هل توافقون على محاسبة الفاسدين… أم تتسترون عليهم؟
بقلم: عكيد آغا
في الآونة الأخيرة، امتلأت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بأصواتٍ تروّج لفكرةٍ غريبة، مفادها أن إلقاء القبض على كبار المتهمين بالفساد قد يؤدي إلى انهيار العملية السياسية في العراق. وهي مقولة أجدها مثيرة للاستغراب، بل تدعو إلى الضحك أكثر مما تدعو إلى التصديق.
فهل أصبحت الدولة مرهونة ببقاء الفاسدين؟ وهل صار مستقبل العراق متوقفًا على أشخاص، مهما علت مناصبهم، حتى يُقال إن محاسبتهم تعني نهاية النظام السياسي؟
لو عدنا إلى التاريخ القريب، لوجدنا أن العراق مرّ بتحولات سياسية كبرى، وسقطت فيه أنظمة وحكومات، وقُتل ملوك ورؤساء وقادة في انقلابات وأحداث دامية. انتهى العهد الملكي بقيام الجمهورية، ثم شهد العراق تغيرات متلاحقة في قمة هرم الدولة، وتعاقب على حكمه رؤساء وقادة انتهت عهودهم بطرق مختلفة، لكن العراق بقي دولة، واستمرت مؤسساته، وتعاقبت عليه الحكومات جيلاً بعد جيل.
ولست أستحضر هذه المحطات للتقليل من شأن أحد أو للحكم على نزاهة أو فساد أي من أولئك الحكام، فلكل مرحلة ظروفها وتقييمها التاريخي، وإنما لأؤكد حقيقة واضحة: إن الدول لا تنتهي برحيل الأشخاص، مهما كانت مواقعهم، وإنما تضعف عندما تصبح رهينة للأفراد بدل المؤسسات.
إن الدولة الحقيقية لا تُبنى بسواعد الفاسدين، بل بإخلاص الكادحين، ونزاهة الموظفين الشرفاء، وعقول المثقفين، وجهود الأكاديميين، وضمائر القضاة، وكل مواطن يؤمن بأن خدمة الوطن شرف وليست وسيلة للإثراء.
أما محاولة إقناع الناس بأن محاسبة الفاسدين ستؤدي إلى انهيار العملية السياسية، فهي رسالة لا تخدم إلا من يخشى العدالة، وكأن العراق قد خلا من الرجال والنساء القادرين على إدارة الدولة، وكأن ملايين العراقيين من أصحاب الكفاءة لا وجود لهم، وأن البلاد لا تقوم إلا على من أفسدوا مؤسساتها واستنزفوا ثرواتها.
ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه الروايات الشكوك، لأنها كثيرًا ما تصدر من أبواق إعلامية أو جهات مستفيدة من بقاء منظومة الفساد، فتسعى إلى تخويف الرأي العام بشعار: “إذا سقط الكبار… سقطت الدولة.”
وهنا يكمن الخلط الكبير؛ فالدولة ليست أشخاصًا، والدستور ليس أسماءً، والوطن أكبر من جميع المسؤولين. ومن يربط بقاء الدولة ببقاء الفاسدين، فإنه يسيء إلى العراق قبل أن يسيء إلى شعبه.
إن محاسبة الفاسدين ليست تهديدًا للعملية السياسية، بل هي الطريق الوحيد لإنقاذها واستعادة ثقة المواطن بها. فالعدالة لا تهدم الدول، وإنما تحميها، بينما الإفلات من العقاب هو الذي يهدم هيبة الدولة ويزرع اليأس في نفوس الناس.
ولو قال الشعب العراقي كلمته يومًا، وأصر على قيام دولة القانون والمؤسسات، فلن يستطيع أي فاسد، مهما كان نفوذه، أن يقف في وجه إرادة شعب يريد وطنًا يحكمه القانون لا المصالح.
ويبقى السؤال الذي أطرحه لكل من يردد تلك المقولة:
هل أنتم مع بناء دولةٍ قوية تقوم على القانون والعدالة، أم مع التستر على الفاسدين بحجة الحفاظ على العملية السياسية؟
إن التاريخ أثبت أن الدول تبقى بشعوبها، وبمؤسساتها، وبالعدل، لا بالفاسدين… أما الأوطان، فهي أكبر من جميع الأشخاص.