د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله عز وجل “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ﴿لقمان 22﴾ يُسْلِم وجهه: يُفوّض أمره كلّه. ومن يُخْلص عبادته لله وقصده إلى ربه تعالى، وهو محسن في أقواله، متقن لأعماله، فقد أخذ بأوثق سبب موصل إلى رضوان الله وجنته. وإلى الله وحده تصير كل الأمور، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” (لقمان 22) “ومن يُسلم وجهه إلى الله” أي يقبل على طاعته “وهو محسن” موحد “فقد استمسك بالعروة الوثقى” بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه “وإلى الله عاقبة الأمور” مرجعها. وجاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ﴿لقمان 22﴾ “وإلى الله عاقبة الأمور” ﴿لقمان 22﴾ أي وعند الله ثواب ما صنع عن مجاهد والمعنى وإلى الله ترجع أواخر الأمور على وجه لا يكون لأحد التصرف فيها بالأمر والنهي.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ﴿لقمان 22﴾ استئناف ويحتمل أن يكون حالا من مفعول”يَدْعُوهُمْ” (لقمان 21) وفي معنى الجملة الحالية ضمير عائد إليهم، والمعنى: أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى كذا والحال أن من أسلم وجهه إلى الله كذا فقد نجا وأفلح والحال أن عاقبة الأمور ترجع إلى الله فيجب أن يكون هو المعبود. وإسلام الوجه إلى الله تسليمه له وهو إقبال الإنسان بكليته عليه بالعبادة وإعراضه عمن سواه. والإحسان الإتيان بالأعمال الصالحة عن إيقان بالآخرة كما فسره به في أول السورة “هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ” (لقمان 3-4) والعروة الوثقى المستمسك الذي لا انفصام له. والمعنى: ومن وحد الله وعمل صالحا مع اليقين بالمعاد فهو ناج غير هالك البتة في عاقبة أمره لأنها إلى الله وهو الذي يعده بالنجاة والفلاح. ومن هنا يظهر أن قوله: “وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ” (لقمان 22) في مقام التعليل لقوله: “فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى” (لقمان 22) بما أنه استعارة تمثيلية عن النجاة والفلاح. و قوله تعالى: “وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ” (الاعراف 84) ذكر الأمطار في مورد ترقب ذكر العذاب يدل على أن العذاب كان به وقد نكر المطر للدلالة على غرابة أمره وغزارة أثره، وقد فسره الله تعالى في موضع آخر بقوله: “وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ” (هود 83). وقوله: “فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ” (الاعراف 84) توجيه خطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله ليعتبر به هو وأمته. قوله تعالى: “ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ” (الروم 10) بيان لما انتهى إليه أمر أولئك الظالمين ولذا عبر بثم، و”عاقِبَة ” بالنصب خبر كان واسمه”السُّواى” قدم الخبر عليه لإفادة الحصر و”أَساؤُا” مقطوع عن المتعلق بمعنى عملوا السوء، والسوآى الخلة التي يسوء صاحبها والمراد بها سوء العذاب و”أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ” بحذف لام التعليل والتقدير لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها. والمعنى: ثم كان سوء العذاب هو الذي انتهى إليه أمر أولئك الذين عملوا السوء لم تكن لهم عاقبة غيرها لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها.
قال الله عز وجل عن العاقبة “فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ” ﴿القصص 40﴾ فأخذنا فرعون وجنوده، فألقيناهم جميعًا في البحر وأغرقناهم، فانظر -أيها الرسول- كيف كان نهاية هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بربهم؟ و”تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” ﴿القصص 83﴾ والعَاقِبَةُ: المحمودة في الدنيا والآخرة، تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق في الأرض ولا فسادًا فيها، والعاقبة المحمودة وهي الجنة لمن اتقى عذاب الله وعمل الطاعات، وترك المحرمات، و”أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ﴿الروم 9﴾ أولم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بالله الغافلون عن الآخرة في الأرض سَيْرَ تأمل واعتبار، فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذَّبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجسامًا، وأقدر على التمتع بالحياة حيث حرثوا الأرض وزرعوها، وبنَوْا القصور وسكنوها، فعَمَروا دنياهم أكثر مما عَمَر أهل مكة دنياهم، فلم تنفعهم عِمارتهم ولا طول مدتهم، وجاءتهم رسلهم بالحجج الظاهرة والبراهين الساطعة، فكذَّبوهم فأهلكهم الله، ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك، وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان، و”ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ” ﴿الروم 10﴾ ثم كانت عاقبة أهل السوء من الطغاة والكفرة أسوأ العواقب وأقبحها، لتكذيبهم بالله وسخريتهم بآياته التي أنزلها على رسله، و”قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ” ﴿الروم 42﴾ قل أيها الرسول للمكذبين بما جئت به: سيروا في أنحاء الأرض سير اعتبار وتأمل، فانظروا كيف كان عاقبة الأمم السابقة المكذبة كقوم نوح، وعاد وثمود، تجدوا عاقبتهم شر العواقب ومآلهم شر مآل؟ فقد كان أكثرهم مشركين بالله، و”وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ﴿لقمان 22﴾ وإلى الله عاقبة الأمور: مرجعها، ومن يُخْلص عبادته لله وقصده إلى ربه تعالى، وهو محسن في أقواله، متقن لأعماله، فقد أخذ بأوثق سبب موصل إلى رضوان الله وجنته، وإلى الله وحده تصير كل الأمور، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، و”أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” ﴿فاطر 44﴾ أولم يَسِرْ كفار مكة في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كعاد وثمود وأمثالهم، وما حلَّ بهم من الدمار، وبديارهم من الخراب، حين كذبوا الرسل، وكان أولئك الكفرة أشد قوة وبطشًا من كفار مكة؟ وما كان الله تعالى ليعجزه ويفوته من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليمًا بأفعالهم، قديرًا على إهلاكهم، و”فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ” ﴿الصافات 73﴾ فتأمَّل كيف كانت نهاية تلك الأمم التي أنذرت، فكفرت؟ فقد عُذِّبت، وصارت للناس عبرة.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ﴿لقمان 22﴾ فإنّ الآية تقول في النهاية: “وإلى الله عاقبة الاُمور” ﴿لقمان 22﴾. جاء في حديث نقل في تفسير البرهان عن طرق العامّة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله: (وسيكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسّك بالعروة الوثقى، فقيل: يا رسول الله، وما العروة الوثقى؟ قال: ولاية سيّد الوصيّين، قيل: يارسول الله، ومن سيّد الوصيّين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يا رسول الله ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يا رسول الله، ومن مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب). وقد رويت روايات اُخرى في هذا الباب تؤيّد أنّ المراد من العروة الوثقى مودّة أهل البيت عليهم السلام، أو حبّ آل محمّد صلى الله عليه وآله، أو الأئمّة من ولد الحسين عليهم السلام. وقد قلنا مراراً: إنّ هذه التفاسير بيان للمصاديق الواضحة، ولا تتنافى مع المصاديق الاُخرى كالتوحيد والتقوى وأمثال ذلك.