رياض سعد
أهرب من الازدحام لأختلي بنفسي، فأدخل مدينةً لا تعرف الفراغ. شوارعها مزدحمة بالوجوه التي اضطررت إلى ارتدائها، وساحاتها تعجُّ بالأصوات التي خنقتها، وأزقتها تقود إلى الطرق التي متُّ فيها ولم يمت شيءٌ منها.
كلُّ بابٍ أفتحه يفضي إلى بابٍ آخر، وكلُّ نافذةٍ لا تُطلُّ إلا على نافذةٍ تشبهها، حتى يغدو الخروج احتمالًا لا تعترف به هذه المدينة.
أبحث عن ركنٍ أصمت فيه، فإذا بالصمت نفسه يرفع صوته. الذكريات تتدافع كالمارة، والاحتمالات التي لم أعشها تتجول كالأشباح، والخيبات تعرف عناويني أكثر مما أعرفها.
عندئذٍ أفهم أن الإنسان لا يهرب من ضجيج العالم، بل يعود إلى المدينة التي يحملها في داخله… المدينة التي لا يغادرها أحد، حتى صاحبها.
