الطائفية الناعمة… حين ترتدي الكراهية ثياب الثقافة

رياض سعد

ليست كل طائفية صراخاً في الشوارع، ولا كل خطاب طائفي يرفع راية مذهبية ويعلن عن نفسه بوضوح… ؛  فهناك طائفية أكثر دهاءً، وأشد خطراً، لأنها لا تأتيك بوجهها الحقيقي، وإنما تتسلل إليك من الأبواب التي يفترض أن تكون أبواباً للعقل والمعرفة والثقافة والاعلام المهني .

إنها **الطائفية الناعمة**؛ الطائفية التي ترتدي ربطة عنق، وتحمل شهادة جامعية، وتتحدث بلغة حقوق الإنسان، وتجلس في استوديو تلفزيوني، أو تكتب مقالاً في صحيفة، أو تنشر بحثاً أكاديمياً، ثم تفعل ما يفعله أكثر الطائفيين جهلاً: تختزل ملايين البشر في صورة واحدة، وتنقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، ومن السياسي إلى الطائفة، ومن الحزب إلى المذهب.

وهذه الطائفية أخطر من الطائفية الفجة في جانب معين؛ لأن الجاهل حين يشتم قد يثير الاشمئزاز، أما المثقف حين يمرر الفكرة ذاتها في قالب أكاديمي أو ليبرالي أو «حداثي» فإنه يمنحها **شرعية زائفة**.

# الطائفية لا تحتاج إلى عمامة

من الأخطاء الشائعة اختزال الطائفية في رجل الدين أو الخطاب الديني... ؛ فالطائفية قد تكون دينية، نعم، لكنها قد تكون سياسية أو قومية أو طبقية أو ثقافية أو إعلامية أو أكاديمية... ؛ وقد تجد إنساناً لا يؤمن بالدين أصلاً، لكنه يتعامل مع طائفة دينية بعقلية أكثر تعصباً من رجل الدين.

فالطائفية ليست في اللباس، وإنما في **طريقة تصنيف البشر**.

حين يقول شخص: «هذا شيعي، إذن هو تابع لدولة ايران »... ؛ فهو يمارس طائفية.

وحين يقول آخر :«هذا سني، إذن هو مشروع إرهابي»... ؛ فهو يمارس طائفية.

وحين يقول ثالث: «هذا مسيحي، إذن لا يمكن أن يكون وطنياً»... ؛ فهو يمارس طائفية.

وحين يقول رابع: «هذا كردي، إذن ولاؤه ليس للعراق»... ؛ فهو يمارس طائفية أو قومية إقصائية بالمعنى ذاته.

المشكلة إذن ليست في اختلاف الهويات، وإنما في **تحويل الهوية إلى حكم أخلاقي وسياسي مسبق على الإنسان**.

# الطائفية الإعلامية: صناعة «الآخر»

الإعلام من أخطر مصانع الطائفية؛ لأنه يستطيع أن يصنع صورة ذهنية لجماعة كاملة من خلال تكرار نماذج محددة واختيار كلمات بعينها.

قد يكرر الإعلام على مدى سنوات صورة «الشيعي المرتبط بإيران او بالفساد »، أو «السني المتهم بالإرهاب والارتباطات الخارجية »، أو «الكردي الانفصالي»، حتى تصبح الصورة في ذهن المتلقي أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة نفسها... ؛ وهنا لا يحتاج الإعلام إلى شتم أحد.

يكفي أن **يختار ماذا يعرض وماذا يخفي، ومن يستضيف ومن يقاطع، وما المصطلح الذي يستخدمه، وما الصورة التي يضعها إلى جانب الخبر**... ؛ فالكلمة الإعلامية ليست بريئة دائماً.

حين تقول عن جماعة سياسية «مسلحون»، وعن جماعة أخرى «مقاومون»، وعن ثالثة «ميليشيات»، فأنت لا تنقل الحدث فقط؛ بل تضع له إطاراً تفسيرياً.

وحين تعرض جريمة ارتكبها فرد من طائفة معينة مقرونة بهويته المذهبية، بينما تعرض جريمة مماثلة ارتكبها شخص من طائفة أخرى دون ذكر مذهبه، فأنت تمارس انتقائية قد تتحول إلى صناعة كراهية.

ولهذا فإن أخطر الأسئلة الإعلامية ليست دائماً: ماذا قيل؟ ؛ بل: لماذا قيل؟ ولماذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ ولماذا هذا الشخص تحديداً؟ ولماذا أُخفيت بقية التفاصيل؟

# الطائفية الأكاديمية… عندما تتحول الدراسة إلى محاكمة

أما الطائفية الأكاديمية فهي أكثر تعقيداً.

ليس من حق أحد أن يمنع الباحث من نقد أي تراث ديني، شيعياً كان أم سنياً أم مسيحياً أم يهودياً أو غير ذلك.

التراث البشري كله قابل للبحث والنقد.

لكن البحث العلمي شيء، وتحويل البحث إلى **إدانة جماعية** شيء آخر.

يمكن للباحث أن يقول: هذه الرواية ضعيفة... ؛ وهذا الحديث مختلف في صحته... ؛ وهذه الفكرة نشأت في سياق تاريخي معين... ؛ وهذا الموقف السياسي لا يمثل جميع أتباع المذهب... ؛ وهذه المؤسسة ارتكبت أخطاء... ؛ كل ذلك يدخل في باب البحث المشروع.

أما أن يقول: «هذا التراث كله أكاذيب، وأتباعه جميعاً ضحايا تلك الأكاذيب»... ؛ فهنا لم يعد يتحدث عن بحث علمي، وإنما عن **حكم أيديولوجي شامل** يحتاج هو نفسه إلى إثبات.

فالعلم لا يبدأ بالنتيجة ثم يبحث عن الأدلة.

العلم يبدأ بالسؤال... ؛ ثم يجمع الأدلة... ؛ ثم يقارن... ؛ ثم ينقد... , ثم يترك للنتيجة أن تتشكل من المادة المدروسة.

أما أن تكون النتيجة جاهزة قبل فتح الكتاب، فهذه ليست دراسة؛ إنها محاكمة.

# لا يوجد تراث بشري بلا طبقات

ومن الضروري هنا أن نميز بين الدين بوصفه عقيدة، وبين التراث بوصفه نتاجاً بشرياً تراكمياً.

فكل تراث ديني كبير يحتوي على طبقات متعددة: نصوص مقدسة.. , تفسيرات.. , شروح.. , روايات .. , اجتهادات.. , مجادلات.. , مذاهب.. , مدارس فقهية.. , قراءات فلسفية.. , تأويلات تاريخية.. , ومواقف سياسية واجتماعية تشكلت في ظروف مختلفة… ؛ ولهذا لا يصح اختزال تراث يمتد قروناً طويلة في مجموعة واحدة متجانسة... , كما لا يصح أن نطلب من المسلمين، أياً كان مذهبهم، أن يدافعوا عن كل ما كتبه كل عالم في تاريخهم.

فالإنسان ليس نسخة من تراثه.

والمذهب ليس حزباً واحداً.

والطائفة ليست مؤسسة مركزية واحدة.

وهذا التفريق وحده يهدم جانباً كبيراً من البناء الطائفي.

# الطائفية السياسية: حين يصبح المذهب صندوق اقتراع

السياسة هي المجال الذي تتضخم فيه الطائفية بصورة خطيرة؛ لأن السياسي لا يحتاج إلى أن يؤمن بالطائفية حتى يستثمر فيها.

يكفي أن يكتشف أنها تجلب الأصوات.

فيقول للناس: «صوتوا لي لأنني منكم».

ثم يبحث عن «الآخر» الذي ينبغي أن تخافوا منه.

وقد يكون هذا الآخر مذهبياً، أو قومياً، أو مناطقياً.

وهكذا تتحول الانتخابات من منافسة حول الاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات وسيادة القانون إلى منافسة حول سؤال بدائي: **من نحن؟ ومن هم؟**

وهنا يخسر الوطن مرتين: مرة حين يتحول المواطن إلى رقم طائفي... ؛ ومرة حين يتحول السياسي إلى ممثل حصري لطائفته.

فالدولة الحديثة لا تقوم على مبدأ: «هذه حصتي لأنني من هذه الطائفة».

وإنما تقوم على: **«هذا حقي لأنني مواطن».** ؛ وهذا فارق هائل.

# الطائفية الاقتصادية: حين تدخل الكراهية إلى الجيب

وقد يظن البعض أن الطائفية شأن ديني فقط.

لكن الطائفية تستطيع أن تصبح اقتصادية أيضاً.

عندما يُمنح شخص وظيفة لأنه من الجماعة نفسها، أو يُحرم منها لأنه من جماعة أخرى.

حين تصبح العقود والمشاريع والامتيازات مرتبطة بشبكات الهوية  الطائفية والقومية والمناطقية لا بالكفاءة والشهادة الأكاديمية والمواطنة القانونية  .

حين يتحول الفساد إلى «فساد جماعتنا» و«فساد جماعتهم».

وحين يبدأ المواطن في تبرير سرقة السياسي الذي ينتمي إلى هويته، ثم يطالب بمحاسبة السياسي الآخر... ؛ عندها تصبح الطائفية **نظاماً لتوزيع الولاء والمصالح**، لا مجرد خلاف ديني.

# الطائفية النفسية: نحن الضحايا وهم الجلادون

وللطائفية أيضاً جذور نفسية عميقة.

من أخطرها **عقدة الضحية الدائمة**.

حين تعيش جماعة ما على ذاكرة المظلومية وحدها، قد يتحول الماضي من درس تاريخي إلى وقود دائم للكراهية.

ولا يعني ذلك إنكار المظالم التاريخية.

فالمظلمة لا تصبح أقل حقيقة لأن الاعتراف بها قد يزعج أحداً.

لكن هناك فرقاً بين أن تقول: «لقد وقع ظلم تاريخي ينبغي فهمه».

وبين أن تقول: «لقد ظلمونا، ولذلك فإن أبناءهم اليوم يستحقون العقوبة».

الأول وعي تاريخي.

والثاني ثأر جماعي.

والفرق بينهما هو الفرق بين **العدالة والانتقام**.

# الذاكرة حين تتحول إلى سلاح

العراق بلد ثقيل الذاكرة.

وهذه ميزة حين تكون الذاكرة وسيلة للتعلم، لكنها تتحول إلى كارثة حين تصبح مستودعاً للثأر.

لدينا قرون من الصراعات السياسية والمذهبية والاجتماعية، ثم لدينا تاريخ الدولة الحديثة، والانقلابات، والحروب، والاستبداد، والحصار، والاحتلال، والإرهاب، والصراع السياسي بعد 2003.

وكل هذه الأحداث أنتجت جراحاً حقيقية.

لكن السؤال ليس: **من يملك المظلومية الأكبر؟**

بل: **كيف نحول المظلومية إلى معرفة تمنع تكرار الجريمة؟**

فالذاكرة الناضجة تقول: «حدث هذا، ولذلك يجب ألا يتكرر».

أما الذاكرة الطائفية فتقول: «حدث هذا، ولذلك يجب أن ننتقم».

الأولى تبني دولة.

والثانية تبني مقبرة جديدة.

# أخطر الأكاذيب هي التي تحتوي جزءاً من الحقيقة

الخطاب الطائفي لا ينجح دائماً بالكذب الكامل.

أحياناً تكون لديه حقيقة جزئية، ثم يبني فوقها استنتاجاً كلياً.

قد يكون هناك فاسدون من طائفة معينة.

حسناً.

لكن هل كل أبناء الطائفة فاسدون؟

قد تكون هناك جماعة مسلحة ارتكبت جريمة.

حسناً.

لكن هل كل أبناء المذهب مسؤولون عنها؟

قد يكون هناك رجل دين متعصب.

حسناً.

لكن هل كل رجال الدين كذلك؟

قد تكون هناك دولة ذات مشروع مذهبي.

حسناً.

لكن هل كل أتباع المذهب عملاء لتلك الدولة؟

هنا تكمن اللعبة.

**الطائفي لا يحتاج إلى اختراع الحقيقة كلها؛ يكفيه أن يأخذ جزءاً صحيحاً منها ويضعه في سياق كاذب.**

وهذا من أكثر أساليب التضليل نجاحاً.

# هل نقد الشيعة طائفية؟

لا.

وهنا يجب أن نكون واضحين.

نقد الشيعة ليس طائفية.

كما أن نقد السنة ليس طائفية.

ونقد الإسلام أو المسيحية أو اليهودية من منظور علمي أو فلسفي أو تاريخي ليس في ذاته طائفية.

الطائفية تبدأ حين يتحول النقد من: **«هذه الفكرة خاطئة»** ؛ إلى: **«أنتم جميعاً خاطئون».**

ومن: **«هذا الحزب ارتكب جريمة»** ؛ إلى: **«هذه الطائفة كلها مجرمة».**

ومن: **«هذا رجل دين أخطأ»** ؛ إلى: **«هذا الدين كله خرافة».**

ومن: **«هذه السياسة مرفوضة»** ؛ إلى: **«كل من ينتمي إلى هذه الجماعة عدو».**

وهذا معيار يمكن تطبيقه على الجميع دون استثناء.

# الطائفية المضادة ليست علاجاً

وهنا أصل إلى أخطر نقطة.

أن تتعرض جماعة للتمييز لا يمنح أبناءها رخصة لتمييز الآخرين.

وأن تتعرض طائفة للشتائم لا يجعل الشتائم المضادة عدلاً.

وأن يتعرض الشيعي للإهانة لا يبرر إهانة السني.

وأن يتعرض السني للظلم لا يبرر ظلم الشيعي.

فالعدالة لا تحتاج إلى مذهب.

والكرامة لا تحتاج إلى طائفة.

والإنسان لا يصبح إنساناً أكثر لأن خصمه صار أقل إنسانية.

ولهذا فإن مواجهة الطائفية يجب أن تبدأ من قاعدة بسيطة: **لا تعاقب الإنسان على ما لم يفعله.**

هذه القاعدة وحدها لو طبقت في العراق لانهارت إمبراطوريات كاملة من خطاب الكراهية.

# من المستفيد من الطائفية؟

وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الذي يهرب منه كثيرون: **من المستفيد؟**

من المستفيد حين يتقاتل العراقيون حول هوياتهم؟

من المستفيد حين ينشغل المواطن بسؤال المذهب عن سؤال الاقتصاد؟

من المستفيد حين يتحول النقاش من الفساد إلى الطائفة؟

من المستفيد حين يصبح المواطن مستعداً للدفاع عن فاسد لأنه «من جماعته»؟

من المستفيد حين تخاف المدن من بعضها؟

من المستفيد حين يصبح الوطن مجموعة جزر نفسية متنافرة؟

إن الطائفية، في كثير من الحالات، ليست مجرد نتيجة للصراع؛ إنها أيضاً **أداة لإدارة الصراع وتوزيع السلطة وصناعة الولاءات**.

ولهذا فإن تفكيكها لا يكون بالوعظ وحده، وإنما بكشف المصالح التي تستفيد من استمرارها.

# الطريق إلى المواطنة لا يمر عبر إنكار الاختلاف

ليس المطلوب أن يصبح العراقيون متشابهين.

ولا أن يتخلوا عن مذاهبهم.

ولا أن يتخلوا عن معتقداتهم.

ولا أن يمحوا ذاكرتهم.

المطلوب شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يعرف الإنسان أن اختلافه مع الآخر لا يمنحه حق إلغاء الآخر.

أن يكون الشيعي شيعياً دون أن يكون عدواً للسني.

وأن يكون السني سنياً دون أن يكون عدواً للشيعي.

وأن يكون المسيحي مسيحياً دون أن يحتاج إلى الاعتذار عن هويته.

وأن يكون الكردي كردياً دون أن يصبح ذلك تهمة.

وأن يكون الجميع عراقيين دون أن يضطر أحد إلى خلع جلده الثقافي والديني والقومي حتى يدخل باب الوطن.

**الوطن الحقيقي ليس المكان الذي تختفي فيه الاختلافات؛ بل المكان الذي تتعايش فيه الاختلافات تحت سقف القانون.**

وهذه هي المعركة الحقيقية مع الطائفية.

ليست معركة بين طائفة وطائفة.

بل معركة بين **عقل يريد تحويل الاختلاف إلى كراهية، وعقل يريد تحويل الاختلاف إلى تنوع.**

وفي هذه المعركة لا يكفي أن نقول: «أنا ضد الطائفية».

فالسؤال الأهم هو: **كيف تتصرف عندما يخطئ شخص من جماعتك؟**

هل تحاسبه؟

أم تبحث له عن عذر؟

وكيف تتصرف عندما ينجح شخص من الجماعة الأخرى؟

هل تعترف بنجاحه؟

أم تبحث عن تفسير طائفي لنجاحه؟

وكيف تتصرف عندما ترتكب جماعة من طائفتك جريمة؟

هل تقول: «هذه جريمة ارتكبها أصحابها»؟

أم تقول: «كانوا مضطرين»؟

هنا، لا في الشعارات، يُختبر الإنسان.

فمحاربة الطائفية ليست أن نرفع لافتة ضدها.

**إنها أن ننتزعها من داخلنا أولاً.**

ثم نواجهها في الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والحسينية والإعلام والحزب والبرلمان والشارع.

وعندما تصبح هذه القاعدة جزءاً من أخلاقنا السياسية والاجتماعية، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا فعلاً بتفكيك الطائفية، لا مجرد تغيير اسمها.

لأن أخطر طائفية ليست تلك التي تقول لك: **أنا طائفي.** ؛ بل تلك التي تقول لك: **أنا وحدي محايد… وكل من يخالفني طائفي.**