إيهاب مقبل
لم تكن ظاهرة الكلاب السائبة دائمًا بالشكل الذي نعرفه اليوم. ففي الماضي، كانت الكلاب جزءًا من الحياة اليومية في كثير من المجتمعات؛ تستخدم للصيد والحراسة والعمل في المزارع، وكانت بعض الكلاب تتحرك بحرية أكبر حول القرى والمدن. ومع توسع المدن وتغير العلاقة بين الإنسان والحيوان، ظهرت مشكلة الكلاب التي تفقد أصحابها أو يتم التخلي عنها، لتتحول بعض هذه الحيوانات إلى مجموعات تعيش في الشوارع.
وقد أدركت بعض الدول مبكرًا أن الكلاب السائبة لا تظهر من تلقاء نفسها، بل تبدأ غالبًا من كلاب كانت مملوكة لأشخاص ثم تم التخلي عنها أو فقدت أصحابها. ومع غياب الرقابة، يمكن لهذه الكلاب أن تتكاثر وتكوّن مجموعات مستقلة، وهو ما ارتبط تاريخيًا بمشكلات صحية وأمنية، خصوصًا مع انتشار داء الكلب (السعار).
وكانت بريطانيا من أوائل الدول التي أدخلت مفهوم المسؤولية القانونية عن ملكية الكلاب. ففي عام 1878 أطلقت نظام ترخيص للكلاب، وكان الهدف منه تنظيم أعداد الكلاب، ومعرفة أصحابها، والسيطرة على مخاطر الأمراض. ولم يكن هذا النظام قائمًا فقط على حماية الحيوان بالمعنى الحديث، بل كان مرتبطًا أيضًا بالصحة العامة ومنع انتشار السعار.
داء السعار: المرض الذي غيّر طريقة تعامل الدول مع الكلاب
كان داء السعار (Rabies) أحد أهم الأسباب التي دفعت كثيرًا من الدول إلى تنظيم ملكية الكلاب ووضع أنظمة للترخيص والتسجيل. ويُعد هذا المرض من أكثر الأمراض الفيروسية فتكًا في العالم، إذ تبلغ نسبة الوفاة بعد ظهور الأعراض السريرية نحو 100% تقريبًا، لكن في المقابل يمكن الوقاية منه بشكل شبه كامل عبر تطعيم الحيوانات، وتلقي العلاج الوقائي للإنسان بعد التعرض للعضّ.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن داء السعار يتسبب في وفاة نحو 59 ألف شخص سنويًا حول العالم، مع وجود المرض في أكثر من 150 دولة وإقليمًا. وتشير المنظمة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بسبب نقص الإبلاغ والتشخيص في بعض المناطق، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إلى العلاج.
الكلاب المصدر الرئيسي لانتقال السعار إلى الإنسان
رغم أن فيروس السعار يمكن أن يصيب العديد من الثدييات، فإن الكلاب تبقى المصدر الأكبر لانتقال المرض إلى البشر. وتشير الإحصائيات العالمية إلى أن نحو 99% من حالات السعار البشرية تنتقل عبر عضّات أو خدوش كلاب مصابة.
وتتركز الغالبية العظمى من الوفيات البشرية في قارتي آسيا وأفريقيا، حيث تحدث أكثر من 95% من الحالات المميتة عالميًا. كما يشكل الأطفال دون سن الخامسة عشرة نسبة كبيرة من الضحايا، إذ يمثلون نحو 40% من الوفيات، بسبب تعرضهم المتكرر للعضّ وصعوبة تعاملهم مع الحيوانات المصابة.
ولهذا ترتبط ظاهرة الكلاب السائبة في بعض الدول بمخاطر السعار، خصوصًا عندما تكون أعداد الكلاب غير الملقحة مرتفعة، أو عندما تكون أنظمة التسجيل والتطعيم والسيطرة على التكاثر غير كافية. ومع ذلك، فإن وجود كلاب سائبة لا يعني بالضرورة أن جميعها مصابة بالسعار، بل إن الخطر يرتفع عندما تغيب برامج التطعيم والمراقبة.
التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لداء السعار
لا يقتصر تأثير السعار على الوفيات البشرية فقط، بل يفرض أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة على الدول. وتشمل هذه الأعباء تكاليف اللقاحات والعلاج الوقائي بعد التعرض للعضّ، إضافة إلى الخسائر الناتجة عن فقدان الإنتاجية بسبب المرض والوفيات، فضلًا عن تكاليف برامج السيطرة على الحيوانات ومكافحة انتشار الفيروس.
وتقدر منظمة الصحة العالمية التكلفة العالمية لداء السعار بنحو 8.6 مليارات دولار سنويًا عند احتساب الرعاية الصحية والخسائر الاقتصادية والآثار الاجتماعية. ولذلك فإن مكافحة المرض لا تُعد قضية صحية فقط، بل قضية مرتبطة أيضًا بإدارة الحيوانات والمسؤولية المجتمعية.
كيف نجحت الدول في خفض السعار المرتبط بالكلاب؟
توضح تجارب الدول التي نجحت في السيطرة على السعار المرتبط بالكلاب، مثل السويد وبريطانيا وألمانيا وكندا وأستراليا، أن القضاء على المرض لم يعتمد على التخلص من الكلاب السائبة فقط، بل على بناء نظام متكامل لإدارة ملكية الكلاب.
فقد اعتمدت هذه الدول على تسجيل الكلاب وربطها بأصحابها، وفرض تطعيمات منتظمة، ومنع التخلي عن الحيوانات، والسيطرة على التكاثر، وتوفير خدمات بيطرية وملاجئ للتعامل مع الكلاب المفقودة أو المهجورة.
وبفضل هذه الإجراءات أصبحت دورة انتقال السعار من الكلاب إلى الإنسان شبه متوقفة في كثير من الدول المتقدمة، بينما ما زال المرض يشكل تحديًا في المناطق التي تفتقر إلى أنظمة فعالة لتسجيل الحيوانات وتطعيمها والسيطرة على أعداد الكلاب غير المملوكة.
خمسة عوامل أنهت ظاهرة الكلاب السائبة في دول كثيرة
لم تختفِ الكلاب السائبة في بعض الدول بسبب إجراء واحد، بل نتيجة مجموعة من العوامل التي تطورت عبر عقود.
أول هذه العوامل هو ربط الكلب بمالك معروف من خلال الترخيص أو التسجيل أو وسائل التعريف الحديثة، بحيث لا يصبح الحيوان مجهول المصدر إذا ضاع أو تم التخلي عنه.
العامل الثاني هو تحميل المالك المسؤولية القانونية، فأصبح ترك الكلب في الشارع أو إهماله تصرفًا له تبعات، وليس أمرًا يمكن القيام به دون محاسبة.
أما العامل الثالث فهو السيطرة على التكاثر غير المنظم من خلال التعقيم وتنظيم تربية الكلاب وتقليل أعداد الحيوانات التي لا تجد رعاية.
ويتمثل العامل الرابع في وجود ملاجئ وجمعيات إنقاذ وخدمات بيطرية للتعامل مع الكلاب الضائعة أو المهجورة ومنع بقائها في الشوارع لفترات طويلة.
أما العامل الخامس فهو تغير الثقافة الاجتماعية تجاه الكلب، إذ أصبح في كثير من المجتمعات حيوانًا أليفًا له احتياجات ومسؤولية، وليس حيوانًا يمكن التخلي عنه عند عدم الحاجة إليه.
دول تكاد تخلو من الكلاب السائبة
تُعد دول شمال وغرب أوروبا من أكثر المناطق نجاحًا في الحد من ظاهرة كلاب الشوارع. ففي السويد والنرويج وفنلندا والدنمارك أصبحت رؤية كلاب تعيش في الشوارع أمرًا نادرًا جدًا، كما هو الحال في ألمانيا وهولندا وسويسرا وبريطانيا.
وفي السويد، دخل نظام وسم وتسجيل الكلاب حيز التنفيذ عام 2001، فأصبح لكل كلب تعريف ومالك مسجل. وساعد ذلك على تقليل حالات التخلي، وسهّل إعادة الكلاب الضائعة إلى أصحابها، لكنه جاء ضمن مسار طويل من القوانين والثقافة الاجتماعية التي جعلت امتلاك الكلب مسؤولية واضحة.
كما أن كندا وأستراليا لا تعانيان عادة من ظاهرة كلاب الشوارع في المدن. فالكلاب التي تُعثر عليها تكون غالبًا ضائعة أو مهجورة ويتم التعامل معها عبر الملاجئ أو الجهات المختصة.
أوروبا: اختلاف كبير بين الشمال والجنوب والشرق
في جنوب أوروبا يختلف الوضع عن شمالها. ففي اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال توجد كلاب سائبة في بعض المناطق، خصوصًا الريفية أو السياحية، لكنها ليست منتشرة بنفس مستوى بعض مناطق شرق أوروبا.
أما رومانيا وبلغاريا وبعض دول شرق أوروبا، فقد كانت فيها ظاهرة الكلاب السائبة أكثر وضوحًا بسبب عوامل تاريخية واقتصادية، منها ضعف أنظمة التسجيل سابقًا، وكثرة التخلي عن الحيوانات، وعدم كفاية برامج التعقيم والملاجئ في بعض الفترات.
الولايات المتحدة: مشكلة مختلفة
في الولايات المتحدة لا توجد عادة ظاهرة واسعة لكلاب الشوارع في المدن الكبرى، لكن توجد مشكلات محلية في بعض المناطق الريفية وبعض الولايات، حيث توجد كلاب متروكة أو تدخل الملاجئ بأعداد كبيرة.
وتختلف الحالة الأمريكية عن بعض الدول الأخرى، لأن أغلب المشكلة مرتبطة بالتخلي أو الإهمال، وليس بوجود مجموعات كبيرة من الكلاب التي عاشت أجيالًا في الشوارع.
روسيا الاتحادية: بين المدن المنظمة والمناطق الأقل رقابة
عرفت روسيا الاتحادية وجود الكلاب السائبة في بعض المدن، خصوصًا موسكو، حيث اشتهرت مجموعات من الكلاب التي تكيفت مع الحياة الحضرية وعاشت قرب الأسواق ومحطات النقل والأحياء السكنية.
وفي السنوات الأخيرة تحسن الوضع في بعض المدن بسبب برامج التعقيم وإنشاء الملاجئ وزيادة الاهتمام بحماية الحيوان. لكن المشكلة ما زالت موجودة في بعض المناطق بدرجات متفاوتة بسبب اتساع مساحة البلاد، وتفاوت مستوى الخدمات بين المناطق، وضعف التسجيل مقارنة بدول أوروبا الغربية.
الصين: تحول تدريجي نحو التنظيم
عرفت الصين تاريخيًا وجود أعداد من الكلاب السائبة في بعض المدن والقرى بسبب ضعف أنظمة التسجيل في السابق، والتخلي عن الحيوانات، وقلة برامج التعقيم في بعض المناطق.
لكن المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي شهدت تطورًا في تنظيم ملكية الكلاب، من خلال الترخيص والتسجيل وإنشاء مراكز لإيواء الحيوانات.
ومع ذلك، لا تزال توجد كلاب سائبة في بعض المناطق الريفية والمدن الصغيرة بسبب اختلاف مستوى تطبيق القوانين والخدمات.
تركيا: كلاب الشوارع كجزء من المشهد الحضري
تُعد تركيا من الدول التي يوجد فيها عدد واضح من الكلاب السائبة، خصوصًا في المدن والبلدات. لكن وضعها يختلف عن بعض الدول الأخرى، إذ إن كثيرًا من هذه الكلاب كانت تاريخيًا تعيش بالقرب من الأحياء وتحصل على الطعام من السكان، مما جعلها مرتبطة بالمجتمع المحلي.
واتبعت بعض البلديات برامج تقوم على جمع الكلاب وتعقيمها وإعادتها أو إيوائها، إضافة إلى وضع وسائل تعريف لبعض الحيوانات. لكن استمرار التخلي عن الكلاب واختلاف تطبيق القوانين بين المناطق جعلا الظاهرة مستمرة.
الدول العربية: تفاوت في انتشار الكلاب السائبة بحسب الظروف المحلية
تختلف ظاهرة الكلاب السائبة في العالم العربي من دولة إلى أخرى، ولا توجد حتى الآن إحصائيات وطنية موحدة تسمح بإجراء مقارنة دقيقة بين جميع الدول العربية من حيث أعداد الكلاب السائبة أو معدلات انتشارها. لذلك تعتمد التقديرات غالبًا على التقارير المحلية، والبيانات البلدية، والملاحظات الميدانية، وهي تختلف في دقتها من بلد إلى آخر.
بشكل عام، تواجه بعض الدول العربية ظاهرة الكلاب السائبة بدرجات متفاوتة، خصوصًا في المناطق التي تأثرت بتحديات اقتصادية أو أمنية أو بضعف خدمات إدارة الحيوانات. وتبرز المشكلة في بعض المناطق من مصر والعراق وسوريا واليمن، إضافة إلى بعض مناطق دول المغرب العربي، حيث ترتبط الظاهرة بعوامل متعددة، من بينها التخلي عن بعض الكلاب المملوكة، والتكاثر الطبيعي للكلاب التي تعيش في الشوارع، ومحدودية برامج التسجيل والتعقيم والتطعيم وإنشاء الملاجئ.
في مصر، توجد أعداد ملحوظة من الكلاب التي تعيش في الشوارع، خصوصًا في بعض المدن الكبرى والمناطق الريفية، وترتبط الظاهرة بعوامل مثل الكثافة السكانية، وتوافر مصادر الغذاء في بعض المناطق، واستمرار تكاثر الكلاب غير المملوكة. كما تشكل قضية السعار أحد الأسباب التي تدفع إلى البحث عن حلول لتنظيم أعداد الكلاب وتحسين برامج التطعيم والسيطرة على انتشار المرض.
وفي العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق، تظهر ظاهرة الكلاب السائبة في عدد من المدن والمناطق الطرفية والريفية، مع اختلاف مستوى انتشارها من منطقة إلى أخرى. وترتبط الظاهرة بوجود كلاب فقدت أصحابها أو تم التخلي عنها، إضافة إلى التكاثر الطبيعي للكلاب التي تعيش خارج نطاق الملكية، وتحديات إدارة الحيوانات الضالة.
وقد تأثرت قدرة الجهات المحلية على التعامل مع الظاهرة بعوامل مختلفة، منها الظروف الاقتصادية والإدارية وتفاوت مستوى الخدمات البلدية والبيطرية بين المدن والمناطق. ولذلك تبرز الحاجة إلى حلول طويلة الأمد تشمل تسجيل الكلاب المملوكة، والتطعيم، والسيطرة على التكاثر، وتوفير الرعاية البيطرية، والتعامل المنظم مع الكلاب التي لا يملكها أحد.
أما سوريا، فقد تأثرت الظاهرة بشكل كبير بالظروف التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، إذ ساهم تراجع بعض الخدمات البلدية والبيطرية، إضافة إلى النزوح وترك بعض الحيوانات خلف أصحابها، في زيادة أعداد الكلاب السائبة في بعض المناطق، مع اختلاف الوضع من منطقة إلى أخرى.
وفي اليمن، توجد الكلاب السائبة في بعض المدن والمناطق الريفية، وقد زادت صعوبة التعامل معها بسبب الظروف الإنسانية والاقتصادية التي أثرت على قدرة الجهات المحلية على تنفيذ برامج منتظمة للتطعيم والتعقيم وإنشاء مراكز الإيواء. وترتبط الظاهرة هناك أيضًا بمشكلة الصحة العامة، خصوصًا فيما يتعلق بخطر داء السعار.
وفي دول المغرب العربي، مثل المغرب والجزائر وتونس، توجد الظاهرة بدرجات مختلفة، خصوصًا في المناطق الريفية وأطراف المدن. وتوجد مبادرات وبرامج محلية للحد منها، لكن حجم المشكلة يختلف حسب المنطقة ومستوى الخدمات المتوفرة.
أما دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان، فتبدو الظاهرة أقل انتشارًا داخل المدن الكبرى مقارنة ببعض الدول الأخرى، ويرتبط ذلك بقدرة البلديات على إدارة الشؤون الحضرية والحيوانات الضالة، إضافة إلى اختلاف الأنظمة المحلية والثقافة الاجتماعية تجاه تربية الحيوانات. ومع ذلك، توجد حالات لكلاب مهجورة أو ضالة في بعض المناطق، خصوصًا خارج المراكز الحضرية أو في المناطق الصناعية والصحراوية.
وبشكل عام، لا ترتبط ظاهرة الكلاب السائبة في الدول العربية بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وإدارية. وتوضح التجارب الدولية أن الحلول الأكثر فاعلية لا تعتمد فقط على إزالة الكلاب من الشوارع، بل على بناء أنظمة متكاملة تشمل تسجيل الحيوانات، وتشجيع الملكية المسؤولة، والتطعيم، والسيطرة على التكاثر، وتوفير الرعاية المناسبة.
الخلاصة: منع المشكلة أفضل من علاجها
تظهر تجربة الدول التي نجحت في تقليل الكلاب السائبة أن الحل لم يكن في التخلص من الكلاب بعد انتشارها، بل في منع ظهور المشكلة من البداية.
فالكلاب السائبة غالبًا لا تظهر كظاهرة مستقلة، بل تبدأ من كلاب كانت مملوكة ثم فقدت أصحابها أو تم التخلي عنها، وبعد ذلك تتكاثر أجيال جديدة في الشوارع إذا لم توجد أنظمة فعالة للرقابة.
ومن بريطانيا في القرن التاسع عشر إلى السويد في القرن الحادي والعشرين، مرّت المجتمعات بتحول طويل: من التعامل مع الكلاب السائبة بعد ظهورها، إلى بناء أنظمة تمنع تحول الكلب المملوك إلى كلب شارع مجهول المصير، وتحمي الإنسان والحيوان في الوقت نفسه.
انتهى