جديد

فيصل الأول وبذور العنف الطائفي في العراق: الدولة التي وُلدت وفي قلبها أزمة هوية

رياض سعد

حين يُكتب تاريخ العراق الحديث، يجري التركيز غالباً على الانقلابات العسكرية والجمهوريات المتعاقبة والديكتاتوريات التي حكمت البلاد، لكن جذور الأزمة العراقية أقدم من ذلك بكثير… ؛  فالعنف الطائفي والعنصري الذي انفجر لاحقاً لم يولد مع البعث ولا مع الطرطور الطائفي عبد السلام عارف ولا مع السفاح الهجين صدام ، بل كانت له بذور مبكرة زُرعت منذ تأسيس الدولة العراقية الهجينة الحديثة عام 1921... ؛ على يد الانكليز الخبثاء وبقايا العثمنة الهُجناء .

لقد جاء الملك الغريب فيصل الأول إلى العراق على ظهر المشروع البريطاني بعد فشل مشروعه في سوريا، فوجد نفسه ملكاً على شعب لا يعرفه جيداً، وعلى مجتمع متعدد الأعراق والمذاهب والطوائف، بينما كانت النخبة السياسية والإدارية التي أحاطت به تنتمي في أغلبها إلى طبقة عثمانية اجنبية سنية هجينة سابقة ورثت مؤسسات الحكم والإدارة والجيش.

وفي واحدة من أهم الوثائق السياسية في تاريخ العراق، اعترف فيصل الأول نفسه في مذكرته الشهيرة عام 1932 بأن العراق يفتقر إلى الوحدة الوطنية، وأن سكانه عبارة عن “كتل بشرية خالية من أي فكرة وطنية جامعة”، وأن الانقسامات المذهبية والقومية ما تزال تتحكم في ولاءات الناس… ؛  ولم يكن هذا الاعتراف مجرد تشخيص، بل كان إقراراً بفشل مشروع بناء الدولة في إنتاج مواطنة متساوية بين العراقيين منذ البداية .

منذ السنوات الأولى للدولة، برز اختلال واضح في توزيع السلطة بين المكونات العراقية… ؛  فقد احتكرت النخبة الهجينة الحاكمة المؤسسة العسكرية والأمنية والإدارية، بينما شعر قطاع واسع من شيعة العراق بالتهميش السياسي رغم دورهم الكبير في ثورة العشرين التي مهدت لقيام الدولة نفسها… ؛  وهكذا بدأت الدولة العراقية وهي تحمل في داخلها تناقضاً خطيراً: دولة تدّعي تمثيل الجميع، بينما تُدار عملياً من قبل فئة هجينة واجنبية محددة.

هذا الاختلال البنيوي لم يبقِ مجرد مشكلة سياسية، بل تحول تدريجياً إلى مصدر للعنف… ؛  ففي منتصف الثلاثينيات شهدت مناطق الفرات الأوسط والجنوب مواجهات دامية بين الحكومة والعشائر والفلاحين المعترضين على سياسات الدولة المركزية.

وقد وثّق عبد الرزاق الحسني في “تاريخ الوزارات العراقية” استخدام القوة العسكرية والطيران ضد مناطق الانتفاضات الشعبية ، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فضلاً عن حملات الاعتقال والإعدامات التي هدفت إلى ترسيخ هيبة الدولة الطائفية والعنصرية بالقوة.

ولعل الأخطر من تلك الأحداث أنها أرست تقليداً سياسياً جديداً في العراق: استخدام الجيش لحل الأزمات الداخلية… ؛  فمنذ ذلك الوقت لم يعد الجيش مؤسسة لحماية الحدود فقط، بل أصبح أداة لمعالجة الخلافات السياسية والاجتماعية داخل البلاد.. ,  وهذا التقليد نفسه سوف يتكرر لاحقاً في العهد الجمهوري، ثم يبلغ ذروته في عهد حزب البعث.

إن قراءة تاريخ العراق تكشف أن الأنظمة تتغير، لكن أدوات السلطة كثيراً ما تبقى ثابتة… ؛  فالقصف الجوي ضد المعارضين، والإعدامات العلنية، والقمع الجماعي، والعقاب الجماعي للعشائر والمناطق، كلها أساليب ظهرت مبكراً في تاريخ الدولة قبل وصول  المجرم صدام بعقود طويلة.

وهنا يصبح من المشروع القول إن جرائم النظام البعثي لم تنشأ من فراغ، بل استفادت من إرث سياسي وإداري وأمني تراكم عبر عقود.

غير أن ذلك لا يعني المساواة بين كل المراحل التاريخية أو تحميل فيصل الأول مسؤولية مباشرة عن كل الجرائم اللاحقة، بل يعني أن الدولة التي تأسست في عشرينيات القرن الماضي حملت في داخلها عناصر أزمة لم تُعالج، فتحولت مع الزمن إلى بنية مولدة للعنف.

لقد كان العراق بحاجة إلى دولة مواطنة تتجاوز الانتماءات المذهبية والقومية والمناطقية ، لكنه وجد نفسه أمام دولة تشكلت وفق توازنات استعمارية ونخب هجينة واجنبية وغريبة وعميلة ومنكوسة ضيقة.

ومن هنا بدأت القصة.. ,  قصة بلد ظل يبحث عن هويته الوطنية أكثر مما بحث عن مستقبله، وظلت الطائفة والقومية والعشيرة والمنطقة  تنافس الدولة على ولاء أبنائها.

إن المأساة العراقية لم تبدأ بصدام الهجين ، كما أنها لم تنتهِ بسقوطه… ؛  إنها أزمة دولة وُلدت وهي تحمل جرحاً في هويتها، وأزمة نظام سياسي فشل منذ البداية في بناء عقد وطني يشعر فيه جميع العراقيين بأنهم شركاء متساوون في الوطن.

وما لم يُقرأ هذا التاريخ بجرأة وموضوعية، فإن العراق سيبقى يدور في الحلقة نفسها التي بدأت قبل أكثر من قرن.

………………………………..

المصادر

عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية.

عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث.

مذكرات ورسائل فيصل الأول.

حنا بطاطو، العراق (الأجزاء الخاصة ببنية الدولة والطبقات الاجتماعية).

العنف في العراق.

علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.