جديد

شذرات عن الامام زين العابدين: العابدين (ولا أنتم عابدون ما أعبد) (ح 6)

د. فاضل حسن شريف

ومعروف ان الامام السجاد عليه السلام صاحب الصحيفة السجادية وغيرها من المعارف المختلفة ومنها عن الحقوق. وكان يربط معارفه بآيات القرآن الكريم وسنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. من ذلك ان الرب من تسميته يعني المربي الذي يربي عباده جسميا وعقليا. فالجسم يحوي على اجهزة دقيقة، وكذلك زود عقل الانسان بكل انواع الطاقات. فالطفل كلما يكبر بالعمر يتطور عقله”أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة ” (لقمان 20) وكما قال الامام زين العابدين عليه السلام (إلهي ربيتني في نعمك وإحسانك صغيرا). قال الله تبارك وتعالى “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الاسراء 70). قال الامام زين العابدين عليه السلام (إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودك ومحبتك، وشوقته إلى لقائك، ورضيته بقضائك، ومنحته بالنظر إلى وجهك، وحبوته برضاك، وأعذته من هجرك وقلاك، وبوأته مقعد الصدق في جوارك، وخصصته بمعرفتك، وأهلته لعبادتك وهيمت قلبه لإرادتك، واجتبيته لمشاهدتك، وأخليت وجهه لك، وفرغت فؤاده لحبك). يروي الشيخ الكلينيّ عن الإمام الباقرعليه السلام أنّه قال: (لمّا حضرت عليّ بن الحسين عليه السلام الوفاة ضمّني إلى صدره وقال: يا بنيّ، أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وممّا ذكر أنّ أباه أوصاه به: يا بنيّ، إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلاّ اللّه).

عن تفسير الميسر: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) ولا أنتم عابدون ما أعبد من إله واحد، هو الله رب العالمين المستحق وحده للعبادة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) “ولا أنتم عابدون” في الحال “ما أعبد” وهو الله تعالى وحده. وجاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) أي إلهي الذي أعبده اليوم وفي هذه الحال أيضا.

الرسل والانبياء لم يستخدموا اسلوب التبرير مثل يونس عليه السلام الذي لم يبرر العمل بل قال”سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الانبياء 87). ومن اسباب التبرير الهروب من تحمل المسؤولية كما جاء في مناجات الامام زين العابدين عليه السلام (ميالة إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو). والقلب السليم هو صاحب الدعاء ومعناه الخشوع والخضوع والشعور بالحاجة الحقيقية لله”يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ” (فاطر 15) و “وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا” (الاعراف 56) وكما قال الامام زين العابدين عليه السلام: الهي ادعوك راهبا خائفا. ان الذي يوكل نفسه للناس بدون الله فهو خائب كما قال الامام زين العابدين عليه السلام: خاب الوافدون الى غيرك. وفي حديث أبي خالد الكابلي عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: (يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته والقائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره عليه السلام أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغيبة عنهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخلصون حق، وشيعتنا صدق، والدعاة إلى دين الله سراً وجهرا). إلى غير ذلك من الأحاديث في هذا المجال.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) نفي استقبالي أيضا لعبادتهم ما يعبده صلى الله عليه وآله وسلّم وهو إخبار عن امتناعهم عن الدخول في دين التوحيد في مستقبل الأمر. وبانضمام الأمر الذي في مفتتح الكلام تفيد الآيتان إن الله سبحانه أمرني بالدوام على عبادته وأن أخبركم أنكم لا تعبدونه أبدا فلا يقع بيني وبينكم اشتراك في الدين أبدا. فالآية في معنى قوله تعالى: “لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” (يس 7)، وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” (البقرة 6). وكان من حق الكلام أن يقال: ولا أنتم عابدون من أعبد. لكن قيل: ما أعبد ليطابق ما في قوله: “لا أعبد ما تعبدون”. وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) لما تأصّل فيكم من لجاج وعناد وتقليد أعمى لأبائكم، ولما تجدونه في الدعوة من تهديد لمصالحكم وللأموال التي تدر عليكم من عبدة الأصنام. ولمزيد من التأكيد وبث اليأس في قلوب الكافرين، ولبيان حقيقة الفصل الحاسم بين منهج الإسلام ومنهج الشرك.

جاء في كتاب الأمالي الإثنينية: روي ان الامام زين العابدين عليه السلام عندما بشروه بمولوده زيد فنظر في المصحف فقال: (ﻫُﻮَ ﻭَاﻟﻠَّﻪ ﺻَﺎﺣِﺐُ اﻟْﻜِﻨَﺎﺳَﺔِ ﻣَﺮَّﺗَﻴْﻦِ). وُلد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بالمدينة سنة ست وستين أو سبع وستين من الهجرة. وأمه أم ولد من السند. وبعد وفاة الإمام زين العابدين، وضع هشام بن عبدالملك، الإمام زيد على قائمة المستهدفين من أئمة أهل البيت، بالتوازي مع رصد جواسيس بني أمية تحركات غير مسبوقة للشيعة في العراق وخرسان، ومعها بدأت مخاوف هشام من تواصل الشيعة مع الإمام زيد. كان الإمام زين العابدين عليه السلام عند مروره في سوق القصابين يذكرهم بمصاب أبيه الحسين عليه السلام. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: أنه قال لفضيل: (تجلسون وتتحدثون.؟. قال: نعم جعلت فداك. قال: أن تلك المجالس احبها فأحيوا أمرنا يا فضيل. فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر). عن الإمام زين العابدين عليه السلام: (إن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد حتى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً).

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) وتسأل: ما هو القصد من هذا التكرار ؟ فإن قوله “لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ” هو عين قوله: “ولا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ” ولا فرق إلا ان هذه جملة اسمية، وتلك جملة فعلية، أما قوله: “ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ” فقد أعاده بالحرف الواحد؟. وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها ما ذهب إليه صاحب مجمع البيان، وهو أن المراد بقوله أولا: “لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ” أي الآن وفي هذه الحال، وقوله ثانيا: “ولا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ” أي في المستقبل، فالفرق انما هو في الزمان حالا واستقبالا ويلاحظ بأن كلا منهما يصلح للحال والاستقبال، والتعليل يحتاج إلى دليل. ومن الأجوبة ما قاله أبو مسلم واختاره الشيخ محمد عبده، وهوان “ما” الأولى اسم موصول بمعنى الذي والمراد به نفس المعبود، و”ما” الثانية مصدرية، والمراد بها نفس العبادة، وعليه يكون المعنى معبودي غير معبودكم، وعبادتي غير عبادتكم، وأنا لا أعبد معبودكم ولا عبادتكم، وأنتم كذلك. ويلاحظ بأنه لا عبادة من غير معبود، وان ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر. ومنها ان هذا تكرار يفيد التأكيد، وكلما كانت الحاجة إلى التأكيد أشد كان التكرار أحسن، ولا شيء أحوج إلى التأكيد من نفي الشرك باللَّه، ومن ثم حسن التأكيد. ونحن على هذا الرأي.

الإمام زين العابدين عليه السلام عندما دخل ركب السبايا إلى المدينة طلب من بشر بن حذلم أن ينعى الامام الحسين عليه السلام لاهل المدينه فقال له: ادخل المدينة وانع أبا عبدالله عليه السلام قال بشر:فركبت فرسي فلما بلغت مسجد النبي ص رفعت صوتي بالبكاء وانشأت اقول: يا اهل يثرب لامقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار. عن ملحمة الطف يقول السيد الحميري: أمرر على جدث الحسين وقل لأعظمه الزكية * يا اعظما لازلت من وطفاء ساكبة روية * مالذ عيش بعد رضك بالجياد الاعوجيه قبر تضمن طيبا آباؤه خير البرية * آباؤه اهل الرياسة والخلافة والوصية * وَالخَيرِ والشِّيــــمِ المهذَّبـــةِ المَطيّبةِ الرّضيّه. من قصائد عبد الرزاق عبد الواحد، ومنها ألواح الدم التي يستدعي فيها الحسين ويجعله نداءاً عظيماً يهتف به: يا حسين * إن للصمت في أرضنا آيتين * أن يكون كريماً، عظيماً، رحيماً، كصمتك * ممتلئاً بالمروءة، ممتلئاً بالنبوة، ممتلئاً بالنشوز * غبشاً يتوسط بين انتهاء الحياة وبدء القيامة * وعليه علامة * انه مفعم بالحضور أو يكون كصمت القبور.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز وجل “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” (الكافرون 3) وَلَا “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا): حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. أَنْتُمْ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ. عَابِدُونَ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ. مَا اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. أَعْبُدُ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “أَنَا”، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.