كشرط أساسي للوصول إلى حكم العراق.
3. آليات التثبيت والتغييب (كيف تُدار المنظومة؟)
تعمل هذه المنظومة العائلية والنخبوية وفق آليات دقيقة تضمن ديمومتها وتمنع صعود أي بديل وطني:
• المكاتب الاقتصادية والفساد الهيكلي: لا يُعد الفساد في العراق انحرافاً سلوكياً لأفراد، بل هو أداة حكم ممنهجة. تمتلك الأحزاب والعوائل الحاكمة مكاتب اقتصادية وشركات وشركات حرس ثوري وشركات الحشد لاحقا مثل المهندس داخل الوزارات والمؤسسات الرسمية لتمرير العقود والمشاريع، وتحويل الأموال العامة إلى خزائن عائلية وحزبية تُستخدم لاحقاً لشراء الولاءات وتمويل الماكنات الإعلامية والانتخابية.
• تجريف الوعي والخطاب الهوياتي الفرعي: تستثمر هذه العوائل في بقاء الهويات الفرعية (الطائفية والقومية) حية ومشتعلة. يتم توظيف المؤسسات الدينية والقنوات الفضائية التابعة لها لبث خطاب الخوف والتحذير الدائم من الآخر الشريك في الوطن، مما يجعل المواطن العادي يبحث عن الحماية لدى الزعيم العائلي أو الطائفي بدلاً من المطالبة بحقوقه كمواطن في دولة قانون.
• مأسسة الانكشاف الأمني والقمع المنظم: ترتبط أغلب هذه القوى بأذرع مسلحة أو فصائل موازية للأجهزة الأمنية الرسمية. تُستخدم هذه الأذرع لحماية مصالح النخبة وقمع أي حراك شعبي وطني (كما حدث في تصفية وقمع انتفاضة تشرين عام 2019 عبر الاغتيالات والخطف المنظم)، بدعم وتنسيق مباشر من قوى إقليمية ترى في الوعي الوطني العراقي تهديداً لمصالحها الجيوسياسية.
• تدمير ممنهج لكل عوامل القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية!
5. مأزق الدولة الوطنية
إن التدقيق في مسارات هذه العوائل والنخب يُثبت أن المشهد العراقي ليس وليد المصادفة، بل هو تصميم استراتيجي مشترك؛ هندسته القوى الخارجية لضمان ضعف العراق وعدم استعادته لدوره الإقليمي المؤثر، ونفذته نخب محلية جشعة وجدت في تفتيت الدولة وسيلتها الوحيدة للصعود والبقاء في السلطة.
وطالما ظلت آليات التوريث العائلي والمال السياسي والمحاصصة الطائفية هي الحاكمة، سيبقى دور الشعب مغيباً وإمكانية استعادة الهوية الوطنية العراقية الجامعة تصطدم بجدار المنظومة النخبوية المحمية بالسلاح والمال الخارجي.
(2)
ادارة المنظومة الحاكمة في العراق عبر تزاوج هيكلي بين السلطة السياسية والامنية، والمال الفاسد، والغطاء المخابراتي الدولي.
هذه العوائل والنخب لا تمارس السياسة كفكر اي فكر ديني او قومي مزور او طائفي ، بل كـ مشروع استثماري وتجاري يحمي نفوذه عبر السيطرة على الثروات السيادية والتحالف مع أجهزة الأمن الأجنبية.
1. الثروة كأداة بقاء (النفط، الأراضي، والجيل الجديد من الإقطاع)
تحولت هذه العوائل من حركات معارضة أو تمرد في القرن الماضي إلى كارتيلات رأسمالية احتكارية بعد عام 2003، مستبدلةً الإقطاع الزراعي القديم بـ إقطاع مالي ونفطي وعقاري عبر عدة مسارات:
• كارتيلات النفط والشركات الواجهة
النفط هو شريان الحياة للنظام، لذا جرى تقاسمه عبر آليتين:
-في إقليم كوردستان (عائلة بارزاني): صِيغت العقود النفطية مع الشركات الأجنبية (مثل إكسون موبيل وروسنفت) بشكل مستقل عن بغداد لسنوات طويلة. تُدار هذه الملفات عبر شركات محليّة غامضة تابعة للعائلة الحاكمة بشكل مباشر، حيث تذهب حصص هائلة من العوائد، وعقود الحماية والأمن، والخدمات اللوجستية للحقول النفطية، إلى شبكات تجارية تملكها الواجهات العائلية، مما خلق إمبراطورية مالية عابرة للقارات.
-في وسط وجنوب العراق (القوى والبيوتات الدينية): تسيطر اللجان الاقتصادية والشركات للأحزاب والعوائل المهيمنة على عقود جولات التراخيص النفطية، وعقود تصفية ونقل الوقود، وتهريب المشتقات النفطية عبر الموانئ أو المنافذ البرية. تُنشأ شركات واجهة تُسجل بأسماء تجار محليين أو أقارب من الدرجة الثانية والثالثة لتمرير هذه العقود المليارية وغسيل الأموال في الخارج.
2. الإقطاع العقاري الحديث والاستحواذ على الأراضي
استبدلت العوائل السياسية سلطة الآغاوات والشيوخ التقليديين بـ إقطاع عقاري مدني:
-عقارات الدولة والمنطقة الخضراء: جرى الاستيلاء على آلاف القصور، والمباني، والأراضي الاستراتيجية التابعة للدولة السابقة في بغداد والمحافظات، وتمليكها لهذه العوائل بأسعار رمزية أو دون مقابل، لتحويلها إلى مقار حزبية محصنة أو مجمعات سكنية وتجارية خاصة.
مصدر في 18 حزيران 2026
179 ألف عقار استولت عليها أحزاب وفصائل.. نزار حيدر: أكبر عملية سرقة في العراق
-الاستثمار العقاري السكني: تُمنح الأراضي الشاسعة والمميزة في بغداد والمحافظات كـ فرص استثمارية لشركات تطوير عقاري يملكها شركاء اقتصاديون لهذه العوائل. يتم بناء مجمعات سكنية فاخرة بأسعار خيالية لا يقدر عليها المواطن العادي، لتصبح وسيلة رئيسية لغسيل أموال الفساد النفطي وتحويلها إلى أصول ثابتة.
مع تخريب تصميم وبيئة المدينة بطرق بشعة والاستحواذ حتى على المتنزهات!
3. ديناميكية التقاء العوائل مع المخابرات الأجنبية
لا تلتقي هذه العوائل مع أجهزة المخابرات الأجنبية (كالـ CIA الأمريكي، أو إطلاعات والحرس الثوري الإيراني، أو المخابرات الإقليمية وحتى الموساد) في غرف مظلمة بشكل بدائي، بل تتبع هذه العلاقة ديناميكية وظيفية منظمة تقوم على تبادل المصالح (توفير النفوذ مقابل توفير الحماية والاستمرارية):
• مرحلة الاحتضان والتوظيف (قبل 2003)
-صناعة القنوات: تبدأ الأجهزة الاستخبارية برصد الشخصيات أو العوائل ذات الإرث الرمزي (ديني أو عشائري أو قومي) والتي تمتلك مظلومية أو طموحاً جارفاً للسلطة.
-التمويل وتأسيس الواجهات: يُمنح هؤلاء الدعم المالي، والغطاء الدبلوماسي، والملاذات الآمنة في عواصم العالم، وتُؤسس لهم قنوات فضائية ومن قبل اذاعات وصحف ومراكز أبحاث لتسويقهم كـ بديل ديمقراطي أو ممثلي المكونات المضطهدة. في هذه المرحلة، يتم توقيع اتفاقيات غير مكتوبة تضمن التزام هذه النخب بمصالح الدولة الراعية فور وصولها للحكم.
• مرحلة المأسسة وشرعنة الاختراق (بعد 2003)
بعد السيطرة على السلطة، تتحول العلاقة من عمالة سرية إلى تخادم علني مشروع عبر آليتين:
-قنوات الاتصال المباشرة والموازية: لا تتعامل المخابرات الأجنبية مع العراق عبر وزارة الخارجية أو القنوات الدبلوماسية الرسمية فقط؛ بل يمتلك قادة هذه العوائل خطوط اتصال ساخنة ومباشرة مع ضباط مخابرات وسفراء الدول الإقليمية والدولية. يتم حسم الاتفاقيات السياسية الكبرى، وتشكيل الحكومات، واختيار الرئاسات في مجالس هذه العوائل الخاصة برعاية وإشراف استخباري خارجي مباشر.
-الابتزاز المتبادل وتقاطع المعلومات: تعتمد الأجهزة الأجنبية على هذه العوائل لجمع المعلومات الاستخبارية وتأمين مصالحها الاقتصادية والعسكرية على الأرض. وبالمقابل، تقدم الأجهزة الأجنبية لهذه العوائل الدعم الأمني (معلومات عن تحركات الخصوم، حماية سياسية دولية، والتغاضي عن ملفات فسادهم المالي المودعة في البنوك العالمية).
4. حلقة التبعية المفرغة
الديناميكية الحاكمة في العراق تتلخص في أن المال النفطي والعقاري المحتكر يُستخدم من قِبل العوائل لشراء الولاءات المحلية وبناء جيوش من المنتفعين، بينما الارتباط بالمخابرات الأجنبية يوفر لها الحصانة من العقاب الدولي والقمع المنظم لأي حراك شعبي وطني. هذا التحالف يجعل المنظومة عصية على التغيير الديمقراطي التقليدي، لأن الحاكم الفعلي ليس صوت الناخب، بل هو دفتر الشيكات النفطي والتوافق الاستخباري العابر للحدود.
(3)
سيكولوجية الانتحار الجيوسياسي والمراهقة الأيديولوجية لنخب 14 ثورة تموز والبعث وصدام وحصاد الانكشاف الممنهج
1. الراديكالية الطفولية وتفكيك ركائز الدولة السيادية
يمثل تاريخ ثورة 14 تموز 1958 المنعطف البنيوي الأول الذي دشن مسيرة الانكشاف والخراب الجيوسياسي للعراق المعاصر، حيث قادت النخب العسكرية والسياسية الناشئة حينها انقلاباً راديكالياً أطاح بالدولة الملكية ومؤسساتها الدستورية الرصينة. خطيئة تلك النخب لم تكن في شعاراتها الجماهيرية وتطبيقاتها حتى، بل في عمى السيكولوجية السياسية التي أدارت بها الدولة؛ إذ اندفعت نحو تفكيك النواة الصلبة للمؤسسات الإدارية والقانونية في مراحل مختلفة وبدرجات مختلفة، متبنيةً قطيعة تامة مع النظام الدولي والمحور الغربي دون امتلاك البديل التقني أو المعرفي لحماية هذا التحول المتهور.
انغمست رجالات العهد الجمهوري وموجات الانقلابيين المتلاحقة من بعثيين وقوميين وشيوعيين في مشاريع طفولية وأوهام أيديولوجية عابرة للحدود، تمحورت حول قضايا الوحدة العربية الفورية وشعارات تحرير فلسطين او الاممية العالمية او مصالح العراق النفطية والسيادية جذريا, وصراعات المحاور بذهنية مراهقة تفتقر لأدنى مستويات البراغماتية. ولقد عجزت هذه العقول عن استيعاب حقيقة إستراتيجية ثابتة: أن بناء القوة وتأمين السيادة يتطلب أولاً توطين التكنولوجيا، وصيانة الثروة النفطية، وتحديث مفاصل الجيش والاقتصاد والثقافة والتعليم، بدلاً من استنزاف ثروات البلاد وموازناتها في معارك كلامية وحروب ارتدادية بالوكالة قوضت استقرار الجغرافيا العراقية وجعلتها مستباحة للمتربصين بها.
ومما زاد الطين بلة هو انغماس العراق في الحرب الاهلية مع القوى الكردية التي نشات بفعل قاسم وجلبه عائلة برزاني وقطيعته مع ايران والغرب وقوانين الاصلاح الزراعي التي هددت المنطقة وانتهت الى تدمير الزراعة في العراق وترييف المدن!
2. شيزوفرينيا النخب.. سيكولوجية العجز والهروب إلى الأمام
تتسم سيكولوجية النخب التي تعاقبت على حكم العراق بعد عام 1958 بتركيبة معقدة من جنون العظمة وضيق الأفق الجيوسياسي، وهو ما يفسر نمط تفكيرهم وفهمهم المشوه للداخل والمحيط الإقليمي:
-احتقار التوازن الدولي: رفضت تلك النخب استيعاب قواعد اللعبة الدولية وقوة المحور الإمبراطوري الغربي، فدخلت في مواجهات صفرية غير متكافئة بدأت بمعاداة حلف بغداد ولم تنتهِ بقرارات التأميم المرتجلة والحروب العبثية، مما جعل الدولة العراقية هدفاً دائماً للتطويق والحصار الاستخباري والاقتصادي.
-الهروب نحو الشعارات التعجيزية: كلما واجهت هذه النخب مأزقاً تنموياً أو عجزاً في الإدارة الداخلية، هربت إلى الأمام عبر تبني قضايا خارجية لكسب شرعية جماهيرية زائفة، وهي ذات السيكولوجية الارتدادية التي استنسخها صدام حسين لاحقاً عندما ربط الانسحاب من الكويت بشروط إقليمية تعجيزية، ويسير عليها اليوم نظام الرهبرية الإيراني الذي يخنق مضيق هرمز لربط مصير شعوب المنطقة بملفات الفصائل والأذرع.
– القمع الداخلي وبعضه دموي بشكل لالزوم له! وان كان احيانا بفعل موامرات تسعى لاحتلال العراق واقعا كما هي موامرة الراوي عام 1970.
3. تحالف الأضداد عابر للأجيال وحصاد الرماد
إن هذه الصيرورة التاريخية من المراهقة السياسية قادت العراق مباشرة إلى محطة السقوط الكلي عام 2003؛ حيث تلاقت نتائج الخراب التاريخي لنخب 1958 ومابعدهم ومن انتج منهم مع رغبات تحالف الأضداد الجديد من أحزاب طائفية دينية وحركات عرقية استقلت القطار الأمريكي الإيراني صائغةً دستور عام 2005 الملغوم والوضع العراقي الخرب برمته.
لقد أنتجت هذه العقلية التراكمية واقعاً يعيش فيه العراق المعاصر قمة انكشافه التقني والعسكري؛ حيث سُلّمت مفاصل الأمن لجيل الدمج الفاسد، وجُففت أصول الصناعة والتصنيع الحربي، ، في مقابل تحويل البلاد إلى مجرد رئة مالية وجغرافية مستباحة لتمويل الحرس الثوري الإيراني ومفارزه التجسسية. لتثبت التجربة التاريخية أن العواطف الأيديولوجية والشعارات الطفولية لنخب ما بعد 1958 لم تكن سوى الممر الإستراتيجي الذي قاد الوطن ليرقص على حافة بركان الانكشاف، حاصداً لشعبه الرماد وقبض الريح.
(4)
متوالية الانتحار الإستراتيجي والتخبطات الهيكلية لعقدة 14 تموز ومأسسة الفشل الجيوسياسي
1. خطايا قاسم التأسيسية.. لغم بارزاني وعقدة الكويت
دشنت الحقبة الجمهورية بعد ثورة 14 تموز 1958 سلسلة من القرارات المرتجلة التي افتقرت لأدنى مستويات النظر الجيوسياسي بعيد المدى، وتجلى هذا التخبط العبثي في ملفين شكلا لاحقاً خاصرة العراق الرخوة:
• استقدام الملا مصطفى بارزاني: في خطوة عاطفية تحت لافتة الأخوة العربية الكردية، استقدم عبد الكريم قاسم الزعيم الكردي مصطفى بارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي عام 1958، ومنحه الحصانة والدعم المالي والسياسي. لم تمر سوى سنوات قليلة حتى تحول هذا الاستقبال إلى تمرد عسكري مسلح قاده بارزاني ضد بغداد في أيلول 1961، ليدخل الجيش العراقي في استنزاف عسكري داخلي لم ينقطع، وفتح الباب على مصراعيه لارتباط قوى التمرد بالخارج (السافاك الإيراني والموساد والبنتاغون). وبدلاً من سحق هذا التمرد بقوة حاسمة واستئصال قنوات تخابره الإقليمي، ظلت الدولة تترنح بين الحلول العسكرية المنقوصة والاتفاقيات الهشة التي منحت المتمردين وقتاً لإعادة التنظيم.
فيما ظل العراق يشارك بفعالية في كل حروب العرب مع وجود هذا الخطر الداهم لابل ان صدام سحب القوات من الشمال لتدخل ايران! ثم اعاد السيطرة على الشمال بالانفال! ثم انفصل الشمال بعد مغامرته الرعناء في اقتحام الكويت عام 1990!
• المراهقة الدبلوماسية في ملف الكويت: أدار قاسم ملف الكويت بأسلوب المقايضة الصوتية؛ فبمجرد إعلان بريطانيا إلغاء اتفاقية الحماية عام 1961، خرج قاسم ليطالب بضم الكويت باعتبارها قضاءً تابعاً لولاية البصرة تاريخياً، لكنه عجز عن اتخاذ خطوة عسكرية حاسمة تفرض فرض واقع، كما عجز في الوقت ذاته عن فتح قنوات تفاوضية براغماتية لترسيم الحدود والحصول على ثمن جيوسياسي (مثل تأمين مخرج بحري عميق للعراق على الخليج في جزيرتي وربة وبوبيان). ترك هذا التخبط العراق محاصراً جغرافياً ومستهدفاً دولياً.
2. سفالة القوميين والهروب الصدامي إلى محاور التدمير
عقب الإطاحة بقاسم، أكملت النخب القومية والبعثية متوالية الخراب والتفريط بأصول الدولة:
• التنازل المجاني للقوميين (1963): ارتكبت سلطة الأخوين عارف والبعثيين عام 1963 ما يمكن وصفه بـ السفالة السياسية والتاريخية، حينما سارعت حكومة أحمد حسن البكر الأولى إلى توقيع اتفاق تشرين الأول 1963 والاعتراف باستقلال الكويت وسيادتها دون انتزاع أي تنازل إستراتيجي يتعلق بالمنافذ البحرية، مقابل قروض مالية وتسهيلات ومكاسب حزبية ضيقة، مفرطين بالرئة البحرية الوحيدة للعراق لغزو الكويت عام 1990 بعد ذلكّ!
• عقيدة الهروب والتدخل ضد إسرائيل: انغمست النخب البعثية، وصولاً إلى حقبة صدام حسين، في عقيدة الهروب إلى الأمام؛ فبدلاً من تحويل ثورة 14 تموز إلى مؤسسات دولة محصنة وجيش مهني محترف ينكب على توطين التكنولوجيا والصناعة والابتكار العسكري، استُنزفت موارد البلاد وصُنفت كعدو للمحور الإمبراطوري الغربي عبر زج قطعات الجيش العراقي في حروب قومية متكررة (مثل حرب 1967 وحرب 1973) لا ناقة للعراق فيها ولا جمل، ثم تكلل هذا الجنون الإستراتيجي بحروب صدام الكارثية ضد إيران (1980) وغزو الكويت (1990)، والتي دمرت النواة الصلبة للاقتصاد والجيش العراقي.
3. حصاد الانكشاف وغياب جيش المؤسسة
إن الخطيئة الكبرى لنخب ما بعد 1958 تكمن في فشلها الذريع في تحويل الشرعية الثورية إلى مؤسسات دستورية وجيش للشعب محصن عقائدياً وتقنياً ضد الاختراق. بدلاً من سحق المتآمرين والجواسيس بقوة القانون والمؤسسة الاستخباراتية الرصينة، انشغلت تلك الحكومات بالتصفيات البينية وتوزيع المناصب على المقربين والجهلاء، مما جعل بنية الدولة هشة وعرضة للانقلابات المستمرة (مثل مؤامرة عبد الغني الراوي عام 1970 الموجهة إيرانياً).
هذا التراكم المأزوم في سيكولوجية النخب الغبية مهد الطريق مباشرة لـ تحالف الأضداد عقب غزو 2003؛ حيث تسلمت أحزاب المحاصصة والعمائم المرتبطة بالخارج دولة مفرغة من أصولها السيادية، فصاغت دستور عام 2005 الملغوم لتكمل مسيرة تصفية عناصر القوة. واليوم، يتجلى حصاد هذا الخراب التاريخي في الفساد، وتغلغل مفارز الحرس الثوري التجسسية في مدنه، وتجفيف منافذه النفطية، ليتأكد تاريخياً أن المراهقة الأيديولوجية والخطايا الجيوسياسية لنخب تموز هي السبب الاكبر.
(5)
الجراحة السيادية الإستراتيجية والدليل الأمني والتاريخي والنفسي لتفكيك كارتيلات العمالة واقتلاع أدوات التغلغل
إن التعامل مع العوائل الخطيرة والشبكات العائلية الممتدة التي امتهنت التخادم مع النفوذ الخارجي وتوارثت العمالة كإرث سياسي ومالي منذ عقود، لا يمكن أن يتم عبر القوانين التقليدية أو الإجراءات السطحية. إن هذه الشبكات تُصنف كـ خلايا سرطانية هيكلية تفرز سموم الانكشاف وتقتات على شلل الدولة.
إن استئصال هذه المنظومات يتطلب جراحة إستراتيجية راديكالية تبدأ من إعادة بناء النواة الصلبة للدولة، ثم تحصين الداخل الجيوسياسي، وصولاً إلى خطوات الاقتلاع الكلي.
1. تطهير وبناء المؤسسة الأمنية الفائقة (الجهاز العقائدي الوطني لاالسياسي المغلق)
تُثبت التجارب التاريخية (مثل تجربة إعادة بناء الدولة في بروسيا أو إستراتيجيات التطهير الصارمة في سنغافورة وكوريا الجنوبية) أن أي خطة للإصلاح السياسي محكوم عليها بالفشل ما لم تمتلك الدولة مطرقة أمنية وطنية فائقة الكفاءة ومحصنة ضد الاختراق الإقليمي والدولي.
• بنية وتكوين الجهاز:
-تصفية تركة الدمج: البدء فوراً بإلغاء ما يُعرف بـ رتب الدمج والمحاصصة الطائفية والعرقية داخل مفاصل الجيش والاستخبارات والأمن الوطني والمخابرات. ويتم تسريح وإحالة كافة العناصر المشبوهة أو التي دخلت المنظومة عبر قنوات حزبية بعد عام 2003 إلى التقاعد الإجباري أو المحاكمة.
-النخبة التكنوقراطية: تأسيس جهاز أمني جديد، تُسند قيادته وضباطه حصراً لنخبة من كبار الضباط المهنيين المشهود لهم بالنزاهة والعقيدة الوطنية الخالصة، من خريجي الكليات العسكرية العريقة او ماهو مكافيء لها، مع استبعاد تام لأي شخص يمتلك صلة قرابة حتى الدرجة الرابعة بأي حزب سياسي أو عمامة مأزومة.
-سلاح الأمن التقني والتكنولوجي: مأسسة فرع استخباراتي فائق التطور يركز على الابتكار التقني، والأمن السيبراني، ومراقبة تدفقات الأموال والاتصالات العابرة للحدود؛ لقطع الاتصال المباشر بين المفارز التجسسية الخارجية (مثل مفارز الحرس الثوري) وعملائها في الداخل.
2. عقيدة التربية والإعداد النفسي:
-الهوية الوطنية الصرفة: يُعاد صياغة مناهج الإعداد في الأكاديميات الأمنية وفق عقيدة جيوسياسية صارمة ترى في قوة العراق واستقلاله الغاية الأسمى، مع تجريم أيديولوجيات ما وراء الحدود (سواء كانت قومية طفولية أو دينية ثيوقراطية).
-الحصانة السيكولوجية وعقدة الانتماء: يتم إعداد الضباط والجود والشرطة ورجال الامن ورجال الدولة نفسياً عبر برامج تفكيك الولاءات الفرعية (الطائفية والعشائرية والقومية). يُربى الضابط والمنتسب على أن ولائه المطلق للدولة ومؤسساتها، وأن العمالة للخارج—حتى لو تغطت بشعارات مقدسة—هي خيانة عظمى وعار أبدي يُسقط المواطنة.
2. تحصين الداخل واقتلاع الجذور السيكولوجية والاقتصادية للشبكات العائلية
الخطأ التاريخي لنخب ما بعد 14 تموز 1958 كان الاكتفاء بالتصفيات السياسية السطحية دون تجفيف المنابع الاقتصادية والنفسية لشبكات التآمر. لاقتلاع هذه العوائل الكارتيلية، يجب التحرك عبر المسارات التالية:
• الإعدام الاقتصادي (تجفيف الرئة المالية)
إن القوة الحقيقية لهذه العوائل تكمن في بزنس الموت والتبعية (أموال المقابر المصنعة، السيطرة على العتبات، وعقود الشركات التنفيعية الجانبية المفروضة من طهران, شركات العتبات وقواتها الامنية وعناصرها السياسية والحزبية).
-تأميم الأوقاف والعقارات: إخضاع كافة أموال وأملاك العقارات الدينية والتجارية وشركاتها والمنافذ الحدودية والمواني والمطارات وكل الشركات الفاسدة لسلطة وزارة المالية والرقابة المالية الاتحادية مباشرة، وتفكيك شركات الواجهة لغسيل الأموال وتهريب الدولار.
-قانون من أين لك هذا بأثر رجعي: مصادرة كافة الأصول المالية، والشركات، والأراضي التي تملكتها هذه العوائل عبر نفوذها السياسي عقب عام 2003، واعتبار ثرواتها أموالاً منهوبة تُعاد لخزينة الدولة لبناء المصانع وتوطين التكنولوجيا العسكرية.
3. الهندسة النفسية والاجتماعية (العزل السيكولوجي)
-نزع الغطاء الروحي: خوض معركة إعلامية وفكرية لتفكيك البروباكندا الدينية والقومية المصنعة؛ من خلال كشف الوثائق والملفات السرية التي تثبت تخادم هذه العوائل مع أجهزة المخابرات الأجنبية (من السافاك الملكي إلى الحرس الثوري الحالي الى الموساد). يجب إظهارهم أمام الجمهور كـ تجار موت وجواسيس، وليسوا رجال دين أو زعماء مكونات.
-قانون العزل السياسي والدبلوماسي: إصدار تشريعات دستورية تمنع أفراد هذه العوائل الملوثة بالعمالة من الترشح، أو تولي الوظائف العامة، أو السفر بصفات رسمية، مع سحب الجوازات الدبلوماسية الممنوحة لهم، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية أو النفي القانوني لقطع دابر تناسل المفارز التجسسية.
4. الخطوات الجذرية للانتقال من الدفاع إلى الهجوم السيادي
بمجرد تأمين النواة الأمنية وتحصين الجبهة الداخلية، ينتقل النظام الوطني إلى فرض واقع جيوسياسي جديد ينهي زمن الانكشاف:
-فرض شروط القوة العسكرية: تفعيل الخدمة الإلزامية فوراً لإعادة صهر الشباب العراقي في هوية وطنية جامعة، وتخصيص الموازنات المليارية لإحياء التصنيع الحربي الوطني، والدفاع الجوي والصواريخ والمسيرات والحرب السيبرانية.
-تحرير منافذ الطاقة: إعادة تفعيل المطالبات القانونية والإستراتيجية بالخطوط الناقلة السيادية (مثل الخط العراقي-السعودي الاردني السوري التركي) وبناء ترسانة خزانات نفطية عملاقة في الموانئ الدولية، لكسر مصيدة مضيق هرمز ومواجهة استهتار طهران بحرق الجغرافيا الإقليمية وشراء وبناء ناقلات نفطية كثيرة وبناء اسطول جوي وبري ضحم.
-مبدأ المعاملة بالمثل استخباراتياً: الانتقال من دور الضحية إلى دور الفاعل؛ حيث يُدار ملف الحقول المشتركة والحدود بقوة السلاح والقانون، وإرسال رسالة واضحة لنظام الرهبرية بأن أي تحرك لمفارزه داخل العراق سيُقابل بضربات إستراتيجية صامتة داخل العمق الإيراني نفسه او اي طرف اخر يتدخل في العراق.
إن اقتلاع جذور التبعية يتطلب رجالاً يمتلكون عقيدة الدولة ومؤسسات تفكر بعقلية الجراح الإستراتيجي؛ فالدول لا تُبنى بصفات الجنتلمان مع البلطجية والعصابات والسماسرة وتجار المخدرات، ولا بالاتفاقيات المرتجلة لنخب غبية، بل تُصان بامتلاك أدوات الردع التقني والعسكري الشامل، وبتر كل يد تمتد لتجعل من أرض الرافدين رئة لتمويل مغامرات العمائم حاصدة الرماد وقبض الريح.
(6)
الهندسة الجيوسياسية الجديدة والانضمام للمحور الأطلسي والسلام الإستراتيجي كحتمية لبناء الدولة السيادية
تثبت القراءة العميقة للتاريخ المعاصر أن بقاء العراق في منطقة رمادية أو تبنيه لمشاريع عاطفية مناهضة للمحور الغربي لم يكن سوى الممر الإستراتيجي الذي قاد البلاد نحو الانكشاف الشامل والتفكك البنيوي. إن نخب ما بعد 14 تموز 1958، بانغماسها في مراهقة أيديولوجية وشعارات طفولية عابرة للحدود، خلقت قطيعة عبثية مع مراكز القوة العالمية، مما أتاح لـ تحالف الأضداد الإقليمي وأدوات ولاية الفقيه استغلال هذه العزلة لتوظيف الجغرافيا العراقية كرئة مالية وصندوق بريد دامي لخدمة الحرس الثوري الإيراني ومفارزه التجسسية. لإيقاف هذا النزيف واقتلاع كارتيلات العمالة من جذورها، يبرز خيار الانقلاب الجيوسياسي الجريء عبر الالتحاق بالمحور الأطلسي وصياغة سلام إستراتيجي، كضرورة حتمية لحماية الكيان الوطني.
1. التحالف الإستراتيجي مع واشنطن والاندماج في المنظومة الأطلسية والأوروبية
إن الخروج من مربع الانكشاف التقني والعسكري يتطلب التوقف عن إدارة الدولة بعقلية الجنتلمان مع البلاطجة، والانتقال نحو البراغماتية الواقعية الفائقة من خلال صياغة تحالف بنيوي صلب مع القوة الأعظم في العالم:
-المظلة الأطلسية (NATO): إن السعي للانضمام كشريك إستراتيجي رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي، أو توقيع اتفاقيات دفاع مشترك ملزمة مع الناتو، يمثل خط الدفاع الأول الذي ينهي استهتار القوى الإقليمية. هذه الشراكة تضمن رفع الحظر التقني عن الجيش العراقي، وتشكيل دفاع ودفاع جوي بأعلى المعايير، وتدريب القوات والاجهزة على أحدث تكنولوجيات الاختراق والأمن السيبراني والعمليات الخاصة، مما يشل حركة أي مفارز تجسسية أجنبية داخل العراق.
-الاندماج الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي: يتيح الانفتاح الكامل على المنظومة الأوروبية عبر اتفاقيات شراكة اقتصادية متقدمة ربط أصول الطاقة العراقية بالسوق الغربي مباشرة. إن تأمين تدفقات النفط والغاز نحو أوروبا من خلال خطوط أنابيب محمية دولياً، وبناء ترسانة خزانات إستراتيجية في الموانئ العالمية، يسقط ورقة الضغط الإيرانية المتمثلة في استهتارها بغلق مضيق هرمز، ويحمي الاقتصاد العراقي من الهبوط الإنتاجي الكارثي الذي يهدد استقرار البلاد.
2. السلام البارد مع إسرائيل وتجريد الفصائل من شرعية الشعارات
تقتات قوى التمرد والمليشيات العابرة للحدود في العراق على لافتات المقاومة وتحرير فلسطين لتبرير وجودها المسلح، ومصادرة القرار السيادي، وتخريب منشآت الطاقة والشركات الأجنبية وضرب الجيش والاقتصاد والامن. إن اتخاذ خطوة شجاعة نحو سلام بارد ومدروس مع إسرائيل—على غرار النماذج الإقليمية الواقعية—يحقق مكاسب جيوسياسية حاسمة:
-تصفية الذريعة الأيديولوجية: إن تحييد ملف الصراع يسحب الغطاء الروحي والدعائي الذي تتستر خلفه عمائم التبعية، ويظهرهم أمام المجتمع كمجرد واجهات مسلحة ومفارز تخريبية تعمل لحساب الحرس الثوري الإيراني، مما يسهل على المؤسسة الأمنية الفائقة اقتلاعهم وعزلهم سيكولوجياً واجتماعياً.
-التحالف ضد التهديد المشترك: يتيح السلام البارد بناء خطوط تنسيق استخباراتي وتقني غير مباشر لتبادل المعلومات حول تحركات الطائرات المسيرة، وكهوف الصواريخ، وشبكات غسيل الأموال العابرة للدول. هذا التنسيق يحول العراق من مصد صاروخي يتلقى الضربات الارتدادية إلى فاعل إستراتيجي قادر على حماية حدوده ومكامنه النفطية المشتركة بقوة الردع.
3. سحق الأضداد والعبور نحو القوة المؤسساتية
إن هذا الاستداره الجيوسياسية الشاملة نحو الغرب لا تعني التنازل عن السيادة، بل هي الأداة الوحيدة لانتزاعها؛ فالقوى العظمى لا تحترم الضعفاء المستباحين، بل تتحالف مع الدول التي تمتلك شجاعة القرار البراغماتي. بامتلاك العراق للمظلة الأطلسية، والشراكة الأوروبية، والتفاهمات الإقليمية المحصنة، يصبح بمقدور الدولة الوطنية الشروع في الخطوات الجذرية: تفعيل الخدمة الإلزامية لصهر الهويات الفرعية، مصادرة كافة أصول كارتيلات الفساد والدمج بأثر رجعي، وإغلاق كافة قنوات تهريب الدولار. حينها فقط، يمتلك العراق جيشاً للمؤسسة وشعباً محمياً بالابتكار العسكري، وتنتهي إلى الأبد حقبة الانكشاف التي فرضها الجهلاء والجواسيس، ليتوقف العراقيون عن حصد الرماد وقبض الريح.