جديد

ترانيم اليتم المزدوج

رياض سعد

مُنذ الصرخة الأولى التي شقّت عتمة المهد، كان “حسين” يحمل وزر طالعه المنحوس.. ,  لم يكن طفلاً عادياً؛ كان قطعةً من قمرٍ ضلّت طريقها إلى وادٍ سحيق من الجفاء.. , أبوه، “عاصي”، كان رجلاً قُدّ قلبه من حجر صلد، بخيلاً حتى بالابتسامة، يرى في الجمال قبحاً وفي العاطفة ضعفاً.

ولأنه سيء الاخلاق , حاقد حتى على نفسه ، فقد نظر إلى عيني الرضيع الواسعتين اللتين تعكسان نقاء السماء، وسكب فيهما حبر كراهيته قائلاً: “هذا هو الأعمى!”.

هكذا، في بيوت الشقاء، يُعمي الحقد بصيرة الآباء قبل عيون الأبناء.

وعادة ما يلقب الآباء أبناءهم بأجمل الألقاب وأقربها إلى قلوبهم، إلا “عاصي”، فقد كان مختلفاً عن كل الآباء، بل وعن كل الأزواج.

في زاوية أخرى من البيت، كانت “فاطمة” -العمة التي قطف قطار العمر زهرة شبابها فبقيت عزباء- تراقب الانكسار في عيني الرضيع .. ,  تقدمت نحوه كمنقذٍ ينتشل غريقاً من بحرٍ من قسوة.

– “يا عاصي.. هبني هذا الصبي، أفرغ فيه أمومةً حبستها جدران صمتي وعنوستي “.

التفت عاصي، وبزهد من ينفض الغبار عن ثوبه، قال: “خذيه، هو لكِ”.

انتقلت الغيمة الصغيرة إلى سماء فاطمة.. ,  هناك، صبّت عليه من ينابيع قلبها دلالاً منقطع النظير.. ,  غذّته بروحها قبل طعامها، فاشتَدّ عوده كشجرة سنديان فتية، يضج جسده بالصحة، وتشرق من محياه ثقة لا تليق إلا بملوك الطيبة.

على النقيض تماماً، كان أخوه الأكبر “زيد” يقبع في بيت أبيه كظِلّ باهت؛ جسد هزيل، وروح مرتجفة، وعينان منطفئتان تحكيان قصة معتقلٍ نفسي يُدعى “حضن الأب”.

دارت عجلة الزمن برعونتها المعهودة.. , و رحلت “سعاد” الأم الحقيقية إلى بارئها، تاركةً وراءها حزناً غائراً في قلب زيد.

لكن عاصي، في مفارقة درامية غريبة، تزوج من “هيام”، المطلقة التي تحمل ثلاثة أطفال. العجب كل العجب، كيف أن ذاك الحجر الصلد رقّ لأبناء الغريب، بينما جفّ ماؤه عن أبناء صُلبه!

غير أن الأقدار كانت رحيمة بزيد هذه المرة، إذ غمرته زوجة الأب بحنانٍ افتقده طويلاً بعد وفاة امه .

أما حسين، فقد كان يعيش في شرنقة دافئة نسجتها العمة فاطمة.

بلغ الخامسة عشرة، بجسد رجل وقلب عصفور لا يعرف من الدنيا سوى وجه عمتّه.. ,  ذات مساء، بينما كان يراقب النجوم، سألها ببراءة الطفولة التي لم تغادره:

– “أمي فاطمة.. أين يذهب الأطفال حين تموت أمهاتهم؟”

مسحت على شعره الكثيف وقالت بصوت متهدج: “يهيئ الله لهم من يغزل من رموش عينه دثاراً لهم..,  ألم ينقذكِ حناني؟ ألم ترحم هيام شتات أخيك زيد؟”

لكن النياشين التي تضعها الحياة على صدور الصابرين تكون أحياناً ثقيلة جداً.. , فاطمة، التي حملت هموم الأعوام، ومرارة العنوسة، وجفاء العائلة دون أن تنبس ببنت شفة، تآكل قلبها بصمت.

وفي يوم جمعةٍ حزين، تجمّع الدم في عروقها وأعلنت المُهْجَة المتعبة توقفها.

رحلت فاطمة في ذات اليوم الذي رحلت فيه سعاد قبل سنوات، وكأن الموت يعشق التناظر في التواريخ ليضاعف الفجيعة.

تحت شمس النجف الحارقة، وفي “وادي السلام” حيث تنام ملايين الحكايات تحت التراب ، وقف حسين وسط الحشود المشيعة وقد اقترب منه رجل من أقاربه، أبو عبد الله، وأخذه إلى قبر أمه سعاد.

أشار إلى القبر وقال:

– هنا ترقد أمك.

وفجأة انهار حسين.

جثا على ركبتيه بين القبرين، وصاح بصوتٍ مزق القلوب:

– أمي… لماذا متِّ؟ ألم تفكري بي؟

ثم التفت إلى قبر فاطمة:

– وعمتي… كانت أمي الثانية… قالت لي إن الله إذا أخذ أماً أعطى الطفل أماً أخرى…

ارتجف صوته، ثم صاح:

– والآن؟! الآن مَن سيعوضني عنهما؟!

أخبراني… إلى أين أذهب؟

أنتما معاً تحت التراب… وأنا بقيت وحدي فوقه.

إلى أين يذهب الطفل إذا ماتت أمُّه مرتين؟

ساد صمت ثقيل.

حتى الريح توقفت كأنها تستمع.

بكى أبو عبد الله، ومسح دموعه بطرف عباءته، ثم رفع رأسه نحو السماء، ونظر طويلاً، وقال في أعماقه:

«يا رب… أكان لا بد أن يتيتم هذا الصبي مرتين؟! أما كان لهذه الروح البريئة من سيناريو ينبض بأملٍ أقل قسوة؟!»

ولم يجبه أحد…

إلا صدى بكاء حسين، وهو يتردد بين القبور كصوت طفلٍ أضاع أمَّه… ثم أضاع التي جاءت لتعوضه عنها..