إيهاب مقبل
قد يبدو مشهد شاب أو أسرة في باكستان تحتضن كلبًا سائبًا أو تعالج قطة مصابة مفاجئًا بالنسبة إلى بعض المتابعين في العالم العربي، خاصة في ظل الصورة النمطية التي تربط المجتمع الباكستاني بالتحفظ تجاه الكلاب لأسباب دينية وثقافية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بروز عشرات المبادرات التطوعية والجمعيات المحلية التي جعلت من إنقاذ الحيوانات المشردة، وفي مقدمتها الكلاب والقطط، نشاطًا إنسانيًا متناميًا يحظى بمتابعة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وباتت مقاطع الفيديو التي توثق إنقاذ الجراء والقطط الصغيرة، أو علاج الحيوانات المصابة وإعادة تأهيلها، تحصد ملايين المشاهدات، في مشهد يعكس تنامي الوعي بقضايا الرفق بالحيوان في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 259 مليون نسمة، ويواجه تحديات كبيرة تتعلق بانتشار الحيوانات السائبة في المدن والقرى.
مبادرات يقودها أفراد ومتطوعون
لا تعتمد معظم مبادرات إنقاذ الحيوانات في باكستان على مؤسسات حكومية، بل يقودها أفراد ومتطوعون وأطباء بيطريون وجمعيات خيرية تعتمد غالبًا على التبرعات والجهود الشخصية. ويعمل هؤلاء على إنقاذ الحيوانات المصابة أو المهجورة من الشوارع، ونقلها إلى أماكن آمنة، سواء في مراكز إيواء مؤقتة أو داخل منازل بعض المتطوعين، حيث تتلقى العلاج والغذاء والرعاية اللازمة، قبل أن يُعاد إطلاق بعضها في بيئات مناسبة أو يُعرض للتبني.
وتضم هذه الملاجئ والمنازل التي تحولت إلى أماكن رعاية مؤقتة كلابًا وقططًا من مختلف الأعمار، بينها حيوانات تعرضت لحوادث سير أو كسور أو أمراض جلدية، إضافة إلى جراء وقطط صغيرة فقدت أمهاتها أو عجزت عن البقاء في الشوارع. ويحرص القائمون على هذه المبادرات على توثيق مراحل الإنقاذ والعلاج والتعافي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف نشر ثقافة الرفق بالحيوان وتشجيع مزيد من الأشخاص على المساهمة في رعايتها.
ومن بين المبادرات التي لفتت الانتباه على منصة يوتيوب قناة Paws & Promises، التي تنشر مقاطع توثق عمليات إنقاذ الكلاب والقطط المشردة، وعلاجها وإيوائها، قبل البحث عن أسر تتبناها. كما برزت قناة Rrr-woof! Bow-wow!، التي تعرض عمليات إنقاذ ورعاية للكلاب والقطط السائبة، وتوثق مراحل علاجها وتعافيها.
وقد أسهمت هذه القنوات، إلى جانب مبادرات أخرى يقودها أفراد ومتطوعون، في تغيير نظرة كثير من المتابعين إلى الحيوانات المشردة، وتحويل قصص إنقاذها من مشاهد عابرة في الشوارع إلى محتوى إنساني يحظى بمتابعة واسعة داخل باكستان وخارجها.
الكلاب والقطط في المدن الباكستانية
تنتشر الحيوانات السائبة في عدد من المدن الباكستانية الكبرى، مثل كراتشي ولاهور وإسلام آباد، نتيجة عوامل متعددة، من بينها النمو الحضري السريع، وتوفر مصادر الغذاء في مكبات النفايات، والتخلي عن بعض الحيوانات المنزلية.
وتواجه البلديات تحديات في إدارة هذه الظاهرة، لذلك تلجأ بعض المناطق إلى برامج التطعيم ضد داء السعار، وتعقيم الكلاب والقطط للحد من تكاثرها، بالتعاون مع جمعيات الرفق بالحيوان والمنظمات البيطرية.
ويرى ناشطون في هذا المجال أن الإدارة العلمية للحيوانات السائبة، والتي تشمل التعقيم والتطعيم وتحسين إدارة النفايات، أكثر فاعلية من حملات القتل العشوائي، لأنها تسهم في السيطرة على أعداد الحيوانات دون الإخلال بالتوازن البيئي.
بين الفقه والرحمة
رغم أن غالبية سكان باكستان يتبعون المذهب الحنفي، الذي يرى نجاسة لعاب الكلب، فإن ذلك لم يمنع كثيرًا من الباكستانيين من الانخراط في أعمال إنقاذ الحيوانات ورعايتها.
ويشير باحثون في الشأن الإسلامي إلى أن أحكام الطهارة تختلف عن مبدأ الرفق بالحيوان، إذ يحث الإسلام على الرحمة بجميع المخلوقات، وقد وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية نصوص تؤكد ضرورة الإحسان إلى الحيوان، والنهي عن تعذيبه أو تجويعه.
ومن الآيات التي يستشهد بها المهتمون بقضايا الرفق بالحيوان قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، الأنعام: 38.
ويستدل كثيرون بهذه الآية على أن الحيوانات مخلوقات لها حياتها ونظمها الخاصة، وأن التعامل معها ينبغي أن يقوم على المسؤولية والرحمة، لا على الإيذاء أو العبث.
كما يستشهد العلماء بقصة الرجل الذي غفر الله له بسبب رحمته بكلب عطشان، إذ قال النبي ﷺ: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له». فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال ﷺ: «في كل كبد رطبة أجر»، متفق عليه.
ويرى ناشطون في مجال رعاية الحيوان أن هذه المبادئ تشكل دافعًا أخلاقيًا لدى كثير من الأفراد والمتطوعين الذين يقدمون الطعام والعلاج للحيوانات المشردة، معتبرين أن الرحمة بالحيوان لا ترتبط فقط بامتلاكه أو تربيته داخل المنزل، بل تشمل أيضًا إنقاذه من الألم والجوع والمرض.
ولهذا يميز كثير من الأفراد والمتطوعين بين تقديم الرعاية الطبية والغذاء للحيوانات المشردة، وبين الأحكام الفقهية المتعلقة بالطهارة أو اقتناء الكلاب داخل المنازل، معتبرين أن إنقاذ حيوان مصاب أو جائع يدخل في باب الرحمة والإحسان.
وسائل التواصل تصنع ثقافة جديدة
ساهمت منصات مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام في إبراز قصص نجاح العديد من المبادرات الباكستانية، حيث يتابع ملايين الأشخاص حول العالم عمليات إنقاذ الحيوانات خطوة بخطوة، من لحظة العثور عليها في الشارع، مرورًا بعلاجها وتأهيلها، وصولًا إلى تبنيها من قبل أسر جديدة.
ومن أكثر المشاهد التي تكررت في مقاطع الإنقاذ بباكستان تلك التي تظهر فيها كلبة أم وقد أنهكها الجوع أو أصابها الخوف، وهي تقود المتطوعين إلى أماكن وجود جرائها المبعثرة بين الأشجار أو الأنقاض أو أكوام النفايات أو تحت المركبات، في مشهد يكشف حجم معاناة الحيوانات المشردة وحاجتها إلى الرعاية.
ويوثق المتطوعون لحظات انتشال الجراء واحدًا تلو الآخر، ثم إعادة جمعها مع أمها، ومن ثم نقلها إلى أماكن آمنة لتلقي التطعيم والعلاج والغذاء. وتحظى هذه المشاهد بتفاعل واسع من المتابعين، لأنها تبرز غريزة الأمومة لدى الحيوانات، وتكشف جانبًا إنسانيًا من معاناة كائنات تواجه الجوع والمرض وحوادث الطرق والظروف المناخية القاسية.
ويرى القائمون على هذه المبادرات أن هذه القصص لا تقتصر على إنقاذ حيوان واحد، بل تساعد في نشر ثقافة الرحمة والمسؤولية، وتشجع مزيدًا من الأشخاص على المشاركة في رعاية الحيوانات أو دعم الجهات التي تعمل في هذا المجال.
تحديات مستمرة
ورغم تنامي المبادرات التطوعية، لا تزال الجمعيات العاملة في هذا المجال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية التمويل، وارتفاع تكاليف العلاج البيطري، ونقص مراكز الإيواء، إلى جانب استمرار أعداد كبيرة من الحيوانات السائبة في الشوارع.
ويؤكد ناشطون أن الحد من الظاهرة يتطلب تعاونًا بين البلديات والجهات البيطرية والجمعيات الأهلية، عبر برامج متكاملة تشمل التعقيم والتطعيم، وتحسين إدارة النفايات، وتشديد الرقابة على التخلي عن الحيوانات الأليفة، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الرفق بالحيوان.
وفي ظل هذه الجهود، أصبحت باكستان تقدم نموذجًا متناميًا في العمل التطوعي لرعاية الحيوانات المشردة، حيث يجمع كثير من الأفراد والمتطوعين بين الالتزام بقيمهم الدينية والاجتماعية، والإيمان بأن الرحمة بالحيوان مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا تتعارض مع مبادئ الإسلام، بل تنسجم مع دعوته إلى الرفق بكل كائن حي.
فيديوهات توثق معاناة الكلاب المشردة وعلاقة الإنسان بها في باكستان:
انتهى