جديد

الهوية الوطنية العراقية بين مشروع الدولة ومشروع التبعية

رياض سعد

لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم يقترن ببناء مواطن يؤمن بالعراق بوصفه وطنًا نهائيًا، ويجعل سيادته ومصالحه العليا فوق كل انتماء آخر… ؛  غير أن هذا المشروع الوطني العظيم  يصطدم، منذ عقود طويلة ، بوجود تيارات وقوى تبنت ثقافة التبعية والذيلية ، أو انخرطت في مشاريع خارجية، أو قدمت ولاءاتها العابرة للحدود على الولاء للدولة العراقية والهوية الوطنية . وتمثل هذه الظاهرة ما يمكن تسميته بـ **الفئة الهجينة والخط المنكوس **؛ وهو مصطلح سياسي ثقافي يُقصد به نمط من التفكير والولاء لا ينتمي إلى هوية وطنية عراقية جامعة، بل يربط مواقفه ومصالحه بمشاريع خارجية تتقدم على مصلحة العراق.

إن أخطر ما تواجهه الدولة ليس الاختلاف السياسي المشروع، وإنما الخطاب الذي يعمل بصورة منهجية على تقويض الهوية الوطنية، والطعن في شرعية الدولة، وإضعاف ثقة المواطنين بوطنهم ومؤسساتهم، وإشاعة مقولات تجعل الانتماء إلى العراق أمرًا ثانويًا أو مؤقتًا.

# الفئة الهجينة وأنماطها

يمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من الفاعلين في هذا الخطاب المنكوس:

**أولًا: فئة المنكوسين فكريًا من أبناء العراق الاصلاء.**

وهم أفراد يحملون تصورات سلبية عن وطنهم، ويتبنون خطابًا يزدري العراق وتاريخه ومجتمعه، ويكرر دعايات تستهدف الأغلبية والامة العراقية والهوية الوطنية … ؛  ويكمن التعامل مع هذه الظاهرة وهذا النمط من الناس ؛ من خلال تعزيز التربية الوطنية، وإصلاح المناهج التعليمية، وترسيخ ثقافة المواطنة ، وإطلاق برامج فكرية وإعلامية تعيد بناء الثقة بالدولة والهوية العراقية الجامعة.

**ثانيًا: الفئة الهجينة ذات الولاءات العابرة للحدود والاصول غير العراقية .**

وهي فئة لا تقيس مواقفها بمعيار المصلحة الوطنية العراقية، بل تجعل ولاءها السياسي أو الأيديولوجي أو التنظيمي مقدمًا على سيادة الدولة.. ,  وخطورة هذا النمط لا تكمن في اختلاف الرأي، وإنما في تحويل العراق إلى ساحة لخدمة مشاريع خارجية، أو تبرير التدخل في شؤونه، أو التحريض ضد مصالحه العليا وابناءه الاصلاء.

# الحرب على الهوية الوطنية

لم تعد محاولات إضعاف العراق تقتصر على الوسائل العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الحرب النفسية والثقافية والإعلامية، من خلال نشر مقولات وشعارات تستهدف إضعاف الانتماء الوطني، مثل التقليل من قيمة الدولة العراقية، أو السخرية من تاريخها، أو ازدراء مؤسساتها، أو تصوير الأغلبية الوطنية بوصفها سببًا لكل أزمات البلاد.

إن مثل هذه الخطابات لا تمثل مجرد آراء سياسية، بل تسهم في تفكيك الهوية المشتركة، وتعميق الانقسامات، وإضعاف الثقة بين المجتمع والدولة، وهو ما يهيئ البيئة المناسبة لاستمرار التدخلات الخارجية.

# من القومية إلى الطائفية… تبدلت الشعارات وبقيت النتيجة

يكشف التاريخ العراقي أن الشعارات قد تتغير، بينما تبقى النتيجة واحدة إذا غابت المصلحة الوطنية.

ففي مرحلة سابقة رُفعت شعارات قومية جعلت العراق وثرواته جزءًا من مشروع يتجاوز حدوده الوطنية، وانتهى ذلك إلى استنزاف موارده وإقحامه في حروب دفعت الأجيال العراقية أثمانها الباهظة.

ثم ظهرت، في مرحلة لاحقة، شعارات ذات طابع ديني أو طائفي عابر للحدود، قدمت هي الأخرى انتماءات خارج إطار الدولة الوطنية، وأنتجت صورًا جديدة من استنزاف الموارد وإضعاف السيادة.

وفي الحالتين، كان الخاسر الأكبر هو العراق، وكانت المصلحة الوطنية هي الحلقة الأضعف.

# العراق دولة ذات سيادة

العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا صندوقًا مفتوحًا لمشاريع الآخرين، ولا يمكن أن تستقر الدولة ما لم يكن ولاء مواطنيها للعراق أولًا.

فالدولة الوطنية الحديثة تقوم على احترام الدستور، وصيانة السيادة، وحماية الحدود، وتقديم المصلحة العامة على أي ولاء خارجي، مهما كانت مبرراته.

# الحاجة إلى حماية قانونية للهوية الوطنية

وكما تعاقب القوانين على الفساد والإرهاب والاعتداء على مؤسسات الدولة، فإن من المشروع بحث تشريعات تحمي الهوية الوطنية والسيادة العراقية، ضمن الضمانات الدستورية وحرية التعبير، بحيث تجرّم الأفعال التي تشكل تحريضًا مباشرًا على تقويض الدولة أو التعاون مع جهات خارجية للإضرار بمصالحها، أو الدعوة إلى العنف ضد المجتمع، أو المساس المتعمد بسيادة العراق ووحدته.

إن حماية الهوية الوطنية لا تعني تقييد حرية الرأي، بل تعني التمييز بين النقد المشروع الذي يسهم في الإصلاح، وبين الخطاب الذي يهدف إلى هدم الدولة وإضعافها وخدمة مشاريع لا تمت إلى المصلحة الوطنية بصلة.

# خاتمة

لا نهضة للعراق دون مواطن يؤمن بأن وطنه هو مرجعيته الأولى، وأن سيادة الدولة ووحدة المجتمع تمثلان الإطار الذي يحفظ حقوق الجميع.

فالوطن لا ينهض بالشعارات، وإنما بولاء وطني جامع، ومؤسسات قوية، وقانون عادل، وثقافة تؤمن بأن اختلاف الآراء لا يجوز أن يتحول إلى عداء للوطن أو إلى تبرير للتبعية أو الإضرار بمصالح العراق العليا.

إن الدفاع عن العراق لا يبدأ من الحدود وحدها، بل يبدأ من الوعي، ومن ترسيخ فكرة أن الهوية الوطنية ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، بل الأساس الذي تُبنى عليه الدولة ويستقر به المجتمع.