رياض سعد
حين تُذكر الجيوش الوطنية، يتبادر إلى الذهن أنها مؤسسات أُنشئت لحماية الحدود وصيانة السيادة والدفاع عن البلاد في مواجهة الأخطار الخارجية… ؛ لكن تجربة الدولة العراقية الهجينة الحديثة تطرح سؤالاً مختلفاً ومزعجاً في آن واحد: هل تأسس الجيش العراقي أصلاً لمواجهة العدو الخارجي، أم لضبط الداخل العراقي وإخضاعه؟
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه سؤال يفرض نفسه عند مراجعة تاريخ تأسيس الجيش العراقي عام 1921 في ظل الاحتلال البريطاني… ؛ فبريطانيا التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى لم تكن تخشى على العراق من غزو خارجي بقدر ما كانت تخشى الثورات والانتفاضات الداخلية التي اندلعت ضد وجودها، وفي مقدمتها ثورة العشرين التي هزّت أركان المشروع الاستعماري البريطاني الخبيث .
لقد أدرك البريطانيون مبكراً أن السيطرة المباشرة على العراق مكلفة سياسياً وعسكرياً، فكان الحل إنشاء دولة محلية هجينة وتابعة , ومؤسسات أمنية وعسكرية تتولى مهمة حفظ النظام الداخلي نيابة عنهم.. , ومن هنا نشأ الجيش العراقي في بيئة سياسية لم يكن الهاجس المركزي فيها حماية الحدود بقدر ما كان ضمان استقرار السلطة الجديدة ومنع تكرار الثورات الشعبية.
ولعل اللافت أن النواة الأولى للجيش تشكلت من ضباط خدموا سابقاً في الجيش العثماني، وغلب على قياداته المبكرة الانتماء إلى بيئات اجتماعية ومناطقية وقومية اجنبية وغريبة وطائفية وعنصرية … ؛ الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية تعكس منذ ولادتها اختلالات الدولة العراقية الناشئة نفسها… ؛ فبدلاً من أن تكون مرآة متوازنة للتنوع العراقي، أصبحت مع مرور الزمن إحدى أدوات إعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاجتماعية.
ولم تمض سنوات طويلة حتى بدأ الجيش يؤدي الوظيفة التي أُنشئ من أجلها… ؛ ففي عام 1933 شهد العراق واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخه الحديث، عندما وقعت مجزرة سميل ضد الآثوريين .. , وقد تحولت العملية العسكرية إلى كارثة إنسانية راح ضحيتها مئات المدنيين، واعتبرها كثير من الباحثين أول اختبار كبير لاستخدام الجيش ضد جزء من سكان البلاد بدلاً من توجيهه نحو تهديد خارجي.
وبعد ذلك لم يتوقف توظيف المؤسسة العسكرية في إدارة الأزمات الداخلية بالقوة… ؛ فقد دخل الجيش في مواجهات متكررة مع الحركة الكردية في شمال العراق **، واستخدم في حملات ضد بعض المناطق والعشائر والجماعات المحلية الرافضة لسياسات الدولة المركزية.. , كما شهدت مناطق الفرات الأوسط والجنوب حملات عسكرية واسعة ضد الانتفاضات الفلاحية والعشائرية خلال العهد الملكي، حيث جرى اللجوء إلى القوة المسلحة والطيران العسكري لإخضاع المحتجين والثوار وإعادة فرض سلطة الحكومة الطائفية والعنصرية الغاشمة .
ومنذ تلك اللحظة تشكل تقليد سياسي خطير في العراق: كل أزمة سياسية تُعالج عسكرياً، وكل احتجاج اجتماعي يُنظر إليه بوصفه تهديداً أمنياً، وكل معارضة تُصنف باعتبارها تمرداً يستوجب القوة.. , وهكذا تحولت المؤسسة العسكرية تدريجياً من أداة دفاع وطني إلى أداة مركزية في إدارة الصراع الداخلي وقمع الشعب .
ولم يكن رفض بعض المرجعيات الدينية، ومن بينها المرجع السيد محمد الصدر، لقانون الخدمة الإلزامية بعيداً عن هذا السياق التاريخي.. , فقد كانت هناك مخاوف حقيقية من أن تتحول الخدمة العسكرية إلى وسيلة لزج أبناء المجتمع في مؤسسة يُستخدم جزء مهم من طاقتها ضد أبناء الوطن أنفسهم، لا ضد الأخطار الخارجية.
ومع مرور العقود ترسخت هذه العقيدة أكثر فأكثر.. ؛ فالانقلابات العسكرية المتعاقبة جعلت الجيش لاعباً سياسياً مباشراً، ثم جاء حكم البعث ليحوّل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى إحدى ركائز السلطة المطلقة.
وعندما اندلعت الانتفاضة الشعبية الخالدة عام 1991 بلغ هذا المسار ذروته الدموية، إذ استُخدمت تشكيلات الجيش والحرس الجمهوري والأسلحة الثقيلة في قمع مدن عراقية كاملة، في مشهد أعاد إنتاج الفكرة نفسها التي رافقت الدولة منذ بداياتها: توجيه القوة العسكرية إلى الداخل قبل الخارج.
إن المشكلة لم تكن في وجود الجيش بحد ذاته، فالدول لا تقوم بلا جيوش، بل في العقيدة التي حكمت بناء هذه المؤسسة.. , فحين يُربّى الجيش على أن الخطر الأكبر يأتي من المواطن لا من العدو الخارجي، وحين تصبح حماية النظام السياسي أهم من حماية المجتمع، فإن السلاح الذي يفترض أن يكون درعاً للوطن يتحول إلى أداة لفرض الهيمنة على الوطن نفسه.
إن قراءة تاريخ الجيش العراقي من سميل عام 1933 إلى انتفاضة عام 1991 تكشف خيطاً متصلاً من استخدام القوة العسكرية في إدارة التناقضات الداخلية.. , حتى التضحيات الكبيرة التي قدمها مئات الآلاف من الجنود والضباط العراقيين ؛ انما قدمت ككبش فداء في معارك الوكالة وحروب النيابة عن الاخرين … .
فلابد من إعادة النظر في الفلسفة التي تأسست عليها المؤسسة العسكرية وفي طبيعة العلاقة التي ربطتها بالدولة والمجتمع.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بقوة جيشها فقط، بل بالغاية التي وُجد الجيش من أجلها.. , وعندما يصبح المواطن هدفاً دائماً للبندقية، فإن المشكلة لا تكون في الجندي، بل في العقيدة السياسية التي توجه البندقية.
……………
المصادر
* عبد الرزاق الحسني، *تاريخ الوزارات العراقية*.
* حنا بطاطو، *العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية*.
* علي الوردي، *لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث*.
* Charles Tripp, *A History of Iraq*.
* Eric Davis, *Memories of State*.
* تقارير عصبة الأمم ووثائق مجزرة سميل 1933.
* مذكرات نوري السعيد والوثائق البريطانية الخاصة بتأسيس الجيش العراقي.
**ملاحظة تاريخية مهمة:** انتفاضات الشيخ محمود البرزنجي الرئيسية سبقت تأسيس الجيش العراقي النظامي أو تزامنت مع بداياته، وكانت القوات البريطانية هي الطرف العسكري الرئيس في معظم مراحل قمعها، لذلك يجب التفريق بين الدور البريطاني المباشر وبين دور الجيش العراقي الذي تعاظم لاحقاً.