هل السيدعلي الزيدي جاد في انهاء الفساد في العراق..؟

هل السيد علي الزيدي جادٌّ في إنهاء الفساد في العراق؟

بقلم: عكيد آغا
منذ الإعلان عن حملة ملاحقة عدد من المتهمين بقضايا الفساد، عاد الأمل إلى جزء من الشارع العراقي بإمكانية فتح صفحة جديدة في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي عصفت بالدولة العراقية منذ عام 2003. لكن في المقابل، عاد السؤال نفسه الذي يتكرر مع كل حكومة وكل مسؤول يرفع شعار مكافحة الفساد:
هل نحن أمام مشروع حقيقي لاجتثاث الفساد، أم أمام حملة انتقائية تنتهي عند الموظفين الصغار وبعض المنافسين السياسيين؟
لقد أثبتت التجارب السابقة أن العراقيين لم يعودوا يقيسون نجاح الحكومات بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بعدد أوامر القبض، بل بما يصل إليه القانون من أسماء كبيرة كانت تُعدّ حتى الأمس القريب فوق المساءلة.
فإذا كانت حملة مكافحة الفساد جادة بالفعل، فإن معيار نجاحها لن يكون عدد المعتقلين، وإنما حجم الأموال المستردة، وهوية الشخصيات التي ستُقدَّم إلى القضاء مهما كان نفوذها أو موقعها السياسي أو الحزبي.
العراقيون جميعاً يدركون أن الفساد في البلاد لم يكن يوماً من صنع موظفين صغار فقط، بل هو منظومة معقدة تشابكت فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية على مدى سنوات طويلة، حتى أصبحت ملفات بمليارات الدولارات تتداولها وسائل الإعلام والرأي العام دون أن تصل إلى نهايات قضائية حاسمة.
ولعل قضية “سرقة القرن” كانت المثال الأبرز على ذلك، بعدما كُشف عن اختفاء مبالغ مالية ضخمة من أموال الأمانات الضريبية، في واحدة من أكبر قضايا الفساد بتاريخ العراق. وقد أثارت تلك القضية موجة غضب واسعة، ليس بسبب حجم الأموال فقط، وإنما بسبب التساؤلات التي بقيت معلقة حول المسؤولين الحقيقيين عنها، وكيف تمكنت شبكة بهذا الحجم من العمل دون حماية أو غطاء من جهات نافذة.
ومن هنا، فإن الشارع العراقي لا يريد أن يرى تكراراً لمشهد يبدأ بضجيج إعلامي كبير ثم ينتهي بصمت سياسي أكبر.
إن المواطنين لا يبحثون عن “ضحايا” لإرضاء الرأي العام، وإنما ينتظرون أن تمتد يد العدالة إلى كل من تورط في نهب المال العام، بصرف النظر عن انتمائه أو منصبه أو علاقاته.
فإذا اقتصرت الإجراءات على شخصيات محدودة، بينما بقيت الرؤوس الكبرى بمنأى عن المساءلة، فإن الانطباع السائد سيكون أن الحملة لم تكن سوى رسالة سياسية أو محاولة لامتصاص غضب الشارع، لا مشروعاً وطنياً لإصلاح الدولة.
لقد تعب العراقيون من الوعود، وأصبحوا يحاكمون المسؤولين بالنتائج لا بالشعارات.
واليوم، يقف السيد علي الزيدي أمام اختبار تاريخي قد يحدد مكانته في ذاكرة العراقيين. فإما أن يثبت أن القانون قادر على الوصول إلى الجميع دون استثناء، وإما أن تتحول هذه الحملة إلى حلقة جديدة في مسلسل طويل من الوعود التي انتهت بخيبة أمل.
إن استعادة ثقة الشعب لا تتحقق عبر البيانات، بل عبر قرارات شجاعة، وأحكام قضائية عادلة، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان اسمه أو نفوذه.
فالعراق لا يحتاج إلى معارك إعلامية بقدر حاجته إلى عدالة حقيقية.
والتاريخ لا يخلّد من يفتح الملفات فحسب، بل يخلّد من يُغلقها بالحق والعدل، ويعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، وللقانون مكانته.