رياض سعد
الفصل الاول : شجرة النارنج
لم تكن بغداد القديمة مدينةً تُعرف بشوارعها، بل بذاكرتها.. كانت الأزقة في الفضل والكفاح وباب الشيخ تحتفظ بأسرار أهلها أكثر مما تحتفظ بأسمائهم، وكأن الجدران العتيقة كانت تملك آذانًا تسمع، وقلوبًا لا تنسى.. البيوت المتلاصقة لم تكن تتجاور بالحجارة فقط، بل بالأفراح التي تتسرب من شبابيكها، وبالأحزان التي تعبر من سطح إلى آخر دون أن تستأذن أحدًا.. هناك، لم يكن الخبر يمشي بين الناس؛ كان يتسلل إليهم كما تتسلل رائحة الخبز الساخن عند الفجر، فيعرف الجميع ما حدث قبل أن يكتمل حدوثه.
في أحد تلك الأزقة ورثت بيتًا عن أبي بعد زواجي من سهاد.
كان البيت بغداديًا عتيقًا، تحيط غرفه بحوش واسع تتوسطه شجرة نارنج هرمة، تداخلت جذورها في الأرض كما تتداخل الذكريات في القلب.. كلما هبت الريح تناثرت أوراقها فوق البلاط القديم، فأشعر أنها لا تسقط، بل تكتب رسائل لا يعرف قراءتها إلا الذين عاشوا طويلًا.
كانت سهاد تحب تلك الشجرة أكثر مما تحب الزهور.. تقول إنها تشبه الأمهات؛ تعطي ظلها للجميع ولا تسأل أحدًا عمّا سيمنحه لها الزمن.
كنت أراقبها وهي تسقيها كل صباح، فأشعر أن البيت لا يعيش بالماء، بل بوجودها.
لم تكن سهاد امرأة كثيرة الكلام. كانت تؤمن أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الكلمة التي تُقال في وقتها خير من ألف اعتذار يأتي متأخرًا.. كنت إذا عدت من عملي متعبًا وجدتها قد أعدّت الشاي، وجلست قربي دون أن تسألني شيئًا.. كانت تعرف أن بعض الرجال لا يريدون جوابًا، بل يريدون من يصغي إلى صمتهم.
ولهذا أحببتها.
لا لأنها كانت الأجمل، بل لأنها كانت المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني لست مضطرًا إلى التظاهر بالقوة.
بعد عامين من زواجنا حملت بطفلنا الأول.
ومنذ ذلك اليوم تغير البيت.
لم تتغير جدرانه، ولا أبوابه، ولا شجرة النارنج، لكن الضوء صار أكثر دفئًا، حتى الأصوات القديمة التي كانت تصدرها الأبواب الخشبية كلما فُتحت أو أُغلقت بدت كأنها موسيقى مألوفة لا ضجيجًا مزعجًا.
غير أن الحمل لم يكن سهلًا.
بدأ الإرهاق يسرق شيئًا فشيئًا من وجه سهاد.. كانت تبتسم، لكن ابتسامتها أصبحت قصيرة، وكأنها تخشى أن تتعب حتى من الفرح.
وفي مساء قائظ من أمسيات تموز، جلست بقربي تحت شجرة النارنج وقالت بصوت خافت:
ـ أمي تقترح أن تأتي ابنة خالتي سهى لتبقى معنا حتى أضع الطفل… ستكون عونًا لي.
نظرت إليها مبتسمًا.
ـ وهل يحتاج بيتنا إلى إذن ليستقبل أحدًا من أهلك؟
ابتسمت لأول مرة منذ أيام، فشعرت أنني ربحت العالم كله بتلك الابتسامة.
وصلت سهى بعد يومين.
كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، وقد أنهت دراستها الجامعية قبل أشهر قليلة.. لم يكن جمالها من النوع الذي يلفت الأنظار بسرعة، بل من ذلك النوع الذي يزداد وضوحًا كلما طال التأمل.. كانت ملامحها هادئة، وعيناها واسعتين، لكنهما تحملان حزنًا لا ينسجم مع عمرها.
في الليلة الأولى، جلسنا جميعًا في الحوش.
كانت الكهرباء قد انقطعت، فأنرنا فانوسًا صغيرًا، وانعكس ضوؤه على أوراق النارنج.
قالت سهى وهي تنظر إلى السماء:
ـ غريب… كل النجوم تبدو قريبة حين تنقطع الكهرباء.
ابتسمت سهاد.
ـ ربما لأن ضوء الناس يخفت، فيظهر ضوء السماء.
أما أنا فقلت:
ـ أو لأن الظلام يجعل الإنسان يرى ما كان يغفله في الضوء.
صمتنا جميعًا.
ولم أكن أعلم أن تلك الجملة سترافقني طويلًا.
مرت الايام هادئة …
كنت أخرج صباحًا إلى عملي، وأعود عصرًا.
كانت سهاد تستريح أغلب الوقت، بينما تتولى سهى شؤون البيت.
كانت تضحك مع سهاد كثيرًا، وتروي لها حكايات الجامعة، ثم تلتزم الصمت كلما دخلت أنا الغرفة.
في البداية ظننتها خجولة.
لكن شيئًا آخر كان يتشكل بصمت.
في إحدى الأمسيات عدت مبكرًا.
وجدتها في الحوش تجمع أزهار النارنج المتساقطة.
رفعت رأسها وقالت:
ـ أتعرف لماذا أحب هذه الشجرة؟
قلت:
ـ لأن رائحتها جميلة؟
هزت رأسها.
ـ لأنها تمنح الزهر، ثم تتركه يسقط دون أن تحاول الاحتفاظ به… وحدها الأشجار تعرف أن بعض الأشياء لا تُملك.
توقفت لحظة.
ثم أضافت بصوت خافت:
ـ أما البشر… فيتعبون لأنهم يريدون الاحتفاظ بكل شيء.
لم أعرف لماذا شعرت أن حديثها لم يكن عن الأشجار.
فاكتفيت بالصمت.
كان الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلمات.
في تلك الليلة لم أستطع النوم.
كنت أنظر إلى وجه سهاد وهي نائمة.
كانت تضع يدها فوق بطنها، كأنها تحرس طفلنا حتى في أحلامها.
تساءلت في داخلي:
لماذا يخاف الإنسان من الأشياء قبل أن تقع؟
ولماذا تتحول البراءة أحيانًا إلى مصدر قلق؟
لم أكن أشعر نحو سهى إلا بالاحترام والشفقة.
لكنني كنت أخشى سوء الفهم.
فالقلوب لا تخطئ دائمًا لأنها تريد الخطأ.
بل لأنها تتأخر في فهم نفسها.
الفصل الثاني
البيت الذي يتسع للناس… ويضيق بالمشاعر
كانت الأيام تمر بطيئة، كأن الزمن في البيوت البغدادية القديمة لا يُقاس بالساعات، بل بصوت بائع الخضار الذي يعبر الزقاق صباحًا، وبرائحة الخبز الخارج من التنور، وبالأذان الذي يتردد بين المآذن القديمة فيتداخل مع هديل الحمام فوق السطوح.
صار وجود سهى جزءًا من تفاصيل البيت.. كانت تستيقظ قبل الجميع، تكنس الحوش، وتسقي شجرة النارنج، ثم تضع إبريق الشاي على الموقد قبل أن توقظ سهاد لتناول دوائها.
كنت أراقبها من بعيد، فأرى في حركتها نظامًا يشبه محاولة الهروب من نفسها.. لم تكن تتحرك بعفوية فتاة في الرابعة والعشرين، بل بوقار امرأة أنهكتها سنوات لم تعشها.
وفي إحدى الأمسيات، كنت أصلح بابًا خشبيًا تقادمت مفاصله، بينما كانت سهاد تغفو في غرفتها.
خرجت سهى تحمل فنجانين من الشاي.
ناولَتني أحدهما وجلست على الدرجة الحجرية المقابلة.
ساد بيننا صمت طويل.
ثم قالت دون أن تنظر إليّ:
ـ هل تصدق أن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يبحث عن بيت… لا عن مدينة؟
ابتسمت.
ـ أليس البيت جزءًا من المدينة؟
هزت رأسها.
ـ لا… المدينة جدران وشوارع… أما البيت فهو الشعور الذي يجعلك لا تخاف من العودة آخر النهار.
تأملت كلماتها طويلًا.
ثم سألتها:
ـ وهل لم تجدي هذا البيت بعد؟
أطرقت برأسها.
ـ وجدته مرة… لكنه لم يكن لي.
شعرت أن سؤالًا آخر كان يقف على طرف لساني، لكنني ابتلعته.
هناك أسئلة، إذا خرجت من أفواهنا، غيّرت حياةً كاملة.
بعد أيام، خرجت مع سهاد إلى الطبيب.
كانت تسير ببطء، تمسك بذراعي خشية أن تتعثر.
وفي طريق العودة، اشترت ثوبًا صغيرًا لطفلنا.
ظلت تنظر إليه طوال الطريق.
ثم قالت وهي تبتسم:
ـ أتمنى أن يشبهك.
ضحكت.
ـ ولماذا لا يشبهك أنت؟
قالت وهي تربت على بطنيها المنتفخ:
– لأنك تعرف كيف تمنح الناس الطمأنينة… وأنا أريد لطفلي أن يكون ملاذًا لمن يحب، لا عبئًا عليهم.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابتني بشيء يشبه الوخز.
تذكرت سهى.
وتذكرت حديثها عن البيت الذي لم تجده.
أدركت أن الإنسان قد يمنح الطمأنينة دون أن يقصد، وأن بعض القلوب الجائعة تفسر الأمان حبًا، بينما لا يكون في الأمر سوى إنسانية صادقة.
ومن هنا تبدأ المأساة.
في تلك الليلة انقطعت الكهرباء.
جلسنا في الحوش تحت ضوء الفانوس.
كانت سهاد تنسج آخر قطعة من ملابس الطفل، بينما أخذت سهى تقرأ ديوانًا قديمًا وجدته في مكتبة أبي.
قالت فجأة:
ـ لماذا يكتب الشعراء عن الحب وكأنه دائمًا ينتهي بالفراق؟
قلت:
ـ لأن القصص السعيدة يعيشها الناس… أما الحزينة فيكتبونها.
ابتسمت ابتسامة شاحبة.
ـ إذن نحن لا نكتب إلا ما نفقده.
لم أجب.
كانت سهاد تنظر إلينا بهدوء.
لم أشعر في نظرتها غيرة، بل شيئًا أقرب إلى التأمل.
وكأنها كانت ترى ما لم أره أنا.
بعد منتصف الليل استيقظت لأشرب الماء.
مررت بالحوش.
وجدت سهى جالسة وحدها تحت شجرة النارنج.
كانت تحدق في السماء.
ترددت قبل أن أتكلم.
لكنها سبقتني.
ـ أحيانًا أشعر أن الإنسان يولد متأخرًا.
قلت:
ـ ماذا تقصدين؟
قالت:
ـ أقصد أنه قد يقابل الشخص المناسب… بعد أن يصبح الوصول إليه مستحيلًا.
كان الليل ساكنًا.
حتى أوراق النارنج توقفت عن الحركة.
قلت بهدوء:
ـ ليست كل الأشياء التي نحبها خُلقت لنمتلكها.
رفعت رأسها.
كانت عيناها تلمعان بالدموع.
ـ أعرف…
ثم أردفت بصوت متهدج:
ـ لكن القلب لا يتعلم بسرعة العقل.
اقتربت منها خطوتين فقط.
ليس لأواسيها…
بل لأحافظ على المسافة التي يجب أن تبقى بيننا.
قلت:
ـ هناك مشاعر لا تكون شريفة لأنها تحققت… بل لأنها بقيت صامتة.
أطرقت طويلًا.
ثم مسحت دموعها بطرف ثوبها.
ـ سامحني… لم أكن أريد أن أثقل عليك بشيء.
ـ أنت لم تفعلي شيئًا يستحق الاعتذار.
ـ بل فعلت…
سكتت لحظة.
ـ بدأت أرى فيك الرجل الذي كنت أتمنى أن ألتقيه قبل سنوات… لا الرجل الذي يجب أن أنساه اليوم.
لم أشعر بالخوف.
شعرت بالحزن.
لأنني أدركت أن بعض الناس لا يرتكبون خطاياهم بدافع السوء، وإنما بدافع الوحدة.
عدت إلى غرفتي.
وجدت سهاد مستيقظة.
كانت تنظر إليّ بعينين هادئتين.
سألتني:
ـ فراس .. كانت سهى في الحوش؟
تفاجأت.
ـ نعم…
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قالت:
ـ كنت أعلم أنها لا تنام الليالي الأخيرة.
جلست إلى جانبها.
أمسكت بيدها.
ولأول مرة منذ زواجنا شعرت أن الصدق، مهما كان موجعًا، أرحم من الصمت.
قلت بصوت خافت:
ـ غدًا… سأحدثك عن كل شيء.
أغمضت عينيها.
وقالت بثقة لم تهتز:
ـ وأنا سأسمعك… لأن الثقة لا تُختبر عندما يكون كل شيء بخير، بل عندما يبدأ الخوف بالدخول إلى البيت.
في تلك اللحظة، أدركت أن البيوت لا تنهار حين يدخل إليها شخص ثالث…
بل حين يخرج منها الحوار.
الفصل الثالث : النهاية
في تلك الليلة لم يغمض لي جفن.
كان الليل يهبط ببطء على باب الشيخ، والريح تحرك أغصان النارنج حتى بدا ظلها على الجدار كأنه يدان تبحثان عن شيء ضاع منذ زمن.. أدركت أن الإنسان لا يخشى الحقيقة لأنها موجعة، بل لأنه يعرف أنها ستغير صورته في عيون من يحب، حتى وإن خرج منها بريئًا.
مع أول ضوء للفجر، كانت سهاد قد استيقظت.
أعدت الشاي كعادتها، رغم أن التعب كان واضحًا على وجهها.. جلست أمامي في الحوش، وبيننا الطاولة الخشبية التي صنعها أبي بيديه قبل ثلاثين عامًا.
قالت بهدوء:
ـ قلت إن عندك كلامًا.
تنفست طويلًا.
ثم رويت لها كل شيء.
لم أخفِ نظرةً، ولم أخفِ جملةً، ولم أحاول أن أجعل نفسي بطلًا ينتصر على الإغراء، ولا ضحيةً لظروف لم يصنعها… ؛ قلت لها إنني رأيت حزن سهى قبل أن أرى إعجابها، وإنني خفت عليها كما خفت عليك، وإن خوفي الأكبر كان أن يتحول صمتي إلى كذب.
ظلت تستمع دون أن تقاطعني.
كانت عيناها معلقتين بأوراق النارنج المتساقطة، كأنها تبحث فيها عن جواب لا تملكه الكلمات.
وحين انتهيت، قالت:
ـ هل تعرف لماذا صدقتك قبل أن تتكلم؟
نظرت إليها مستغربًا.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
ـ لأن الرجل الذي يقرر أن يخبر زوجته بالحقيقة، وهو قادر على إخفائها، لا يكون قد جاء ليطلب البراءة… بل جاء ليحمي البيت.
ثم سكتت قليلًا.
وأضافت:
ـ لكن سهى تحتاج إلى من يحمي قلبها أيضًا.
في المساء طلبت من سهى أن تجلس معنا.
دخلت وهي تشعر أن شيئًا ما قد انكشف.
جلست مترددة، وأخذت تعبث بطرف ثوبها .
قالت سهاد بصوت لم يكن فيه غضب، بل حزن يشبه حزن الأم على ابنتها:
ـ يا سهى… هل تعلمين ما أصعب أنواع الفقد؟
هزت رأسها بالنفي.
ـ أن يفقد الإنسان نفسه، وهو يظن أنه يبحث عن الحب.
بدأت دموع سهى تتجمع في عينيها.
لكن سهاد واصلت حديثها:
ـ أنا لا ألومك لأن القلب لا يستأذن صاحبه قبل أن يميل، لكن الإنسان يُحاسب على الخطوة التي تأتي بعد الميل.
أجهشت سهى بالبكاء.
وقالت وهي تغالب شهقاتها:
ـ والله ما أردت أن أخونك.
مدت سهاد يدها نحوها.
ـ أعرف.
ـ كنت… كنت أبحث عن رجل يشبهه، لا عنه هو.
ثم التفتت نحوي.
ـ أول مرة رأيتك وانت تحمل أكياس الدواء لسهاد ، وتجلس قربها ساعات دون أن تتذمر، تذكرت خطيبي.
ساد الصمت.
ثم تابعت:
ـ كان اسمه عمر.
رفعنا رؤوسنا إليها.
ـ قُتل قبل زفافنا بأسبوعين… ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت رجلًا طيبًا، ظننت أن الله يعيد لي شيئًا مما أخذ مني.
كان البكاء يقطع كلماتها.
ـ لم أحب فراس لأنه فراس… أحببت الأمان الذي شعرت به في حضوره.. كنت أريد أن أصدق أن الرجال الذين يشبهونه ما زالوا موجودين.
شعرت أن شيئًا انكسر في داخلي.
لم يكن ما سمعته اعتراف امرأة عاشقة، بل اعتراف روح أرهقها اليتم العاطفي.
اقتربت سهاد منها.
وضمتها إلى صدرها.
وقالت:
ـ لا تسمحي للحزن أن يقنعك بأنك لا تستحقين حبًا يخصك وحدك.
غادرت سهى البيت بعد ثلاثة أيام.
حين خرجت، وقفت عند باب الدار .
التفتت نحونا.
ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الامتنان بالأسى.
ثم قالت:
ـ سأدعو لطفلكما كل ليلة… وأدعو لنفسي أن أتعلم الفرق بين الحاجة إلى الأمان، والحاجة إلى شخص بعينه.
ورحلت.
كانت تمشي ببطء.
وكلما ابتعدت، شعرت أن الزقاق صار أطول مما كان.
بعد شهر، وضعت سهاد مولودًا ذكرًا.
حين حملته بين ذراعي، شعرت أن الحياة تمنح الإنسان فرصة جديدة كلما ظن أنها انتهت.
قالت سهاد وهي تنظر إلى الطفل:
ـ ماذا سنسميه؟
قلت:
ـ أريده أن يحمل اسمًا يعني السلام.
ابتسمت.
ـ إذن… سلام .
وافقت.
لأنني كنت أريد أن يكبر بعيدًا عن الحروب التي تمزق القلوب قبل أن تمزق المدن.
ثم مرت السنوات.
كبر سلام .
وماتت شجرة النارنج.
قال البستاني إنها شاخت، وإن جذورها لم تعد قادرة على حملها.
لكنني كنت أعرف أنها لم تمت من العمر.
ماتت لأنها حملت فوق أغصانها من الأسرار أكثر مما تحتمل الأشجار.
زرعت مكانها شجرة صغيرة.
وحين سألني ابني يومًا:
ـ لماذا قطعت الشجرة القديمة يا أبي؟
قلت له:
ـ لأن لكل شجرة عمرًا.
لكنه سألني مرة أخرى:
ـ وهل تموت الأشجار مثل الناس؟
ابتسمت.
ونظرت إلى المكان الذي كانت تقف فيه.
ثم قلت:
ـ لا يا بني…
الأشجار تموت واقفة.
أما البشر…
فقد يموتون وهم ما زالوا يمشون بين الناس.
كلما مررت اليوم بأزقة باب الشيخ، أدرك أن البيوت القديمة لم تكن عظيمة لأنها بنيت بالحجر والجص، بل لأنها كانت تقوم على كلمة واحدة إذا ضاعت، ضاع كل شيء بعدها.
الثقة.
لقد تعلمت متأخرًا أن الحب ليس دائمًا أن تقترب ممن تحب، بل قد يكون أن تبتعد عنه حفاظًا على إنسان آخر يحبك، وأن الوفاء لا يعني غياب الرغبات، بل القدرة على تهذيبها حتى لا تتحول إلى أنقاض يسكنها الندم.
ولم يكن في تلك الحكاية خائن ولا قديس.
كان هناك ثلاثة بشر، لكل واحد منهم جرحه الخاص.
امرأة خافت أن تخسر بيتها.
وامرأة أرهقها الحرمان حتى أخطأت الطريق إلى قلبها.
ورجل اكتشف أن أصعب المعارك ليست تلك التي يخوضها الإنسان مع الآخرين، بل تلك التي يخوضها بصمت مع نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، كلما أُغلقت أبواب البيوت البغدادية مع المغيب، تذكرت أن الجدران لا تحمي المنازل، والأقفال لا تحرس العائلات، وأن أوسع البيوت قد يضيق بثلاثة قلوب إذا غاب الصدق، كما يمكن لأصغر البيوت أن يتسع للعالم كله إذا سكنته الرحمة والثقة.