المشاؤون المحسنون الذكَّارون (*)

المَشَاؤون المُحسِنونَ الذَكَّارون (*)

قال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك :15

أحمد الحاج مكتبجي
لا يكاد يمر شهر تقريبا إلا وتطالعنا دراسة علمية جديدة في مجال الطب الوقائي والتكميلي صادرة عن مراكز الابحاث والدراسات الطبية في كل أرجاء العالم لتؤكد فوائد المشي الصحية والنفسية التي لا تحصى مجددا ، وجلها تقترح ترك وسائط النقل الخاصة والعامة برهة بإستثناء الدراجات الهوائية ، ناصحة بممارسة رياضة المشي بين 15 – 30 دقيقة على الاقل يوميا صباحا أو مساء لأن المشي يحسن المزاج ويزيد من تدفق الدم الى الدماغ ، ويقلل من معدلات الاكتئاب ،ويخفض نسبة السكر والضغط والكوليسترول في الدم ،ويقوي العضلات والعظام ،ويحفظ القلب وينشط الدورة الدموية ويحفز المناعة ، فضلا عن كون المشي صديق للبيئة والمناخ بعيدا عن الملوثات وانبعاثات عوادم المركبات السامة !!
دراسات علمية موثقة بمصادرها ومراجعها تصلني تباعا واحدة تلو الأخرى على البريد الالكتروني لأعمل على نشرها وتحريرها أسبوعيا ضمن الصفحات الصحية لعدد من الصحف والمجلات والمواقع والوكالات وبما أبهرني ودفعني الى إطلاق وتطبيق ما يمكنني تسميته بـ ( المشاؤون المحسنون الذَكَّارون) ، فإن كانت لك أذكار ودعوات لم تتمها بعد “فسر وأذكر ، هلل وكبر ، سبح واشكر”، ولعل من فوائد المشي التي لم تتطرق إليها الدراسات على رصانتها وجلها أوروبية وكندية وأسترالية وأميركية ويابانية ،هي أن المشي اليومي يطلعك على أمور بالكاد تطلع عليها ركوبا،ويمر بك بأماكن قلما تمر بها راكبا لعل المستشفيات والمستوصفات والمدارس والمقابر بعضها، إضافة الى أنك ستمر ماشيا بأشخاص لم ولن تمر بهم ركوبا من أمثال عمال النظافة، وأصحاب الهمم ، وكبار السن ، وبعض الكادحين فاحرص أثناء سيرك على الأقدام بملء إرادتك اختيارا وليس إجبارا، تواضعا لا تبخترا، على أن تسلم على كل من تعرفه منهم أو لا تعرفه ففي إفشاء السلام أخاء وسكينة وسلام ، احرص على أن تدعو للمرضى ممن تمر بمستشفياتهم سيرا على الأقدام بالشفاء العاجل، وللطلبة في مدارسهم بالحفظ والنجاح الدائم، وللموتى في مقابرهم بالرحمة والمغفرة والرضوان ، احرص على أن تبادر المعوزين إن كان في جيبك فائض من مال بالصدقة و بما يسرهم ويرفع من همتهم ومعنوياتهم ويحسن مزاجهم ، ولا يفوتنك وأنت تذرع الشوارع ذهابا وجيئة ،مساعدة المسنين والمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة في عبور الشوارع وتجنب المطبات، ولا يغب عن بالك إماطة الأذى عن الطريق،فالماشي وكما هو معلوم يرى ما لا يبصره الراكبون من أذى في طريق المارة ،وعابري السبيل ليكتسب أجرا كبيرا بإماطتها وحسبه إنقاذ ضعاف البصر وأصحاب الأقدام السكرية برفعه للمسامير وبقايا حطام الزجاج والقطع المعدنية الحادة وإزالتها عن طريقهم مما لا تحمد عقباه .

ليكن مشيك ذكرك، مشيك علاجك،مشيك تفكرك،مشيك رحمتك بالآخرين، مشيك استغفارك لرب العالمين ، مشيك صدقتك، مشيك دعاؤك ، مشيك تسبيحك وحمدك وتكبيرك وتهليلك وحوقلتك، مشيك صلاتك على نبيك خير البشر ،واحرص على كثرة المشي الى أعمال البر والخير والصلاح ،عيادة المرضى وصلة الأرحام ، كذلك كثرة المشي الى المساجد كما أوصانا بذلك رسول الحق ، وحبيب الخلق ﷺ القائل :”من تطهر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله،ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته، إحداها تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة ” ، وقوله ﷺ :” بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة” .
ولو أحصينا فوائد المشي ، بمعنى السعي ، وبمعنى السير الواردة في الأحاديث النبوية الشريفة لوجدناها مقرونة بالأعمال الإنسانية والرحمانية الراحمة وفي ذلك قال ﷺ :” بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له” ، وقال ﷺ: ” من غسَّلَ يومَ الجمعةِ واغتسلَ ثمَّ بَكَّرَ وابتَكرَ ومشى ولم يرْكب ودنا منَ الإمامِ فاستمعَ ولم يلغُ كانَ لَهُ بِكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها”.

وأما عن ممارسة الرياضة وفي صدارتها رياضة المشي لمدة (11) دقيقة يوميا فبإمكانها تقليل خطر السرطان ،أو أمراض القلب والأوعية الدموية ، بل وحتى الوفاة المبكرة وفقا لـ سي إن إن ،وهذا ما أكدته الدراسة الاخيرة التي أجراها فريق من علماء (جامعة كامبريدج) وتمثل خلاصة بحث استمر 10 سنوات ومتابعة بيانات (196) دراسة سابقة وفقا لـ (المجلة البريطانية للطب الرياضي).
ولا شك أن القيام بنشاط بدني لمدة 75 دقيقة في الأسبوع مفيد للغاية وبالإمكان تحقيقه بالمشي السريع، وركوب الدراجات ، أو السباحة ، أو التجول لمسافات طويلة وتتمثل في مجملها بـممارسة 150-300 دقيقة من النشاط البدني أسبوعيا لرفع معدل ضربات القلب أو 75-150 دقيقة من النشاط الاسبوعي بحسب (خدمة الصحة الوطنية) البريطانية .

فهنيئا للمشائين الذكَّارين المحسنين ممن يخرجون من بيوتهم ،أو من أماكن عملهم يوميا ذهابا وإيابا الى مساجدهم ،أو لينشروا الخير في كل البقاع والأصقاع ، يتصدقون على الفقراء والمساكين في الأزقة والحارات، يسلمون على الناس في الأسواق والطرقات،يدعون للمرضى بالشفاء العاجل في المراكز الصحية والمستوصفات والمستشفيات، يدعون للطلبة بالنجاح والهداية وبحسن طلب العلم أثناء مرورهم بالمدارس والمعاهد والكليات والجامعات، يدعون للموتى في المقابر بالمغفرة والرحمات، يميطون الأذى عن طريق الناس من دون أنفة ولا تحسس ولاتذمر ولا تأففات،يساعدون كبار السن والمكفوفين وذوي الاحتياجات، يرشدون التائهين ،يغيثون الملهوفين،يجيبون السائلين،بكل تواضع واحترام من غير ضجر ولا انزعاج ولا تأوهات،يطعمون القطط المشردة،والحر من العصافير والطيور وبقية المخلوقات،فكن واحدا من “المشائين المحسنين الذكًّارين” يا ابن الأكارم ، وعالج نفسك ومجتمعك بالمشي النافع المبرمج الهادف المقصود فهو ولا ريب من أبرك الخصال،ومن أجمل المظاهر وأنفع العادات،وأروع الرياضات، وأجدى الممارسات ،وأنقى الطاعات ،وأرق العبادات .
ومن شأن المشي أسوة بالجري ولست ساعات أسبوعيا،أن يقلل من خطر الإصابة بسرطان المستقيم بنسبة 40 % ، وسرطان البروستاتا بنسبة تتراوح بين 25 إلى 30 % بحسب البروفسورالالماني ( فيلهلم بلوخ) ، معللا ذلك،بأن “نشاط الخلايا الطبيعية للجسم التي تتعرف على الخلايا السرطانية وتدمرها،يزيد أثناء التمرين وبعده” بحسب المعهد العالي للرياضة الالماني .
بقي أن تعرف بأن المشائين المحسنين الذكارين هم أناس متوائمون ومتوافقون مع أنفسهم اللوامة،متصالحون ومطمئنون لأنفسهم المطمئنة ، متخاصمون ومعاندون لأنفسهم الأمارة بالسوء،وهم أصدقاء للبيئة، رفقاء بالطبيعة لا يقتلعون النافع من النباتات والأشجار،ولا يقطفون الزاهي والجميل والزاكي من الورود والأزهار،ولا يتطاولون على المضمون والمحصن داخل حرز أمين أو ملك خاص من الزروع والثمار،بل على النقيض من ذلك فهم يزرعون ويشتلون ويبذرون ولا يقطعون ليقال عنهم أينما حلوا ،وحيثما ارتحلوا :” لقد مروا من هنا،وهذا الأثر “.

(*) نقلا عن كتابي : يا آكلي الفلافل اتحدوا