تناقض الخطاب والممارسة: حين تتغلب السياسة على الشعارات

يرفع النظام الإيراني منذ قيامه شعار “الحكم الإسلامي” ونصرة المستضعفين، ويقدم نفسه بوصفه نموذجًا للدولة التي تستند إلى القيم الدينية في إدارة السياسة. غير أن كثيرًا من المنتقدين يرون أن ممارساته الإقليمية تثير تساؤلات عميقة حول مدى انسجام هذه الشعارات مع الواقع السياسي.
ففي العراق، يرى منتقدو السياسة الإيرانية أن طهران أقامت علاقات وثيقة مع قوى سياسية متهمة بالفساد وسوء الإدارة، في وقت كان المواطن العراقي يعاني من تراجع الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، واستنزاف المال العام. ومن هذا المنطلق، يعتقد هؤلاء أن الخطاب الديني لم يتحول إلى مشروع حقيقي للإصلاح، بل غلبت عليه اعتبارات النفوذ السياسي والمصالح الإقليمية.
كما يشير منتقدون إلى أن مفهوم “مجهول المالك” استُخدم في النقاشات لتبرير ممارسات مالية أثارت جدلًا واسعًا، معتبرين أن أي توظيف للفتاوى الدينية ينبغي أن يكون في إطار تعزيز العدالة وصيانة المال العام، لا أن يُفهم على أنه غطاء لتجاوزات أو فساد. وفي المقابل، تختلف الآراء الفقهية والسياسية حول هذه المسألة، ولا يوجد إجماع على هذا الطرح.
أما في سوريا، فيرى منتقدو النظام الإيراني أن دعمه المستمر للحكومة السورية رغم سنوات الحرب وما رافقها من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين يتعارض مع الخطاب الذي يعلن الدفاع عن الشعوب المظلومة. ويعتبر هؤلاء أن التحالفات السياسية والعسكرية أصبحت، في كثير من الأحيان، مقدمة على المبادئ التي يرفعها الخطاب الرسمي.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في رفع الشعارات الدينية، وإنما في اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة. فحين تتحول السياسة إلى أداة لتبرير كل تحالف وكل قرار، يفقد الشعار الأخلاقي قيمته، ويصبح مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على سياسات تحكمها موازين القوة والمصالح.
وفي النهاية، فإن أي نظام يربط شرعيته بالدين يُنتظر منه أن يكون أكثر التزامًا بقيم العدالة والشفافية واحترام كرامة الإنسان. وعندما تتناقض الممارسة مع هذه المبادئ، يصبح النقد السياسي والفكري أمرًا مشروعًا، لأن مصداقية الشعارات لا تُقاس بما يُقال، بل بما يتحقق على أرض الواقع.

علي جاسم ياسين