صناعة الحنين الى العهد الملكي .. حين يتحول الماضي إلى مشروع سياسي في صراعات الحاضر

رياض سعد

لم يعد تمجيد العهد الملكي في العراق مجرد اختلاف في قراءة مرحلة تاريخية مضت، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى خطاب سياسي متكامل يُستخدم في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لإعادة إنتاج صورة انتقائية عن تلك الحقبة، حيث يجري تقديم النظام الملكي بوصفه نموذجاً للاستقرار والازدهار، مع إغفال بنيته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي قامت على تفاوت طبقي حاد، ونفوذ خارجي واسع، وهيمنة نخب هجينة وغريبة واجنبية محددة على مقدرات الدولة.

إن ظاهرة الحنين إلى العهد الملكي لا يمكن فهمها بعيداً عن الصراعات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق عام 2003، إذ أصبحت الملكية عند بعض التيارات رمزاً سياسياً أكثر من كونها تجربة تاريخية قابلة للنقد والدراسة… ؛  فالبعض لا يدافع عن الملكية باعتبارها نظاماً تاريخياً فحسب، بل يستعيدها بوصفها نموذجاً لعودة توازنات سياسية واجتماعية وطائفية وعنصرية ومناطقية فقدتها قوى معينة بعد التحولات الكبرى التي شهدها العراق في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين .

وهنا تظهر إشكالية جوهرية: فهل نحن أمام قراءة موضوعية لتاريخ العراق، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج موازين القوى القديمة تحت عناوين جديدة؟

**الحنين السياسي ليس دائماً حنيناً إلى الماضي… بل أحياناً حنيناً إلى الامتياز

إن معظم المجتمعات لا تتذكر الماضي بصورة محايدة، بل تعيد تشكيله وفق مصالحها ومخاوفها الراهنة… ؛  ولهذا فإن صورة “العصر الذهبي الملكي” التي تُطرح اليوم في بعض الخطابات الإعلامية لا تعكس بالضرورة تجربة العراقيين جميعاً، بل تعكس غالباً ذاكرة فئات اجتماعية كانت أكثر قرباً من الدولة ومؤسساتها التقليدية.

فالعهد الملكي كان نظاماً له مستفيدوه كما كان له ضحاياه… ؛  فقد استفادت منه طبقات سياسية واقتصادية مرتبطة بالبلاط والإدارة العليا وكبار الملاكين، بينما بقيت قطاعات واسعة من الريف والطبقات الشعبية تعاني الفقر والأمية وضعف الخدمات.

ولهذا فإن الدفاع عن ذلك العهد دون التوقف عند طبيعة المجتمع الذي أنتجه يشبه الدفاع عن واجهة البناء مع تجاهل الأساسات.

**المشروع البريطاني والذاكرة الملكية

لا يمكن فهم استمرار بعض الخطابات الممجدة للعهد الملكي دون العودة إلى طبيعة العلاقة التاريخية بين العراق وبريطانيا.

فالنظام الملكي العراقي نشأ في سياق دولي كانت بريطانيا فيه القوة الأكثر تأثيراً في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.. وقد ارتبطت السياسة البريطانية في العراق بمصالح استراتيجية واضحة تتعلق بالنفط والموقع الجغرافي والمصالح العسكرية.

ومن هنا فإن بعض القراءات السياسية المعاصرة ترى أن إعادة تمجيد التجربة الملكية ليست منفصلة عن محاولات إعادة إنتاج تصورات سياسية قديمة ترى أن العراق كان أكثر انسجاماً مع ترتيبات ما قبل 1958.

لكن من المهم التمييز بين بريطانيا كدولة ذات مصالح تاريخية، وبين الشعب البريطاني أو كل مؤسسة سياسية معاصرة، كما يجب التمييز بين دراسة النفوذ الخارجي وبين تحويل التاريخ إلى نظرية مؤامرة شاملة.

فالدول لا تتحرك في السياسة الدولية بدافع الحب أو الكراهية، بل وفق المصالح، والعراق كان دائماً ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.

**بين النفوذ البريطاني والمشروع الأمريكي بعد 2003

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ظهرت قراءات سياسية متناقضة حول مستقبل الدولة العراقية… ؛  فبينما رأت الولايات المتحدة أن إعادة بناء النظام السياسي يجب أن تقوم على نموذج انتخابي تعددي، رأت قوى أخرى أن هذا التحول أدى إلى تغيير موازين القوى التقليدية والطائفية داخل الدولة العراقية.

ومن هنا نشأت تيارات سياسية وإعلامية تنتقد التجربة الجديدة وتستعيد صوراً من الماضي، ومنها صورة العهد الملكي، باعتباره مرحلة “الدولة القوية” أو “النظام المنظم”.

لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة مهمة: أن الديمقراطية، رغم مشاكلها وتناقضاتها، لا تُقاس فقط بنتائجها الأولى أو بأخطاء القوى التي تديرها، بل بقدرة المجتمع على تطوير مؤسساته وتصحيح مساراته.

كما أن نقد التجربة الديمقراطية لا يعني بالضرورة أن البديل هو العودة إلى أنظمة ملكية هجينة أو سلطوية أو طائفية أو عنصرية سابقة.

**إشكالية ربط الملكية بالهوية الطائفية

من أخطر التحولات في خطاب تمجيد العهد الملكي أنه أصبح عند بعض الأطراف مرتبطاً بصراعات الهوية والانقسام المجتمعي.

فبدلاً من مناقشة النظام بوصفه تجربة سياسية، يجري أحياناً تقديمه باعتباره رمزاً لمرحلة كانت فيها السلطة بيد نخب اجتماعية معينة، ثم استخدام سقوطه بوصفه خسارة سياسية أو اجتماعية لهذه النخب.

وهذا النوع من الخطاب لا يخدم بناء دولة عراقية حديثة، لأنه يحول التاريخ من مجال للبحث إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات.

فالعراق لا يحتاج إلى استعادة عصر ملكي أو جمهوري، بل يحتاج إلى استعادة مفهوم الدولة القائمة على المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

**لماذا تستمر أسطورة “العهد الذهبي”؟

لأن الذاكرة السياسية العراقية لم تُحسم بعد.

فالعراق عاش خلال قرن كامل سلسلة من التحولات العنيفة:

* نهاية الملكية.

* صعود الجمهورية.

* الانقلابات العسكرية.

* الأنظمة الحزبية.

* الدكتاتورية.

* الحروب.

* الاحتلال.

* النظام السياسي الجديد.

وفي ظل هذا التاريخ المضطرب يبحث بعض الناس عن صورة لماضٍ أكثر استقراراً، حتى لو كان ذلك الماضي يحمل تناقضاته ومآسيه.

لكن مسؤولية المؤرخ والمثقف ليست صناعة الحنين، بل تفكيك الأوهام.

فالعهد الملكي لم يكن جنة ضائعة، كما أن العهود التي جاءت بعده لم تكن كلها شراً مطلقاً.. التاريخ أكثر تعقيداً من الشعارات.

**الخلاصة

إن تمجيد العهد الملكي العراقي اليوم ليس مجرد دفاع عن مرحلة تاريخية، بل أصبح جزءاً من صراع سياسي حول هوية الدولة العراقية ومستقبلها.

ولعل الأخطر من ذلك أن بعض هذه الخطابات لا يمكن فصلها، في نظر عدد من الباحثين، عن امتداد رؤية سياسية تستعيد فلسفة النفوذ البريطاني التي رافقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، حين أُنشئ نظام سياسي صُمم بما ينسجم مع المصالح البريطانية آنذاك، وأُسندت السلطة إلى نخب هجينة وغريبة وعميلة محددة لضمان استقرار النفوذ الاستعماري… ؛  ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الرأي أن بعض الدعوات المعاصرة إلى إحياء النموذج الملكي أو إعادة إنتاج توازناته السياسية لا تقتصر على الحنين إلى الماضي، بل تعكس رغبة في إعادة الاعتبار للبنية السياسية القديمة التي كانت تقوم على احتكار السلطة من قبل الاقلية السنية الكريمة والفئة الهجينة ، على حساب مبدأ المشاركة الشعبية الأوسع واقصاء وتهميش الاغلبية العراقية الاصيلة .

ولهذا يجب قراءة الظاهرة باعتبارها تداخلاً بين:

* الحنين الطبقي.

* الصراع السياسي المعاصر.

* تأثيرات الذاكرة الجماعية.

* المصالح الإقليمية والدولية.

فالمشكلة ليست في أن يختلف العراقيون حول تقييم الماضي، بل في أن يتحول الماضي إلى مشروع لإلغاء حاضر العراقيين أو إعادة إنتاج امتيازات طائفية وعرقية وعنصرية ومناطقية انتهى زمنها.

فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والشعوب لا تبنى باستعادة قصور الماضي، بل ببناء دولة يشعر فيها الفلاح والعامل والمثقف والموظف بأنهم شركاء متساوون في الوطن.