أسعد صباح البديري
لو أمعنت النظر في الخريطة المرفقة لبغداد والموصل والبصرة وكركوك وبعقوبة، سترى آلاف النقاط الحمراء المتراصة التي تكاد تخفي معالم المدن تحتها.هي شواهد على أطول وأعنف حملة إرهـ.ـابية وحـ.ـرب شوارع شهدها التاريخ الحديث.
منذ سقوط النظام في عام 2003، تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وكان السـ.ـلاح الأبرز والأكثر فتكاً في هذه الحقبة هو: السيارة المفـ.ـخخة والتي أطلق عليها الإرهـ.ـابيون اسم “سـ.ـلاح الجو الخاص بنا”.
منذ صيف عام 2003 (وتحديداً تفجـ.ـير السفارة الأردنية ومقر الأمم المتحدة في بغداد)، أصبحت السيارات المفـ.ـخخة التكتيك المفضل لتنظيم القـ.ـاعدة ومن بعده تنظيم د.اعـ.ـش. ووفقاً لتقارير متقاطعة من “مشروع إحصاء الجـ.ـثث في العراق وتقارير وزارة الداخلية العراقية ووزارة الدفاع الأمريكية، فإن الأرقام جاءت مرعبة:
تشير التقديرات الموثقة إلى انفـ.ـجار ما بين 8,000 إلى 10,000 سيارة مفـ.ـخخة في عموم العراق بين عامي 2003 و2017.
حصدت هذه الانفـ.ـجارات أرواح مئات الآلاف من العراقيين بين شـ.ـهيد وجريح، حيث كانت تستهدف الأسواق الشعبية، المساجد، الكنائس، المدارس، ونقاط التفتيش، بهدف خلق حالة من الرعب وزرع الفتنة الطائفية.
لم تكن صناعة المـ.ـوت في العراق محلية بالكامل؛ بل كانت تعتمد على تدفق هائل للمقـ.ـاتلين الأجانب الذين غُسلت أدمغتهم وتم إرسالهم كـ قنـ.ـابل بشرية. الدليل الأبرز والأكثر دقة على ذلك جاء من خلال “وثائق سنجار” وهي سجلات لتنظيم القـ.ـاعدة صادرها الجـ.ـيش الأمريكي والقوات العراقية عام 2007، وتحتوي على بيانات دقيقة لـ 700 انتـ.ـحاري أجنبي دخلوا العراق عبر الحدود الغربية. بالإضافة إلى دراسات “مركز مكافحة الإرهـ.ـاب في ويست بوينت” (CTC).
بناءً على السجلات الاستخباراتية الدقيقة، توزع الانتـ.ـحاريون (في حقبة القـ.ـاعدة وما بعدها) كالتالي:
1. المملكة العربية السعودية: تصدرت القائمة في السنوات الأولى (2003-2008). شكل السعوديون حوالي 41% من إجمالي الانتـ.ـحاريين والمقـ.ـاتلين الأجانب المسجلين في قوائم التنظيم (أكثر من 280 انتـ.ـحارياً موثقاً بالاسم في وثائق سنجار وحدها، بخلاف مئات آخرين غير مسجلين).
2. ليبيا: في المرتبة الثانية، وشكل الليبيون حوالي 18.8% (أغلبهم قدموا من مدينة درنة التي كانت معقلاً للتطرف).
3. سوريا: شكلوا 8.2%، وكانت الأراضي السورية (قبل 2011) هي الممر اللوجستي الرئيسي وخط الترانزيت لدخول هؤلاء إلى العراق.
4. اليمن: ساهمت بنسبة 8.1% من الانتـ.ـحاريين.
5. دول الشمال الأفريقي (الجزائر والمغرب وتونس): ساهمت الجزائر بـ 7.2%، والمغرب بـ 6.1%.
تطور الجنسيات في حقبة “د.اعـ.ـش” (2014-2017): مع ظهور تنظيم د.اعـ.ـش، اختلفت النسب بشكل كبير، حيث تدفق آلاف الانتـ.ـحاريين من تونس (التي تصدرت قوائم الانتـ.ـحاريين في تلك الفترة)، تلتها دول آسيا الوسطى (الشيشان، طاجيكستان)، ثم الانتـ.ـحاريون القادمون من أوروبا (فرنسا، بلجيكا، بريطانيا) الذين استخدمهم التنظيم بكثافة في تفجـ.ـير السيارات المدرعة في الموصل والأنبار.
تطور التكتيك.. من مفخـ.ـخات الأسواق إلى المدرعات الانتـ.ـحارية
مرت السيارات المفـ.ـخخة بمرحلتين:
المرحلة الأولى (2003-2013): سيارات مدنية عادية تُفخـ.ـخ بـ (C4) ونترات الأمونيوم، وتُترك في الأسواق أو يقودها انتـ.ـحاري لضـ.ـرب التجمعات المدنية (كما هو واضح في الكثافة المرعبة للنقاط الحمراء في خريطة بغداد). كانت تُصنع في “حواضن” ومزارع محيطة بالعاصمة فيما عُرف بـ “حزام بغداد”.
المرحلة الثانية (2014-2017): مع سيطرة د.اعـ.ـش على ثلث العراق، تحولت المفخـ.ـخات إلى صناعة عسـ.ـكرية بحتة. بدأ التنظيم بتصفيح السيارات (الجرافات، شاحنات النقل، سيارات الدفع الرباعي) بالحديد الصلب لتتحمل رصـ.ـاص الدوشكا وقذائف الـ (RPG)، لتنفـ.ـجر وسط خطوط الصد العسـ.ـكرية محدثة دمـ.ـاراً يوازي قنـ.ـابل الطائرات.
كانت بغداد تنزف يومياً، وكان التفكير التقليدي هو زيادة حواجز التفتيش (السيطرات) ونشر أجهزة كشف المتفـ.ـجرات. لكن هذا لم يوقف تدفق السيارات. الحل لم يكن في الدفاع، بل في الهجـ.ـوم واستئصال المصدر.
هنا برز دور جهاز مكافحة الإرهـ.ـاب العراقي (CTS)، وقوته الضاربة التي عرفها العراقيون باسم “الفرقة الذهبية”.
لقد أدركت قيادة الفرقة الذهبية أن السيارات المفـ.ـخخة التي تضـ.ـرب مدينة الصدر والكرادة والكاظمية لا تُصنع في بغداد، بل تأتي من معامل ضخمة في أطراف الأنبار وصلاح الدين والفلوجة وجرف الصخر. لكي تنقذ بغداد، كان يجب تدمـ.ـير “عش الدبابير”.
دور الفرقة الذهبية في إنهاء المفخـ.ـخات تمثل في الآتي:
تحرير الفلوجة (رأس الأفعى ومعمل التفخـ.ـيخ الأكبر): كانت الفلوجة ومحيطها تُعتبر المورد الرئيسي والورشة الكبرى لتجهيز السيارات المفـ.ـخخة وإرسالها إلى بغداد. عندما اقتحمت الفرقة الذهبية أسوار الفلوجة وحررتها في منتصف 2016، وجهت ضـ.ـربة قاصمة للبنية التحتية للإرهـ.ـاب. تدمـ.ـير المعامل هناك أدى إلى انخفاض فوري وحاد في تفجـ.ـيرات بغداد.
حـ.ـرب المدن وتدمـ.ـير المدرعات الانتـ.ـحارية (الموصل والرمادي): واجه مقـ.ـاتلو الفرقة الذهبية أشرس أنواع القتـ.ـال الحضري في التاريخ الحديث. في الموصل، دفع تنظيم د.اعـ.ـش بأكثر من 1000 سيارة مفـ.ـخخة مدرعة باتجاه أرتال الفرقة الذهبية. بفضل الشجاعة الاستثنائية، واستخدام صـ.ـواريخ (الكورنيت) المضادة للدروع، والضـ.ـربات الاستباقية، تمكن أبطال مكافحة الإرهـ.ـاب من تدمـ.ـير هذه السيارات قبل وصولها، متصدين لأكبر هجـ.ـوم انتـ.ـحاري منظم في تاريخ الحـ.ـروب.
لم تكتفِ الفرقة الذهبية بالقتـ.ـال الميداني، بل نفذت المئات من عمليات الإنزال الجوي والضـ.ـربات الليلية الدقيقة التي استهدفت المخططين، والممولين، وصانعي المتفـ.ـجرات (المهندسين)، وقطعت طرق الإمداد الصحراوية التي كان يسلكها الانتـ.ـحاريون الأجانب.
بالتعاون مع القوات المشتركة، تم دفع خطوط القتـ.ـال إلى الحدود العراقية السورية، مما منع تدفق الانتـ.ـحاريين المستوردين من الخارج، وجفف المنبع البشري للإرهـ.ـاب.
إذا عدنا إلى خريطة عام 2003 التي تغطيها النقاط الحمراء، ونظرنا إلى خريطة العراق اليوم، سنجد فارقاً لا يُقاس. بغداد اليوم تعيش لياليها بأمان، وأزيلت الكتل الكونكريتية التي خنقت شوارعها لسنوات.
هذا الأمان لم يأتِ صدفة، بل كُتب بـ دمـ.ـاء الآلاف من المدنيين الأبرياء، وبشجاعة وتضحيات القوات الأمنية العراقية بكل صنوفها، وفي طليعتهم مقـ.ـاتلو “الفرقة الذهبية” الذين واجهوا المـ.ـوت وجهاً لوجه، واقتحموا مصانع التفخـ.ـيخ والمـ.ـوت، ليضمنوا أن لا تنفـ.ـجر سيارة أخرى في سوق أو مدرسة. لقد أنهوا عصر “السيارات المفـ.ـخخة”، وطووا أدمى صفحة في تاريخ العراق الحديث.
فبحسب تصريح رسمي استناداً إلى تقديرات حكومية، بلغ عدد ضحـ.ـايا الإر.هـ.ـاب في العراق (بين قـ.ـتيل وجـ.ـريح) منذ عام 2003 وحتى انتهاء العـ.ـمليات العسـ.ـكرية الكبرى ضد تنظيم د.اعـ.ـش أكثر من 500,000 ضحـ.ـية، شملت كافة أطياف ومكونات الشعب العراقي من مدنيين وقوات أمنية بمختلف صنوفها.
ولكن، هذه الحقبة المظلمة وهذا الغـ.ـول المتوحش لم يكن لينتهي وتُطوى صفحته لولا التضحيات الجسام والبطولات الأسطورية لأسود الفرقة الذهبية. لقد كانوا رأس الحربة في كسر شوكة الظلام، مسطرين ملاحم فدائية أنهت هذا الكابوس وأعادت الحياة إلى المدن.
وما يبعث على الفخر الأكبر اليوم، هو أن كبرى دول العالم وأعرق المدارس العسـ.ـكرية باتت تدرس تجربة وتكتيكات الفرقة الذهبية، التي تُصنّف اليوم وبجدارة كالقوة الأولى عالمياً في حـ.ـرب الشوارع والمدن وتطهيرها من زمر الإر.هـ.ـاب. لقد أثبت هؤلاء الأبطال للعالم أجمع كيف تُدار أصعب المعـ.ـارك وأعقدها في الأزقة الضيقة لإنقاذ المدنيين، ليصبحوا أيقونة عالمية تُحتذى في الشجاعة والاحتراف العسـ.ـكري العالي.