مقارنة في شروط التأسيس بين مصطفى كمال أتاتورك وفيصل الأول
الامة العراقية : إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (16)
رياض سعد
يثير تاريخ نشوء الدول الحديثة في الشرق الأوسط سؤالاً بالغ الأهمية: لماذا نجحت بعض الدول في بناء هوية وطنية متماسكة ومؤسسات مستقرة، بينما أخفقت دول أخرى في إنتاج مشروع وطني جامع رغم امتلاكها مقومات حضارية وتاريخية أقدم وأعمق؟
ولعل المقارنة بين التجربتين التركية والعراقية في مطلع القرن العشرين تمثل نموذجاً مناسباً للإجابة عن هذا السؤال.
فبينما وُلد مصطفى كمال أتاتورك عام 1881، وُلد الملك فيصل الأول عام 1883، أي أن الفارق الزمني بين الرجلين لم يتجاوز عامين تقريباً.. ؛ لكن الفارق بين المشروعين اللذين ارتبط اسماهما بهما كان كبيراً إلى درجة ترك آثاراً عميقة في مصير الدولتين طوال القرن العشرين.
لقد خرجت تركيا من الحرب العالمية الأولى منهكة وممزقة ومحاصرة، وفقدت الإمبراطورية العثمانية معظم أراضيها ونفوذها.. , ومع ذلك ظهر مشروع سياسي جديد قاده مصطفى كمال أتاتورك، استند إلى فكرة مركزية واضحة هي بناء دولة تركية حديثة تقوم على الأمة التركية باعتبارها المرجعية العليا للهوية والانتماء والسيادة.
كان أتاتورك ابن البيئة الاجتماعية والثقافية التي حكمها… ؛ فقد نشأ داخل الفضاء التركي، وتكلم لغة شعبه، وخاض حروبه، وتفاعل مع آلامه وطموحاته.. , ولذلك فإن مشروعه السياسي، بصرف النظر عن الموقف من تفاصيله الفكرية أو الأيديولوجية، كان مشروعاً نابعاً من الداخل التركي وموجهاً لخدمة الدولة التركية ومصالحها القومية.
ولهذا السبب بقيت الجمهورية التركية، بعد أكثر من قرن على تأسيسها، تدور في فلك الفكرة التي وضع أسسها مؤسسها الأول.. , فما زالت القومية التركية والهوية الوطنية التركية تمثلان الركيزة الأساسية للدولة، وما زال اسم أتاتورك يحتل مكانة مركزية في الذاكرة الوطنية والمؤسسات السياسية التركية.
أما العراق فقد واجه ظروفاً مختلفة تماماً.
فعقب الاحتلال البريطاني لبلاد الرافدين وانهيار الدولة العثمانية، لم يُمنح العراقيون فرصة كاملة لإنتاج قيادتهم الوطنية من داخل البنية الاجتماعية العراقية، بل جرى استقدام نخبة هجينة سياسية ذات خلفيات عثمانية ومشرقية مختلفة لتتولى إدارة الدولة الجديدة تحت المظلة البريطانية.
ومن هنا بدأت واحدة من أعقد إشكاليات التكوين السياسي العراقي الحديث.
فالدولة العراقية الحديثة نشأت قبل أن يُحسم الجدل حول هوية الأمة العراقية نفسها.. , ولذلك انشغلت النخب الحاكمة منذ السنوات الأولى بمشروعات أيديولوجية وقومية تتجاوز العراق، أكثر مما انشغلت بصياغة سردية وطنية عراقية مستقلة تستند إلى التاريخ العريق لبلاد الرافدين.
وبدل أن يتحول العراق إلى مركز لإنتاج هوية وطنية عراقية متجذرة في تاريخه وحضارته، جرى ربطه بمشروعات فوق وطنية متعددة، الأمر الذي أدى إلى تهميش الكثير من عناصر الشخصية العراقية التاريخية لصالح سرديات سياسية هجينة ومنكوسة و مستوردة من خارج السياق المحلي.
لقد نجحت الجمهورية التركية في تحويل الدولة إلى امتداد للأمة التركية، بينما عانى العراق طويلاً من إشكالية معاكسة تمثلت في محاولة تعريف الأمة العراقية وفق تصورات سياسية وأيديولوجية لا تنبع بالضرورة من التجربة التاريخية العراقية نفسها.
وهنا لا تكمن أهمية المقارنة في الأشخاص بقدر ما تكمن في طبيعة المشروع السياسي الذي حمله كل منهما.
فالتاريخ يعلمنا أن نجاح الدول لا يرتبط فقط بكفاءة الحكام أو نزاهتهم، بل بمدى قدرتهم على تجسيد هوية المجتمع الذي يحكمونه، وتحويل تلك الهوية إلى مشروع سياسي وثقافي وتربوي متكامل.
إن التجربة التركية تكشف كيف يمكن لفكرة وطنية واضحة أن تتحول إلى قوة مؤسسة للدولة.. , أما التجربة العراقية فتكشف، في جانب منها، المخاطر التي تنشأ عندما تتقدم المشاريع العابرة للحدود على حساب المشروع الوطني المحلي.
ومن هنا تبرز إحدى أهم قضايا مشروع الأمة العراقية المعاصر؛ وهي ضرورة إعادة قراءة تاريخ الدولة العراقية بعيداً عن الروايات الرسمية والأيديولوجية، والبحث عن الأسباب العميقة التي جعلت العراق، رغم امتلاكه أقدم إرث حضاري في المنطقة، عاجزاً عن إنتاج سردية وطنية موحدة تحظى بإجماع أبنائه.
فالأمم لا تُبنى بالحدود وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، ولا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تُبنى أولاً بوجود فكرة جامعة يشعر المواطن أنها تعبر عنه وعن تاريخه ومصالحه ومستقبله.
ولهذا فإن السؤال الذي ما زال مطروحاً بعد أكثر من قرن على تأسيس الدولة العراقية هو: هل نجح العراق في بناء دولة تعبّر عن الأمة العراقية، أم أن الأمة العراقية ما زالت تبحث عن دولتها الوطنية الحقيقية؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشكل محور أي مشروع جاد لإعادة تأصيل الهوية العراقية وبناء الوعي الوطني في القرن الحادي والعشرين.