رياض سعد
لم تكن ثمانينيات القرن العشرين في العراق مجرد عقدٍ من الزمن مرّ وانقضى، بل كانت مرحلةً تاريخية مثقلة بالجراح والدموع والخسارات الإنسانية الكبرى… ؛ فقد عاش العراقيون، ولا سيما أبناء الجنوب والوسط والطبقات الشعبية الواسعة، تحت وطأة نظام سياسي جعل من الحرب أداةً للسيطرة، ومن الولاء الشخصي والحزبي معياراً للنجاة، ومن الاختلاف الطائفي والمناطقي مدخلاً للتمييز والإقصاء.
لقد كان الشاب العراقي في تلك الحقبة يعيش بين احتمالين كلاهما مرّ: أن يُرسل إلى جبهات القتال التي لا تنتهي، أو أن يقع تحت سطوة الأجهزة الأمنية إذا عبّر عن رأي مخالف أو وُسم بتهمة سياسية.
فالحرب العراقية الإيرانية التي بدأت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت في الداخل العراقي إلى آلة استنزاف بشرية هائلة، أكلت أعمار جيل كامل، وحوّلت ملايين الشباب إلى وقود للمعارك.
كان الشاب الذي يبلغ سن الخدمة العسكرية يُدفع إلى الجبهة، حاملاً بندقيته وسط ظروف قاسية، في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، بين الحر والبرد والطين والخوف وانتظار الموت. كثيرون ذهبوا وهم يحملون أحلامهم وشهاداتهم ومستقبلهم، ثم انتهوا بين قتيل أو جريح أو أسير أو مفقود، فيما بقيت عوائلهم سنوات طويلة معلقة بين الأمل واليأس بانتظار خبر عن مصير أبنائها.
لكن المأساة لم تكن واحدة عند جميع العراقيين؛ فقد ارتبطت في كثير من الأحيان بانتماءات اجتماعية ومناطقية وطائفية… ؛ فقد عانى أبناء الجنوب والوسط، الذين يشكلون شريحة واسعة من المجتمع العراقي، من شعور عميق بالتهميش والتمييز في ظل هيمنة قيادات عسكرية وحزبية ارتبطت بصورة كبيرة بالمناطقية والطائفية ، ولا سيما مع صعود نفوذ أبناء مدينة تكريت والمقربين من دائرة السلطة.
لم يكن الأمر متعلقاً بأصل جغرافي بحد ذاته، فالعراقيون جميعاً أبناء وطن واحد، وإنما بالمشكلة التي نتجت عن تحويل الانتماء المناطقي والعشائري والطائفي إلى أداة نفوذ داخل الدولة، بحيث أصبحت فرص القرب من السلطة والامتيازات العسكرية والأمنية مرتبطة أحياناً بالولاء الشخصي والقرابة السياسية، بينما شعر كثير من أبناء المناطق الأخرى بأنهم يدفعون الثمن الأكبر في الحروب والمواجهات.
وقد تعرض العراقيون الشيعة، بصورة خاصة، إلى سياسات قمعية ممنهجة في مراحل مختلفة من حكم حزب البعث، إذ كانت السلطة تنظر إلى قطاعات واسعة منهم بعين الريبة والاتهام السياسي، وتربط بينهم وبين قوى خارجية لمجرد الانتماء المذهبي أو الاجتماعي… ؛ هذه النظرة أنتجت خطاباً إقصائياً خطيراً، جعل المواطن يُحاسب أحياناً على هويته لا على أفعاله، ويُعامل كمتهم حتى يثبت ولاءه للنظام.
فحتى الجندي الذي يقاتل في صفوف الجيش العراقي لم يكن دائماً بمنأى عن الشكوك الأمنية؛ إذ كان بعض أبناء الجنوب يُنظر إليهم باعتبارهم موضع شبهة، وتُفرض عليهم رقابة أشد، وكأن انتماءهم الاجتماعي أو المذهبي تهمة قائمة بذاتها… ؛ وهنا تكمن إحدى أكثر صور الاستبداد قسوة: حين يفقد المواطن شعوره بأنه جزء طبيعي من وطنه، ويصبح مطالباً بإثبات عراقيته باستمرار.
ولم تقتصر المعاناة على ساحات القتال، بل امتدت إلى الحياة اليومية… ؛ فالمعتقلات والسجون السياسية، وحملات الملاحقة، والخوف من التقارير الحزبية والأمنية، كلها صنعت مجتمعاً يعيش تحت ضغط دائم… ؛ كان المواطن يخشى الكلمة، ويحسب حساب العبارة، وقد تتحول إشاعة أو تقرير كيدي إلى سبب لفقدان الحرية أو اختفاء الإنسان من دون أثر.
كما خلفت الحرب آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة؛ فجيل كامل عاد من الجبهات مثقلاً بذكريات الموت والفقدان والإصابات، ليجد نفسه في مجتمع أنهكته العقوبات والحصار والدمار الاقتصادي… , كثير من الشباب الذين خرجوا إلى الحرب وهم في مقتبل العمر عادوا وهم يحملون أجساداً مثقلة بالجراح وأرواحاً أنهكتها التجارب القاسية.
أما العوائل، فقد عاشت هي الأخرى مآسي لا تقل قسوة؛ أم تنتظر ابنها المفقود، وزوجة تنتظر زوجاً لا تعرف هل سيعود أم لا، وأب يبحث بين قوائم الأسرى والقتلى عن اسم ولده… ؛ كانت أخبار الجبهات تصل محملة بالخوف، وكانت سيارات نقل الجثامين التي تصل إلى المدن والقرى تحمل معها لحظات رعب جماعي؛ إذ كان كل بيت يخشى أن يكون هو البيت التالي الذي يستقبل خبر الفقد.
لقد تركت تلك المرحلة جرحاً عميقاً في الذاكرة العراقية؛ جرحاً لا يتعلق فقط بالحرب، بل بمنظومة سياسية جعلت الإنسان العراقي يدفع أثماناً باهظة بسبب موقعه الاجتماعي أو منطقته أو مذهبه أو موقفه السياسي. فالوطن لا يُبنى عندما يشعر جزء من أبنائه أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ولا تستقيم الدولة حين تتحول السلطة إلى امتياز لفئة على حساب أخرى.
إن دراسة تلك الحقبة لا ينبغي أن تكون بهدف إعادة إنتاج الانقسامات أو الانتقام التاريخي، بل بهدف فهم كيف يمكن للاستبداد والحروب والعصبيات الضيقة أن تدمر مجتمعاً بأكمله… , فالعراق لم يخسر في الثمانينيات أبناءه فقط، بل خسر جزءاً كبيراً من طاقته البشرية ومستقبله الاقتصادي والاجتماعي.
لقد كانت الثمانينيات زمناً ثقيلاً على ملايين العراقيين؛ زمناً شهد فيه الوطن نزيفاً مستمراً، ودفع فيه المواطن البسيط الثمن الأكبر… , ومن واجب الذاكرة التاريخية أن تحفظ معاناة الضحايا جميعاً، وأن تؤكد أن كرامة العراقي لا يجب أن ترتبط بمذهبه أو منطقته أو قربه من السلطة، بل بكونه إنساناً ومواطناً له الحق الكامل في الحياة والحرية والعدالة.
فالأوطان لا تنهض إلا عندما يصبح الجميع متساوين تحت راية القانون، وعندما لا يكون انتماء الإنسان سبباً لخوفه، بل مصدر اعتزازه.