جديد

شذرات عن الامام زين العابدين: زين (ولقد زينا السماء الدنيا وجعلناها رجوما للشياطين) (ح 4)

د. فاضل حسن شريف

قيل للامام السجاد عليه السلام له يوماً أما آن لحزنك أن ينقضي، فقال: إن يعقوب النبي كان له إثنا عشر إبناً فغيّب الله واحدا منهم فأبيضت عيناه من كثرة بكائه عليه وكان حياً في الدنيا، وأنا نظرت الى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني. فالانسان ينتقل من بلاء الى بلاء ولكن المؤمن عليه بالصبر في البلية والشدة وذلك باللجوء الى الله تعالى “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة 156) كما قال الامام زين العابدين عليه السلام (إلهي هل يرجع العبد الآبق إلا إلى مولاه) وهذا هو الصبر الجميل. فان لم تستطيع الصبر عليك ان تتصبر. وكما جاء اصل الصبر الثقة بالله، والصبر من الايمان كمنزلة الرأس من الجسد. اهل البيت عليهم السلام اعطونا معنى الصبر ومنهم صبرهم يوم الطف حتى يرضى الله تعالى. يقول الشيخ عباس القمّي طاب ثراه عن الامام علي زين العابدين عليه السلام: (يظهر من الأخبار المعتبرة التي وردت على وجه العموم أنّه عليه السلام مات مسموماً، ويعتقد ابن بابويه وجماعة أنّ الوليد بن عبد الملك دسّ له سمّاً، ويقول البعض: هشام بن عبد الملك. ويمكن القول: إنّ هشام بن عبد الملك بسبب ما يكنّه من عداء وبغض، من ذلك اليوم الذي استلم فيه عليه السلام الحجر الأسود في طوافه في حين لم يقدر هشام على ذلك، ومديح الفرزدق الشاعر له بقصيدته المعروفة، فلهذا السبب وأسباب أخرى فقد دفعه أخوه الوليد وكان خليفته وقته إلى تسميمه، ولهذا يمكن نسبة قتله عليه السلام إلى كليهما).

عن تفسير الميسر: قوله عز وجل “وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ” ﴿الملك 5﴾ ولقد زيَّنا السماء القريبة التي تراها العيون بنجوم عظيمة مضيئة، وجعلناها شهبًا محرقة لمسترقي السمع من الشياطين، وأعتدنا لهم في الآخرة عذاب النار الموقدة يقاسون حرها. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ” ﴿الملك 5﴾ “ولقد زيَّنا السماء الدنيا” القربى إلى الأرض “بمصابيح” بنجوم “وجعلناها رجوما” مراجم “للشياطين” إذا استرقوا السمع بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله لا أن الكوكب يزول عن مكانه “وأعتدنا لهم عذاب السعير” النار الموقدة.

الامام زين العابدين هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، اشتهر بزين العابدين والسجّاد وذو الثفنات وزين الصالحين ومنار القانتين.و هو الابن الذكر الذي بقي من أولاد الحسين عليه السلام، فقد قتل أخويه علي الأكبر وعبدالله الرضيع في واقعة الطف. ذكر الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار: (إن يزدجرد كان له ثلاث بنات سُبين في زمن عمر بن الخطاب، فكانت إحداهن لعبد الله بن عمر فأولدها سالماً، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها علياً زين العابدين عليه السلام ). وهؤلاء الثلاثة كانوا من العلماء في زمانهم. قال الإمام مالك عن الامام علي بن الحسين عليه السلام (سمي زين العابدين لكثرة عبادته). قال الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله والحسين في حجره وهو يلاعبه فقال صلى الله عليه وآله: (يا جابر، يولد له مولود اسمه عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمّد، فإن أنت أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام (رواه ابن كثير في البداية والنهاية الجزء 9).

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ” ﴿الملك 5﴾ الدنيا هنا تأنيث الأدنى، وهي صفة للسماء أي انه تعالى زيّن بالمصابيح السماء التي هي أقرب إلينا من سائر السماوات، والمراد بالمصابيح النجوم، أما الرجم فقد يكون بالشهب التي تحترق غالبا في الفضاء قبل أن تصل إلى الأرض، وقد يكون بالحجارة المتساقطة من النجوم – النيازك – وكل عات متمرد فهو شيطان قال تعالى: “وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (البقرة 14) واعتدنا أي أعددنا. وتقدم مثله مع التفسير في الآية 6 من سورة الصافات “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ” (الصافات 6) ج 6 ص 330 والآية 12 من سورة فصلت ص 480 من المجلد المذكور “فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (فصلت 12). وقال البعض في تفسير هذه الآية: ان الدجالين يوهمون انهم يعلمون الغيب من النظر إلى النجوم، وان اللَّه سبحانه سوف يرجمهم يوم القيامة بشرر من نار جهنم لأنهم كانوا يقولون رجما بالغيب. وهذا التفسير أيضا رجم بالغيب.

جلس هشام بن عبد الملك على كرسي بعيدا عن البيت الحرام واخذ ينظر من بعيد فاذا بالحجيج يفسحون المجال لرجل والبعض يقبل يده، ومع ان هشام يعرفه ولكن تظاهر بعدم معرفته بالرجل عندما سأله احد حماته وهم اهل الشام، ولكن الشاعر الفرزدق سمع المحاورة فاجاب في احد ابيات شعره متهكما قول هشام: (وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَن هذا بضَائرِه * العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ) وبتعبير اخر فيا هشام لا تنكر عدم معرفتك اياه انه علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام. فاستغرب هشام من مديح الفرزدق فقال له ألا قلت فينا مثلها؟ فكان جواب الفرزدق: هات جدا كجده وأبا كأبيه وأما كأمه حتى أقول فيكم مثلها. فمثل هذا الشعر امام طاغية هو الذي قال فيه الله سبحانه عن الشعراء المؤمنين مثل الفرزدق”الاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون” (الشعراء 227) لان قبلها الاية المباركة “وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ” (الشعراء 224) فالشاعر الفرزدق رضوان الله عليه ليس من الغاوين الذين ينعقون بمديحهم للحكام الطغاة. وقد اغضب كلام الفرزدق هشام فامر بسجنه. وعندما سمع الامام عليه السلام بذلك امر بتقديم المساعدة المالية للفرزدق في سجنه حيث كان يساعد الفقراء والمظلومين وهو المعروف بالكرم والاحسان. فالانسان ينتقل من بلاء الى بلاء ولكن المؤمن عليه بالصبر في البلية والشدة وذلك باللجوء الى الله تعالى “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة 156) كما قال الامام زين العابدين عليه السلام (إلهي هل يرجع العبد الآبق إلا إلى مولاه) وهذا هو الصبر الجميل.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ” ﴿الملك 5﴾ ثم تتناول الآية التالية صفحة السماء التي يتجسد فيها الجمال والروعة، حيث النجوم المتلألئة في جو السماء، المشعة بضوئها الساحر في جمال ولطافة، حيث يقول سبحانه: “ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير”. إن نظرة متأملة في ليلة مظلمة خالية من الغيوم إلى جو السماء الملئ بالنجوم كاف لإثارة الانتباه فينا إلى تلك العوالم العظيمة، وخاصة طبيعة النظم الحاكمة عليها، والروعة المتناهية في جمالها ولطافتها وعظمتها، وسكونها المقترن بالأسرار العجيبة، والهيبة التي تلقي بظلالها على جميع العوالم، مما يجعل الإنسان أمام عالم ملئ بالمعرفة ونور الحق، ويدفعه باتجاه عشق البارئ عز وجل الذي لا يمكن وصفه والتعبير عنه بأي لسان. وتؤكد الآية الكريمة – مرة أخرى – الحقيقة القائلة بأن جميع النجوم التي نشاهدها ما هي إلا جزء من السماء الأولى، والتي هي أقرب إلينا من أي سماء أخرى من السماوات السبع، لذا أطلق عليها اسم ( السماء الدنيا ) أي السماء القريبة والتي هي أسفل جميع السماوات الأخرى. ” الرجوم ” بمعنى ( الرصاص ) وهي إشارة إلى الشهب التي تقذف كرصاصة من جهة إلى أخرى من السماء، كما أن ( الشهب ) هي بقايا النجوم المتلاشية والتي تأثرت بحوادث معينة، وبناء على هذا، فإن المقصود بجعل الكواكب رجوما للشياطين، هو هذه الصخور المتبقية. أما كيفية رجم الشياطين برصاصات الشهب ( الأحجار الصغيرة ) التي تسير بصورة غير هادفة في جو السماء، فقد بيناه بشكل تفصيلي في التفسير الأمثل في تفسير الآية ( 18 ) من سورة الحجر “إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ” (الحجر 18)، وكذلك في تفسير الآية ( 20 ) من سورة الصافات “وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ الدِّينِ” (الصافات 20).

كثير من ادعية الامام زين العابدين عليه السلام تبدأ بحمد الله كما جاء (الحمد لله الذي جعل الليل سباتا) كما ورد في القرآن الكريم”وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا” (الفرقان 47) والقرآن الكريم يحوي عشرات الايات التي تحوي على الحمد. وفي الاية الكريمة “انَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر 53) وافضل اعمال المغفرة الدعاء بالمغفرة كما في الصحيفة السجادية و مناجاة زين العابدين. صاحب العروة نقل رواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قرأ”مَالِك” ولم يقرأ”مَلِك”، والسّيّد السّبزواري أيضًا نقل هذه الرّواية في (المهذب، صفحة 369 من الجزء السّادس): كان علي بن الحسين عليه السّلام إذا قرأ”مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” (الفاتحة 4) يكرّرها. وقد ورد عن الائمة عليهم السلام ذكر القبر منهم الامام السجاد ومن اقواله عليه السلام (أصبحت مطلوباً بثمان: الله يطالبني بالفرائض، والنبي بالسُنّة، والعيال بالقوت، والنفس بالشهوة، والشيطان باتّباعه، والحافظان بصدق العمل، وملك الموت بالروح، والقبر بالجسد، فأنا بين هذه الخصال مطلوب). والحديث مع الله جل جلاله يختلف عن الحديث مع الناس فله اداب مختلفة، بل ان الحديث مع الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم يختلف مع الاخرين”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ” (الحجرات 2)، وقال الامام زين العابدين عليه السلام (إلهي ألبستني الخطايا ثوب مذلتي، وجللني التباعد منك لباس مسكنتي، وأمات قلبي عظيم جنايتي). وافضل الطرق للوصول الى الله هو اقربها كما جاء في دعاء الامام زين العابدين عليه السلام (الهي سيرنا باقرب الطرق اليك).