جديد

طرابيشي والجابري: نقد التراث بين التحليل النفسي والعقلانية

سالم يفوت

تمثل مشكلة “التراث” في الفكر العربي المعاصر بؤرة الوعي ومحدد الهوية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وأكاديمية وثقافية. وفي هذا السياق، تباينت المقاربات المنهجية للتعامل مع الإرث الثقيل للماضي، وبرز تياران يقفان على طرفي نقيض في تشخيص “الأزمة”: أحدهما يرى الخلل في بنية العقل المعرفية، والآخر يراه في الأعماق اللاشعورية الجمعية التي تحرك هذا العقل وتتحكم في آلياته.

يتجسد هذا التضاد الجذري بين مشروع “نقد العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، ومشروع “نقد نقد العقل العربي” لجورج طرابيشي. ينطلق الجابري من مقاربة إبستمولوجية (معرفية) صارمة، مفترضاً أن العقل العربي يتكون من نظم معرفية ثابتة (البيان، العرفان، البرهان). بالنسبة للجابري، التخلف الحضاري ناتج عن هيمنة النظم “اللاعقلانية” (كالعرفان) على النظام “العقلاني” (البرهان). بناءً على ذلك، يصبح الحل في “عقلنة” التراث، أي الفرز المنهجي له، واستبعاد ما هو خرافي، وإعادة إحياء وتبيئة ما هو عقلاني ورشدي فيه. هذه المقاربة تفترض أن العقل العربي يمتلك حرية الفرز والاختيار الإرادي المستقل، وأنه قادر على تصحيح مساره بمجرد توفر الوعي المنهجي النقدي.

في المقابل المعرفي التام، يرفض جورج طرابيشي هذا التحليل الإبستمولوجي، متخذاً من التحليل النفسي (السايكو-تاريخي) أداة لتفكيك أطروحة الجابري نفسها. يرى طرابيشي أن مشكلة العقل العربي ليست في أدواته المعرفية، بل في “عصابه” النفسي الذي تشكل بعد صدمات تاريخية كبرى. بالنسبة لطرابيشي، العقل العربي ليس حراً في اختياراته كما يفترض الجابري، بل هو عقل “معصوب” ومدفوع بآليات نكوصية لاشعورية تجبره على الاحتماء بالتراث هرباً من رعب الحاضر. بناءً على ذلك، يعتبر طرابيشي أن محاولات الجابري لفرز التراث “عقلانياً” هي في جوهرها ممارسة تبريرية (Rationalization)؛ أي أنها مجرد غطاء أكاديمي لعملية ارتداد نفسي نحو الماضي للبحث عن أمان مفقود، وليست استقلالاً ذاتياً كما تُطرح.

يتمحور الاشتباك الأعمق بينهما حول مفهوم “القطيعة”. الجابري يدعو لقطيعة إبستمولوجية مع عصور الانحطاط لصالح إحياء اللحظات العقلانية المشرقة في التراث (اللحظة الأندلسية الرشدية). بينما يرد طرابيشي بأن القطيعة المطلوبة ليست داخل التراث، بل مع التراث برمته بوصفه “سلطة” نفسية (أب روحي) تعيق التطور. فالتمسك بأي جزء من التراث – حتى لو تم تغليفه بلفظ العقلانية – يبقى في التحليل النفسي مجرد استمرار لآلية النكوص والتثبيت الطفولي على الماضي.

يمثل هذا السجال أعمق محاولات تشريح العقل العربي: هل المشكلة إبستمولوجية يمكن حلها بأدوات النقد الفلسفي والتاريخي؟ أم أنها مشكلة باثولوجية (مرضية) تتطلب تدخلاً لكسر حواجز اللاشعور وعلاج الرضات النفسية المتراكمة قبل أي محاولة للتفلسف؟

#نقد_العقل_العربي#طرابيشي#الجابري