زلزال القوة الإيرانية

زلزال القوة الإيرانية

صفاء فايع

​لم تكن حشود المشيعين المليونية التي غصّت بها شوارع طهران في جنازة السيد علي خامنئي مجرد طقس جنائزي مهيب، بل كانت بمثابة إعلان سياسي واستراتيجي مدوٍّ صاغ قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، وأثبت أن “الجمهورية الإسلامية” قادرة على تحويل اللحظات الحرجة إلى منصة لعرض التماسك وفائض القوة.

​جاء الحشد المليوني التاريخي ليوجه رسالة ردع حاسمة إلى القوى الخارجية التي راهنت طويلاً على تفكك النظام الإيراني من الداخل أو انهياره بغياب القيادة التاريخية. لقد أثبت المشهد أن المجتمع الإيراني_رغم أي تباينات اقتصادية أو سياسية داخلية_ ينصهر في تلاحم وطني صلب بمجرد استشعار الخطر الخارجي. هذه الكتلة البشرية لم تكن استعراضاً معنوياً فحسب، بل كانت غطاءً شرعياً وسياسياً قوياً تفتتح به القيادة الجديدة بقيادة مجتبى خامنئي عهدها، لتقطع الطريق على أي محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي.

​في خطوة بروتوكولية بالغة الذكاء والدقة، حوّلت طهران منبر التلاوات القرآنية أمام الجثمان إلى منصة لتقييم المواقف الدولية وتوزيع الرسائل السياسية المشفرة. فتخصيص آيات مخصصة لكل وفد زائر عكس قراءة إيران العميقة للتموضعات الإقليمية؛ حيث حملت الآيات الموجهة للوفود الخليجية عتاباً سياسياً مبطناً حيال الاصطفافات مع الجانب الأمريكي، في حين تُرجمت الآيات المقرؤة أمام وفود “محور المقاومة” كحركة تثبيت وتكريم لحلفاء العقيدة والسلاح، مؤكدة أن الإرث الاستراتيجي للراحل لن يحيد عن مساره.

لم تتوقف معالم هذا التحول عند حدود العاصمة الإيرانية، بل تُرجمت سريعاً على أرض الميدان عبر خطوة استراتيجية جريئة تمثلت في هبوط طائرة إيرانية مباشرة في مطار صنعاء الدولي. هذا التطور لم يكن مجرد رحلة جوية عابرة، بل كان كسراً علنياً للحصار الجوي المفروض منذ سنوات، وفرضاً لواقع سياسي وسيادي جديد يعكس انتصاراً لافتاً لصنعاء، ويؤكد نشوء معادلات لوجستية وعسكرية جديدة استعصت على الإملاءات الدولية.

​إن محصلة الأحداث الأخيرة_بدءاً من الصمود في وجه جولات الصراع العنيفة، مروراً بطلب التهدئة والهدنة، وصولاً إلى فرض السيادة الجوية في الإقليم_تُصنف في العلوم العسكرية والسياسية كـ “انتصار استراتيجي كبير” لإيران وحلفائها. لقد خرج المحور من أعتى أزمنة المواجهة دون انكسار في بنيته الهيكلية، بل نجح في تحويل الجنازة من مناسبة للحزن إلى “مشهد إثبات حضور” يؤكد لجميع الخصوم والشركاء أن قواعد اللعبة في الشرق المتوسط والجزيرة العربية قد صِيغت من جديد، وبأقلام أصحاب الأرض.

#اتحاد_كاتبات_اليمن