سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
ازدواجية الخطاب تحولت إلى نهج ثابت عند الطبقة السياسية في العراق.
بعض النواب السنة يبررون ملفات الفساد التي تطال شخصيات من مكونهم ويقدمونها بوصفها استهدافاً سياسياً، بينما يرفعون الصوت عالياً ضد ملفات فساد تخص المكونات الأخرى وخاصة الشيعة .
تصريحات سابقة لحيدر الملا والنائبة سميعة الغلاب تُستحضر في النقاش العام كمثال على هذا التناقض بين المطالبة بمحاسبة الفاسدين عموماً وبين الدفاع عن متهمين من نفس المكون تحت ذريعة التسييس.
رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي طالب بالتحقيق مع القوة التي نفذت أوامر قضائية بحق نواب وقال إنها روّعت عوائلهم، فيما يرى منتقدوه أنه يتجاهل حجم الأموال العامة التي أُهدرت في ملفات الإعمار والنازحين.
يبدو أن جزءاً من النواب يتمسك بحجة هيبة النائب وحصانته، مع أن المبدأ القانوني في معظم دول العالم هو أن الحصانة تتعلق بالعمل التشريعي والرقابي لا بالشبهات الجنائية أو المالية.
خطاب حماية النفوذ داخل المكون والخوف من خسارة القاعدة الانتخابية يدفع بعض النواب إلى اعتبار مهاجمة فاسد من طائفتهم تفريطاً بتمثيل المكون، بل وصال الحد إلى إن الملا كذب كل ماكشفته النزاهة والقضاء من وجود أموال لدى النائب هند العباسي او حرق زوجة عدنان الجميلي الأموال المسروق بالتنور!! .
التوازنات السياسية القائمة على المحاصصة تخلق مقايضة ضمنية مفادها أن كل كتلة تغطي على فاسديها مقابل سكوت الآخرين.
التركيز على الفاسدين من المكون الآخر يمنح النائب شعبية أمام جمهوره لأنه يظهر بمظهر المدافع عن المال العام دون أن يخسر حلفاءه.
ملفات الفساد المرتبطة بسياسيين سنة غالباً ما تتصل بملفات النازحين والإعمار وعقود التسليح، وهي ملفات حساسة تُغلف أحياناً بعنوان الاستهداف السياسي.
في المقابل تُستخدم حجج مثل تسييس القضاء والتوقيت الانتخابي وازدواجية المعايير عند فتح ملف على مسؤول من نفس الكتلة.
في كل الدول التي تحترم القانون تُسقط الحصانة عن النائب إذا وُجهت له تهم جنائية، لأن الحصانة وُجدت لحماية الرأي لا لحماية اليد.
النواب الذين يتحدثون عن ترويع العوائل يتجاهلون ترويع ملايين العوائل التي بقيت في الخيام بسبب تأخر الإعمار وضياع الموازنات.
الخوف الحقيقي لدى بعض السياسيين هو أن سقوط حصانة الفاسد من مكون ما سيفتح الباب لمحاسبة الجميع.
هم لا يدافعون عن مؤسسة البرلمان بقدر ما يدافعون عن قاعدة “استر عليّ وأستر عليك” التي كرستها المحاصصة، هذه القاعدة حولت الفساد إلى حق طائفي مكتسب، وجعلت تقاسم الموازنة بديلاً عن تقاسم المسؤولية.
المواطن العراقي سنياً كان أم شيعياً لم يستفد من هذه الحصانة، والمستفيد الوحيد هو المتهم الذي وجد غطاءً سياسياً وطائفياً.
الهيبة لا تُمنح بنص قانوني بل تُكتسب بالنزاهة والعمل، فالنائب المتورط بهدر المال العام مكانه أمام القضاء لا خلف الحصانة.
زمن استخدام المظلومية لتبرير حماية الفاسدين يجب أن ينتهي.
الفاسد يبقى فاسداً بغض النظر عن انتمائه.
العراق لن يستعيد عافيته ما دام تنفيذ الأوامر القضائية يُقابل بالبيانات، وما دام المتهمون بالسرقة يُستقبلون بالهوسات.