غياب مجتبى… جنازة خامنئي تكشف مأزق التوريث

كان من المفترض أن تتحول جنازة خامنئي إلى لحظة إعلان غير مباشر عن استمرار السلطة داخل البيت نفسه. فالنظام الذي قام طوال عقود على مركزية شخص الولي الفقيه كان يحتاج، بعد دفن جثة خامنئي، إلى صورة واضحة تطمئن الحرس الثوري، والحوزات، ومراكز القرار، والقاعدة الموالية، بأن انتقال السلطة مضبوط وأن الوريث قادر على الإمساك بالخيوط. لكن الغائب الأبرز عن المشهد كان مجتبى خامنئي نفسه، وهذا الغياب لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل علامة سياسية عميقة على مأزق التوريث.
في الأنظمة المغلقة، لا تصنع الشرعية عبر النصوص فقط، بل عبر الصورة أيضاً. كان ظهور مجتبى في لحظة دفن والده سيُقرأ كرسالة قوة: الوريث حاضر، العائلة ممسكة، الحرس راضٍ، والمؤسسات تقبل الأمر الواقع. لكن عدم ظهوره، أو ظهوره الباهت وغير الحاسم، فتح باب الأسئلة بدلاً من إغلاقه. هل يخشى النظام على أمنه؟ هل توجد اعتراضات داخلية على وراثته؟ هل لم يحسم الحرس الثوري موقفه؟ وهل تستطيع منظومة ولاية الفقيه أن تنتقل من شرعية دينية مزعومة إلى توريث عائلي مكشوف من دون أن تنفجر تناقضاتها؟
إن مأزق مجتبى لا يتعلق بشخصه فقط، بل بطبيعة النظام كله. فالنظام الذي هاجم الملكية لعقود يجد نفسه اليوم أمام محاولة توريث تشبه ما كان يدّعي أنه ثار عليه. وهنا تصبح المقارنة بين الشاه والملالي أكثر إرباكاً للنظام: كلاهما يريد احتكار السلطة، وكلاهما يخاف من الشعب، وكلاهما يبحث عن استمرار عائلي أو مغلق للحكم. لذلك فإن شعار «لا للشاه ولا للملالي» يكتسب في هذه اللحظة معنى مضاعفاً؛ إنه رفض للاستبدادين معاً، لا مجرد موقف من الماضي.
غياب مجتبى جاء أيضاً في لحظة لم يكن النظام فيها موحداً. فالهجمات على مسعود بزشكيان وعباس عراقجي، واتهام بعض التيارات لهما بالمساومة أو الخيانة، كشفت أن الجنازة لم تنجح في توحيد الأجنحة. وإذا كان خامنئي قد لعب طوال عقود دور الحكم الأعلى بين الحرس، والحكومة، والبرلمان، والمؤسسات الدينية، فإن مجتبى لا يرث سلطة مستقرة، بل يرث حقل ألغام: اقتصاداً منهكاً، مجتمعاً غاضباً، صراعاً داخلياً، وضغطاً خارجياً متصاعداً.
والأخطر على مشروع التوريث أن المجتمع لم يظهر خاضعاً. في مشهد، تزامن دفن خامنئي مع بث شعار «لعنة على خامنئي… تحية لرجوي». وفي الجامعات، ظهرت عملية استبدال صفحات 900 موقع تابع لـ12 جامعة برسائل مرتبطة بالمقاومة. هذه الوقائع تقول إن معركة الخلافة لا تجري فقط داخل الغرف المغلقة، بل أمام شعب يرفض أصل النظام، لا مجرد اسم الوريث.
لقد أرادت السلطة أن تجعل من الجنازة جسراً نحو تثبيت مجتبى، فإذا بها تكشف أن الجسر هش، وأن التوريث لم يتحول إلى استقرار. فالجثة دُفنت، لكن سؤال الخلافة بقي مفتوحاً. وما بعد خامنئي لا يبدو انتقالاً منظماً للسلطة، بل بداية صراع بين عائلة تريد الوراثة، وحرس يريد الوصاية، وأجنحة تخشى الخسارة، وشعب ومقاومة منظمة يرفضان بقاء النظام من أساسه.