دخل نظام ولاية الفقيه مرحلة جديدة بعد دفن جثة خامنئي، لكنها ليست مرحلة تثبيت كما يحاول إعلامه تصويرها، بل مرحلة انكشاف عميق. فقد غاب الرجل الذي كان يمسك طوال عقود بتوازنات السلطة، ويمنع صراعات الأجنحة من التحول إلى انفجار مفتوح. وبرحيله، لم يعد النظام يواجه سؤال الوريث فقط، بل سؤال البقاء نفسه: من يملك القدرة على ضبط الحرس، والحكومة، والمؤسسات الدينية، والشارع، في وقت واحد؟
حاولت السلطة أن تعوض هذا الفراغ باستعراض الجنازة. أرادت أن تقول إن المؤسسات تعمل، والحشود حاضرة، والأجهزة قادرة، والانتقال جارٍ بلا اضطراب. لكن ما ظهر على الأرض كان مختلفاً. فالمدن تحولت إلى ساحات مراقبة، والجنازة أُحيطت بإجراءات أمنية مشددة، والأجنحة لم تستطع إخفاء خلافاتها، بينما خرجت من داخل المجتمع إشارات منظمة تكسر رواية الخضوع. وهنا بدا أن النظام لا يدير مرحلة ثقة، بل مرحلة خوف من كل صوت وكل صورة وكل حركة خارج السيناريو الرسمي.
في مشهد، وفي توقيت الدفن، دوّى شعار «لعنة على خامنئي… تحية لرجوي»، ليقول إن الصوت المعارض لم ينتظر انتهاء المراسم كي يظهر. وفي الجامعات، جرى استبدال الصفحات الرئيسية لـ900 موقع تابع لـ12 جامعة برسائل مرتبطة بالمقاومة، في دلالة على أن الجيل الجديد لا يقبل أن يُختصر مستقبل إيران بين توريث مجتبى أو وصاية الحرس. وفي مدن عدة، تواصلت نشاطات وحدات المقاومة، ما أكد أن المجتمع لم يُسحق، وأن التنظيم تحت السطح لم يتراجع، بل صار أكثر جرأة في اختيار لحظاته.
هنا تكمن نقطة التحول. فالنظام بلا خامنئي لا يواجه فقط معارضة سياسية، بل مقاومة تعرف كيف تربط بين الغضب الشعبي، والجامعة، والفضاء الرقمي، والشارع. وهذا ما يميز المرحلة الحالية عن احتجاجات معزولة يمكن قمعها مؤقتاً. نحن أمام بنية مقاومة تظهر في لحظات حساسة، وتحوّل استعراضات السلطة إلى لحظات انكشاف، وتذكّر بأن الخوف لم يعد يسير في اتجاه واحد. فكلما حاول النظام إثبات السيطرة من الأعلى، ظهرت من الأسفل رسائل تقول إن إيران الحقيقية لا تعيش في مواكب الجنازة، بل في المدن التي تختزن الغضب والاستعداد.
في المقابل، المجتمع الإيراني يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي هائل: فقر متزايد، بطالة، فساد، إعدامات، وانسداد سياسي. هذا المجتمع يشبه نابضاً مضغوطاً؛ قد يبدو ساكناً من الخارج، لكنه يختزن طاقة انفجار كبيرة. وعندما يلتقي هذا الاحتقان مع مقاومة منظمة، يصبح كل شرخ داخل السلطة، وكل أزمة معيشية، وكل صراع بين الأجنحة، احتمالاً لاندلاع موجة أوسع. ولهذا يخشى النظام وحدات المقاومة أكثر من أي شعار عابر، لأنها تمنح الغضب شكلاً واتجاهاً وقدرة على الاستمرار.
لقد حاول النظام أن يجعل من دفن خامنئي لحظة عبور آمن، لكنه كشف أنه دخل مرحلة بلا رأس ثابت، وبلا شرعية قادرة على ترميم الخوف. أما المقاومة، فقد ظهرت في اللحظة نفسها كعامل منظم لا كصوت عابر. لذلك فإن ما بعد خامنئي لن تحدده العائلة أو الحرس وحدهما، بل معادلة جديدة: نظام فاقد للتوازن، ومجتمع يغلي، ومقاومة منظمة تفتح طريق الانتقال نحو إيران حرة وديمقراطية.
ما بعد خامنئي… مقاومة منظمة في مواجهة نظام بلا رأس