إيهاب مقبل
بحسب التصريحات الرسمية والتقارير الإعلامية الأخيرة، غادر رجل الأعمال العراقي حسن الكردي وشقيقه محمد الكردي إلى فرنسا، فيما تلاحقهما السلطات العراقية على خلفية اتهامات مرتبطة بملف عقود المصافي وتهريب أموال تُقدَّر بنحو نصف مليار دولار. وفي مثل هذه القضايا العابرة للحدود، فإن التجارب الدولية تؤكد أن الطريق الأكثر فاعلية لا يتمثل في جعل تسليم المتهمين الهدف الأول، بل في التركيز على استرداد الأموال والأصول المرتبطة بالقضية قبل أي مسار آخر، لأن الأموال يمكن تجميدها وملاحقتها قانونياً بصورة أسرع وأكثر واقعية من الدخول في إجراءات تسليم قد تمتد لسنوات طويلة.
وتُعد هذه الحالة، بحسب المعطيات المتداولة، أول واقعة هروب باتجاه دولة أوروبية منذ انطلاق الحملة الأخيرة لمكافحة الفساد في العراق، وهو ما يضفي على الملف بعداً إضافياً من حيث طبيعة التعامل القانوني الدولي المتوقع، ويعزز من أهمية التركيز السريع على مسار استرداد الأصول وتجميدها داخل الولاية القضائية الأوروبية قبل انتقالها أو إعادة هيكلتها عبر شبكات مالية معقدة.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن حسن الكردي، الذي يوصف بأنه مقرب من شخصية سياسية في محافظة صلاح الدين، غادر العراق باتجاه تركيا عبر منفذ إبراهيم الخليل، بعد وقت قصير من تنفيذ أمر القبض بحق وكيل وزير النفط عدنان الجميلي. وتشير تلك المعلومات إلى أن الكردي كان مسؤولاً عن إدارة ملف العمولات في عقود المصافي، كما أنه عمل ممثلاً لاقتصاديات أحد الأحزاب السياسية، وفي الوقت نفسه كان شريكاً لعدنان الجميلي في عدد من الملفات الاقتصادية، فضلاً عن امتلاكه ارتباطات مع ما يُعرف باقتصاديات أحزاب نافذة في السلطة.
ومن الناحية العملية، فإن الحديث عن تهريب نصف مليار دولار لا يعني بالضرورة نقل هذا المبلغ نقداً من العراق إلى الخارج. فلو افترضنا وجود المبلغ بالكامل على هيئة أوراق نقدية من فئة المئة دولار، فإن ذلك يعني خمسة ملايين ورقة نقدية، تزن ما يعادل نحو خمسة آلاف كيلوغرام، أي ما يقارب خمسة أطنان كاملة، فضلاً عن الحجم الهائل الذي يجعل نقله عبر المطارات أو الحدود أمراً شبه مستحيل. لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تحويل الأموال عبر قنوات مصرفية متدرجة، أو إعادة تدويرها عبر شركات وواجهات استثمارية، أو تحويلها إلى عقارات وأسهم وأصول مالية موزعة في أكثر من دولة.
ولهذا السبب تحديداً، يصبح التركيز على مفهوم “الأصول” أكثر أهمية من التركيز على الأموال النقدية. فالأصل قد يكون حساباً مصرفياً، أو شركة، أو عقاراً، أو فندقاً، أو محفظة استثمارية، أو حصصاً في مشاريع تجارية، أو ممتلكات مسجلة بأسماء شركاء أو أطراف وسيطة. وفي قضايا الفساد الكبرى، لا تبقى الأموال على شكلها النقدي، بل تتحول بسرعة إلى شبكة أصول معقدة يصعب تفكيكها إذا لم يتم التحرك المبكر لتحديدها وتجميدها.
وتشير الخبرات الدولية إلى أن الاستراتيجية الأكثر نجاحاً تقوم على أربعة محاور مترابطة: تحديد دقيق للأصول، طلب تجميدها فوراً، بناء ملف مالي متكامل يربطها بالجريمة الأصلية، ثم التقدم نحو التسويات أو المصادرات القضائية قبل الدخول في مسار تسليم المتهمين. فجوهر مكافحة الفساد لا يتمثل في ملاحقة الأفراد فقط، بل في استعادة المال العام ومنع استمرار استفادة أي طرف منه خارج الدولة.
إن تحديد الأصول بدقة يمثل حجر الأساس في أي عملية استرداد دولية. فلا يكفي الحديث عن تقديرات مالية عامة، بل يجب حصر الحسابات البنكية، والعقارات، والشركات، والاستثمارات، وكل ما يمكن ربطه بالمطلوبين أو بشبكاتهم. فالقضاء الأوروبي لا يتعامل مع الاتهامات العامة، بل مع أدلة موثقة تحدد الأصل وموقعه وقيمته ومسار ملكيته.
وبعد التحديد، يأتي طلب التجميد كخطوة حاسمة. فالتجميد لا يعني المصادرة النهائية، لكنه يمنع التصرف بالأموال أو بيع الأصول أو نقلها أثناء التحقيقات. وتكمن أهميته في إبقاء الأموال داخل نطاق السيطرة القضائية، لأن خروجها إلى طبقات مالية أكثر تعقيداً يجعل استعادتها لاحقاً أكثر صعوبة بكثير.
لكن التجميد وحده لا يكفي دون ملف مالي متكامل يربط الأصول بالجريمة الأصلية. وهذا يتطلب تتبع مسارات التحويل، والعقود، والسجلات المصرفية، والاتصالات التجارية، وكل الأدلة التي تثبت كيفية انتقال الأموال من المال العام إلى تلك الأصول. فكلما كانت سلسلة الإثبات المالي واضحة ومترابطة، ارتفعت فرص المصادرة والاسترداد أمام المحاكم الأجنبية.
وفي مرحلة لاحقة، قد يكون اللجوء إلى التسويات القانونية أو المصادرات الجزئية أكثر فاعلية من انتظار حسم ملف تسليم المتهمين. فبعض الأنظمة القضائية تسمح بإعادة الأموال أو تسوية وضع الأصول ضمن ترتيبات قانونية، وهو ما يختصر سنوات طويلة من التقاضي ويحقق الهدف الأساسي: استعادة المال العام.
وتؤكد السوابق الدولية أهمية هذا النهج. ففي حالة ساني أباتشا، احتاجت نيجيريا أكثر من عقدين لاستعادة مليارات الدولارات التي أُخفيت خارج البلاد، وكان ذلك نتيجة عمل طويل قائم على تتبع الأصول وتجميدها وليس على وجود الشخص نفسه. وفي تونس، واجهت الدولة بعد سقوط زين العابدين بن علي مساراً قضائياً معقداً لاسترداد أموالها وأصولها في الخارج، ما أكد أن استرداد الثروات المنهوبة عملية مستقلة بحد ذاتها. أما في أوكرانيا، فما تزال بعض الأصول المرتبطة بـ فيكتور يانوكوفيتش محل نزاعات قانونية حتى اليوم، نتيجة تشعب الشبكات المالية واستخدام هياكل استثمارية معقدة.
وتوضح هذه النماذج أن ربط استرداد الأموال بتسليم المتهمين قد يطيل أمد القضية، بينما يتيح الفصل بين المسارين تحقيق نتائج أسرع وأكثر واقعية. لذلك، فإن النهج الأكثر فاعلية يقوم على جعل استرداد الأموال الهدف الأول عبر تحديد الأصول وتجميدها وبناء ملف قانوني متكامل، مع إبقاء مسار تسليم المتهمين مساراً موازياً لا شرطاً مسبقاً لاستعادة المال العام.
انتهى