سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
لم تكن معركة أهل الجنوب العراقي خاصة يوماً مع “الخارج” وحده، بل إنّ أخطر ما واجهه هو السهام التي جاءت من الداخل.
من أناس يتحدثون اللهجة ذاتها، وينتمون إلى العشيرة والجغرافيا نفسها، لكنهم اختاروا أن يكونوا أدوات للسلطة والمال ضد أهلهم ورموزهم.
والتاريخ منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده في كربلاء وحتى اليوم حافل بهذه النماذج التي تكررت بأدوات مختلفة.
كان النموذج الأول في المدينة اولا والكوفة ثانيا زمن واقعة الطف سنة 61 للهجرة.
فالكوفة تاريخا، كانت عاصمة التشيع وقد بايعت الإمام الحسين عليه السلام بالآلاف.
ولكن حين وصل عبيد الله بن زياد انقلب المشهد رأساً على عقب.
ظهرت نماذج النفاق شبث بن ربعي وحجار بن أبجر وعمر بن سعد وهم من شيعة أمير المؤمنين بالأمس.
هم من كتبوا إلى الحسين، وهم من حاصروه، وهم من وقفوا في الصف الأول لقتاله.
فباعوا المبدأ بالمنصب، وباعوا الموقف بالخوف من السلطة.
فكانوا “بنو زياد” من أبناء المدينة نفسها والدرس هنا أنّ الخوف على الدنيا يقتل المبادئ.
تمثل النموذج الثاني في علماء البلاط وشعراء السلطة.
وكانت وظيفتهم تلميع الظالم وتسويغ الجريمة بالكلمة.
ومن أبرزهم تاريخيا علي بن الجهم الشاعر العباسي الذي كان شاعر بلاط المتوكل.
فكانت مدائحه سلاحاً إعلامياً ضد العلويين وأهل البيت، وتسفيهاً لدعوتهم.
ومثلهم من كتبوا الكتب المصنوعة والمناظرات الملفقة بأمر السلطة لتشويه سيرة الجنوب وأهله.
هؤلاء لم يحملوا سيفاً، لكنّ أقلامهم كانت تقتل المعنى وتشوّه الصورة أكثر من ألف سيف.
وظهر النموذج الثالث في طبقة الولاة والقضاة في العصرين الأموي والعباسي.
ففي زمن المأمون والمعتصم والمتوكل كانوا هم من ينفذون حملات الملاحقة ضد العلويين وشيعتهم في الكوفة والبصرة وواسط.
وكان محمد بن عبد الله بن طاهر والي بغداد مسؤولاً مباشرة عن مراقبة أهل الجنوب وتضييق الخناق عليهم.
كما كان يحيى بن أكثم قاضي القضاة يصدر الأحكام التي تبيح مصادرة أموالهم ونفيهم.
وكان القاسم المشترك بينهم واضحاً: منصب مقابل دم أبناء جلدتهم.
وجاء النموذج الرابع مع ظهور الدولة القطرية والإعلام الحديث في الجزيرة السلفية المسمومة.
فقد ظهرت شخصيات من بيئة الجنوب والوسط ذاتها مهمتها تفريغ الجنوب من اصالتهم وعاشوراء من محتواها السياسي الإصلاحي.
فحولوها عبر الكتب والمجلات والفضائيات إلى تراث شعبي أو إلى طقس لا أكثر.
وعملوا على تسفيه ثورة الجنوب ايام البعث ومقاومة المحتل الأمريكي وعزلها عن قضايا الفساد والظلم والخدمات المعاصرة.
وكان الهدف قتل الرسالة حتى لا تصبح خطراً على السلطة الفاسدة.
أما النموذج الخامس فهو الأخطر اليوم، وهو غرف المحتوى الإلكترونية والإعلام المأجور.
هنا انتقل “ابن زياد” من القصر إلى الخادم، ومن السيف إلى لوحة المفاتيح، ومن القلم إلى الشاشة.
فمنذ عام 2014 إلى اليوم نرى إعلاميين ومقدمي برامج وصفحات بأسماء جنوبية وعشائرية لا تظهر إلا لتشويه صورة ابن الجنوب العربي الأصيل وتحويله إلى عميل عكس الواقع.
وخطابهم الوحيد هو السب والطعن وإشعال الفتنة وتلميع الطغاة التاريخيين وتسفيه ثورة الإصلاح.
ومن مواصفاتهم التمويل المجهول والآلاف من المقاطع الجاهزة والتنسيق في النشر في الدقيقة نفسها.
وظيفتهم واضحة: شغل أهل الجنوب عن الفساد والبطالة والخدمات بمعركة وقعت قبل 1400 سنة.
وتحويل شعار “الحسين ضد الظلم” إلى “جنوبي ضد شمالي” أو “شيعي ضد سني” بل الادهى اضفاء صفة البطولة والوطنية للاقليات الأخرى بالعراق .
وهؤلاء الأخطر لأنهم يتحدثون بلهجتك، ويعرفون مفاتيح غضبك، ويظهرون بمظهر “ابن الجلدة” من أمثال مقدم برامج في قناة دجلة الذي أعلن انه محتص بالشيعة او تلك التي تلبس زي نساء شيعيات اهلةالجنوب لتسب وتتكلم وبالفاظ نابية عنهم وعن العراق وتصفه بالسقوط وهي المعروف بتاريخها الأسود وسيرتها المخزية .
ويبقى السؤال: لماذا يتكرر هذا النموذج عبر العصور؟
السبب الأول هو المصلحة.
فالسلطة دائماً تشتري من الداخل لأنه الأرخص والأوجع.
والسبب الثاني هو الخوف.
فمن يخاف على رزقه ومنصبه يبيع الرمز الذي كان يدافع عنه بالأمس.
والسبب الثالث هو الجهل بالرسالة.
فمن يختزل الحسين والجنوب في البكاء فقط يسهل جره إلى أي مشروع مضاد.
وفي الختام، من شبث بن ربعي إلى علي بن الجهم، إلى إعلاميين الصدفة الماجورين اليوم، القاسم المشترك واحد هو تبيع اهلك مقابل حفنة من المال ومحاولة قتل الرمز والرسالة من الداخل قبل الخارج.
وسلاحنا هو سلاح الحسين نفسه: “إنما خرجت لطلب الإصلاح”.
فكلما عدنا إلى الأصل وربطنا عاشوراء والجنوب بمعركة الفساد والخدمات اليوم سقطت ورقة “المنافقين والانتهازيين من أبناء الجلدة”، لأن الناس ستعرفهم من ثمارهم لا من ألسنتهم.
والسؤال الذي يفضحهم دائماً هو: من يمولك؟ ومن المستفيد من خطابك؟.
(عارية) الإعلام والتاريخ العراقي : خانوا أهلهم من أجل حفنة من الدولارات!!