شهادات العراقيين: الذاكرة الشعبية في مواجهة صورة “العصر الملكي الذهبي”

رياض سعد

إن التاريخ لا يُكتب فقط في دواوين الحكومات وتقارير الوزارات، بل يُكتب أيضاً في ذاكرة الناس الذين عاشوا الأحداث ودفعوا ثمن السياسات العامة. فهناك فرق كبير بين تاريخ القصور والوزارات، وتاريخ الأزقة والقرى والبيوت الطينية والصرائف.

وعندما نستمع إلى شهادات العراقيين الذين عاصروا العهد الملكي، نجد صورة مختلفة عن الصورة الرومانسية التي تُقدَّم أحياناً في بعض الخطابات المعاصرة. فالكثير من أبناء تلك المرحلة يتحدثون عن حياة قاسية اتسمت بالفقر، وانتشار الأمراض، وضعف الخدمات، وهيمنة الإقطاع في الريف، وصعوبة الوصول إلى التعليم والعلاج.

كان كبار السن الذين عاشوا تلك الحقبة يروون أن حياة الفلاح العراقي لم تكن مرتبطة فقط بمشكلة الفقر، بل بشعور دائم بالعجز أمام منظومة اجتماعية جعلت الأرض في يد قلة من الملاكين، بينما بقي العامل الحقيقي في الزراعة، أي الفلاح، بلا ملكية ولا ضمان اجتماعي.

ويقول بعض أبناء الريف في شهاداتهم إن الفلاح كان يعمل طوال الموسم الزراعي، لكنه في النهاية لا يحصل إلا على جزء محدود من المحصول، بينما تذهب الحصة الأكبر إلى صاحب الأرض. وكانت سلطة الإقطاعي لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية، حتى أصبح كثير من الفلاحين يشعرون بأنهم خارج دائرة الدولة.

كما تروي شهادات أخرى من سكان المدن أن مناطق واسعة من بغداد والمحافظات كانت تعاني ضعف الخدمات الأساسية، وأن السكن في البيوت الطينية والصرائف كان ظاهرة واسعة بين الفقراء، وأن الأمراض كانت تحصد أرواحاً كثيرة بسبب محدودية الرعاية الصحية وانتشار الجهل الطبي.

ويذكر عدد من المعاصرين لتلك المرحلة أن المدرسة لم تكن متاحة لجميع الأطفال، وأن أعداداً كبيرة من أبناء الريف كانت محرومة من التعليم، الأمر الذي ساهم في استمرار دائرة الفقر والتهميش جيلاً بعد جيل.

هذه الشهادات لا تعني أن كل العراقيين عاشوا التجربة نفسها؛ فهناك من كانت له ذكريات إيجابية عن تلك الفترة، خصوصاً من الفئات التي استفادت من الاستقرار النسبي أو قربها من مؤسسات الدولة. لكن المشكلة تكمن في تحويل تجربة جزء من المجتمع إلى صورة تمثل العراق كله.

فالعراق الملكي كان عراقين في آن واحد:

عراق النخب السياسية  والاجتماعية ذات الجذور الاجنبية والاصول غير العراقية والطبقات الميسورة والمرتبطة بالاحتلال البريطاني والنفوذ الخارجي في العاصمة بغداد ، حيث الإدارة والوظائف والمجالس الرسمية.

وعراق الأغلبية الشعبية في الريف والأحياء والمدن  الفقيرة، حيث الصراع اليومي مع الجوع والمرض والجهل والحرمان.

ولهذا فإن شهادات العراقيين تشكل وثيقة اجتماعية مهمة؛ لأنها تذكّرنا بأن تقييم أي نظام سياسي لا يكون فقط بما تركه من مبانٍ ومؤسسات، بل بما تركه في حياة الناس العاديين.

فالدولة التي لا تصل إلى الفلاح والعامل والفقير، تبقى دولة ناقصة مهما كانت أناقة مؤسساتها وشعاراتها.

 أما التقليل من قيمة تلك الشهادات الميدانية والتاريخ الشفهي، ووصفها بأنها مجرد “كلام جرائد” أو “أحاديث العامة” أو “روايات غير جديرة بالاعتبار”، فهو في كثير من الأحيان لا يعكس منهجاً علمياً بقدر ما يكشف عن رغبة في احتكار كتابة التاريخ وإقصاء كل رواية لا تنسجم مع السردية التي يتبناها أصحابها. فالتاريخ الاجتماعي لا يُبنى على الوثائق الرسمية وحدها، بل يكتمل أيضاً بشهادات المعاصرين، والذاكرة الشعبية، والمذكرات الشخصية، والروايات الشفهية، متى ما خضعت للنقد والمقارنة والتوثيق.

إن ازدراء هذه الشهادات، ووصف أصحابها بالجهل أو الغوغائية، لا يمثل نقاشاً علمياً، بل يعكس حالة من التعالي الفكري والإقصاء، ويكشف عن عقلية هجينة ومنكوسة لا تؤمن بالحوار الوطني ، بل تسعى إلى نزع الشرعية عن كل رواية تاريخية تخالف قناعاتها المسبقة.

ومن اللافت أن بعض الجهات والتيارات  الهجينة والطائفية والمنكوسة والعنصرية والقومية التي تتبنى هذا الخطاب لا تنطلق من قراءة تاريخية محايدة، وإنما من مواقف أيديولوجية  منكوسة أو سياسية مشبوهة  تحاول إعادة إنتاج سردية واحدة، وتتعامل مع التاريخ بوصفه أداة للصراع السياسي لا ميداناً للبحث العلمي… ؛  ولذلك فإنها تهاجم الشهود والرواة بدلاً من مناقشة الوقائع، وتشكك في الذاكرة الجمعية العراقية بدلاً من فحصها وفق المنهج التاريخي.

ويكاد بعضهم يطالبنا بأن نُكذِّب ذاكرة شعبٍ بأكمله، وأن نتجاهل آلاف الشهادات والروايات التي تناقلتها الأجيال، لنُسلِّم بالمقابل برواياتٍ محدودة كتبها أو روج لها أشخاص ارتبطت مواقفهم بمصالح سياسية أو أيديولوجية، أو انحازت إلى قوى خارجية أو إلى السلطة القائمة آنذاك. وكأن التاريخ لا يُكتب إلا بأقلام المنتصرين، ولا تُقبل من الشهادات إلا تلك التي توافق الرواية الرسمية أو تخدم مشروعاً سياسياً بعينه…!!

إن الباحث الجاد لا يخشى تعدد الروايات، بل يخضعها للنقد والتحليل والمقارنة… ؛ أما من يبدأ بتجريم الشهود وازدراء الذاكرة الشعبية، فإنه يكشف عن ضعف حجته أكثر مما يثبت صحة روايته.