بين توبة الفن وعناد السياسة.. الحرام لا تُطهره الطقوس

لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي

في مفارقةٍ صارخةٍ تعكس عمق الفجوة الأخلاقية في واقعنا المعاصر، تبرز قصة اعتزال الراقصة المصرية نجوى فؤاد كمرآةٍ عاكسةٍ لضميرٍ يقظ، في مقابل إصرارٍ أعمى على الفساد يتلفع برداء الدين والسياسة لدى ساسة العراق. فحينما سُئلت الفنانة الشهيرة، بعد مسيرةٍ طافت بها عقوداً من الشهرة والنجومية امتدت لسبعة وستين عاماً، عن سبب تركها للأضواء، لم تبحث عن مبرراتٍ واهية، بل قالت بلسانٍ مستسلمٍ للحقيقة إنها التقت بالشيخ محمد متولي الشعراوي في مطار القاهرة وسألته بقلبٍ حائر إن كان الرقص حراماً، فأجابها بكلمة واحدة حاسمة قاطعة: “نعم حرام”، فما كان منها إلا الانصياع الفوري، مضحيةً بالمال والجاه إيثاراً لراحة النفس وطهارة الخاتمة، ليكون موقفها نموذجاً لسرعة الامتثال للحق والصدق مع الذات.
وعلى الضفة الأخرى من النهر، وفي مشهدٍ يندى له الجبين، يتجلى النفاق الأخلاقي والفساد الممأسس لدى الطبقة السياسية في العراق، حيث يجمع هؤلاء الساسة بين نقيضين لا يلتقيان؛ فهم يشدّون الرحال سنوياً إلى بيت الله الحرام، ويطوفون بالبيت العتيق، ويؤدون العبادات أمام كاميرات الإعلام، لكنها تظل عباداتٍ جوفاء بلا تقوى، وطقوساً فارغة لا تمنعهم من العودة فوراً إلى كراسي الحكم لممارسة النهب المنظم لثروات بلاد الرافدين. إنهم يسرقون قوت العباد جهاراً نهاراً، وينهبون المليارات من أموال النفط، ثم يخرجون على الشاشات ليعطوا الشعب دروساً في العفة والنزاهة والوطنية، مستعينين بفتاوى يومية يفصّلونها على مقاس مصالحهم ليشرعنوا بها باطلهم وفحشهم السياسي، تاركين شعباً بأكمله يعاني الجوع والفقر والبطالة.
إن المقارنة هنا تضعنا أمام الحقيقة العارية؛ الراقصة استفتت قلبها وعالمها فتابت بكلمة واحدة وتركت الحرام دون رجعة، بينما هؤلاء الساسة لم يثنهم قرآنٌ يتلونه ولا صلواتٌ يؤدونها عن تدمير وطنٍ كامل، ليثبت الواقع أن الحرام يبقى حراماً وإن شرعنه الفاسدون، وأن الفساد لن يصبح صلاحاً ولو حُجّ به ألف عام، فالضمير الحي لا يحتاج سوى ومضة واحدة ليهتدي، أما الضمائر الميتة فلا توقظها كل خطب الأرض ما دامت القلوب قد أُغلقت بالمال الحرام.