جنازة تحت الحراسة… نظام يخاف من شعبه حتى في يوم الدفن

لم تكشف جنازة خامنئي قوة النظام بقدر ما كشفت خوفه العميق من المجتمع. فالسلطة التي أرادت تحويل دفن الجثة إلى مشهد هيبة ووحدة، اضطرت في الوقت نفسه إلى إحاطة المدن بإجراءات أمنية واسعة، وإغلاق الطرق، ونشر الحرس والباسيج وأجهزة الاستخبارات، ومراقبة الشوارع والميادين كأنها تستعد لمواجهة انتفاضة لا لمراسم دفن. وهذا وحده يكفي لإظهار طبيعة اللحظة: النظام لم يكن واثقاً من شعبه، بل كان يخشى أن تتحول الجنازة إلى فرصة لكسر الصمت.
في الظاهر، قدّمت طهران المشهد بوصفه وداعاً رسمياً لزعيم مات. لكن في العمق، كان الأمر عملية أمنية قبل أن يكون طقساً سياسياً. فكل مسار، وكل تجمع، وكل صورة، كانت خاضعة لحساب الخوف. فالنظام يعرف أن موت خامنئي لا يثير في المجتمع الإيراني شعوراً موحداً بالحزن، بل يفتح ذاكرة واسعة من القمع والإعدامات والفقر والحروب والتدخلات الخارجية. لذلك لم يكن هدف الأجهزة حماية الجثة فقط، بل حماية الرواية التي أراد النظام فرضها حولها.
كانت الرسالة الرسمية واضحة: الدولة ما زالت تمسك بالشارع، والحرس حاضر، والأجنحة موحدة، والناس خلف السلطة. غير أن كثافة الإجراءات الأمنية قالت الرسالة المعاكسة. فالنظام الذي يزعم أن ملايين الناس خرجوا طوعاً، لماذا يحتاج إلى كل هذا الحصار؟ ولماذا يخاف من المسارات المفتوحة، ومن التجمعات العفوية، ومن أي صوت لا يمر عبر مكبرات السلطة؟ هذا التناقض بين خطاب الثقة وممارسة الخوف هو جوهر الأزمة بعد خامنئي.
غير أن الرواية تكسرت من الداخل. ففي مشهد، وفي توقيت الدفن، دوّى شعار «لعنة على خامنئي… تحية لرجوي»، ليؤكد أن كل هذا الطوق الأمني لم يمنع صوت المقاومة من اختراق اللحظة الأكثر حساسية. هذا الشعار كان كافياً لإرباك المعنى الذي أراده النظام للجنازة. فقد أرادوا مدينة صامتة خلف الجثة، فإذا بصوت معارض يعلن أن الخوف لم يعد مطلقاً، وأن الرفض ما زال حياً في قلب المشهد.
وتزامن ذلك مع ضربات أخرى في فضاءات لا تقل حساسية. فالجامعات دخلت المعركة عبر عملية استبدال الصفحات الرئيسية لـ900 موقع تابع لـ12 جامعة برسائل مرتبطة بالمقاومة، كما تواصلت نشاطات وحدات المقاومة في مدن عدة. وبذلك لم يعد المشهد محصوراً في شارع واحد أو شعار واحد، بل بدا كشبكة رسائل متزامنة تقول إن النظام، رغم استنفاره، لا يستطيع إغلاق كل المساحات: الشارع، الجامعة، والفضاء الرقمي.
أهمية هذه الوقائع أنها حدثت في لحظة أراد النظام تقديمها كدليل سيطرة. فلو كان واثقاً من ولاء الناس، لما احتاج إلى هذا الحجم من التعبئة الأمنية. ولو كان مطمئناً إلى تماسك الداخل، لما تعامل مع الجنازة كحدث قابل للانفجار. الأنظمة القوية لا تخاف من مراسم دفن قادتها، أما الأنظمة المأزومة فتخشى حتى الهمس حول النعش.
لقد أراد نظام ولاية الفقيه أن يقول إن خامنئي رحل، لكن سلطته باقية. إلا أن الجنازة تحت الحراسة قالت شيئاً آخر: السلطة باقية بالخوف، لا بالشرعية. وما بعد خامنئي لا يبدأ من اسم الوريث فقط، بل من هذا السؤال الأكبر: كيف يستطيع نظام يخاف من شعبه حتى في يوم الدفن أن يدّعي أنه خرج منتصراً ومتماسكاً؟