رجالٌ عبروا الأرض الحرام مرتين

رياض سعد

الفصل الأول

**المدينة التي كانت تحفظ أسماء أبنائها**

لم تكن **طوزخورماتو** مدينةً كبيرة، لكنها كانت تتسع لقلوب أهلها جميعاً… كانت تمتد على سفوح الأرض مثل سجادة نسجتها قرونٌ من التعايش، تظللها مآذن الجوامع، وتجاورها حسينياتٌ تحفظ أسماء الشهداء كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن… هناك، كان التركمان الشيعة يعيشون بين بساتين الرمان والعنب وحقول الحنطة، يعرف بعضهم بعضاً بالاسم، حتى إن الغريب إذا دخل المدينة شعر أن الناس جميعاً أقرباء، وإن اختلفت البيوت والأنساب.

في الأزقة العريضة ، كانت رائحة خبز التنور تختلط بدخان مواقد الحطب، بينما كانت النساء يرششن الماء أمام الأبواب مع أول النهار، وكأنهن يطفئن غبار الزمن قبل أن يشتد القيظ…  وكان الرجال يجلسون في المقاهي الصغيرة يحتسون الشاي الثقيل، يتبادلون أخبار الزراعة والأسواق، ثم لا يلبث الحديث أن ينتهي عند الحرب، لأن العراق في تلك السنوات لم يكن يعرف حديثاً أطول منها.

كانت الحرب قد تسللت إلى المدينة قبل أن يصلها صوت المدافع.. دخلت مع رسائل الاستدعاء العسكرية، ومع صور الجنود المعلقة في الدوائر الرسمية، ومع السيارات العسكرية التي كانت تقف بين الحين والآخر أمام أحد البيوت، فيصمت الحي كله قبل أن ينزل منها ضابط يحمل ظرفاً أصفر، أو جندياً يقود شاباً في إجازة قصيرة، أو نعشاً يلفه العلم.

أصبحت الأمهات يميزن بين أصوات السيارات كما يميزن بين أصوات أبنائهن.. فهناك سيارة تحمل الحياة، وأخرى تحمل الموت، وثالثة تترك الناس معلقين بين الرجاء والخوف.

في أحد أحياء المدينة القديمة، كانت تقف دار آل **البياتلي**، بيتاً واسعاً مبنياً من الطابوق الجمهوري ، تتوسطه شجرة توت هرمت مع أصحابها… كانت تلك الشجرة شاهدة على ولادة الأبناء، وعلى أفراحهم، وعلى كل دمعة ذرفتها أمهم وهي تودع واحداً منهم إلى الخدمة العسكرية.

كان الأب، **الحاج حسن البياتلي**، فلاحاً يعرف الأرض كما يعرف خطوط كفيه… لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يؤمن أن الإنسان إذا خان أرضه فلن يجد أرضاً تستره يوماً… أما زوجته **الحاجة زهراء**، فقد كانت ترى أبناءها الخمسة امتداداً لقلبها، وكانت كلما خرج أحدهم من الباب، تبقى واقفة حتى يختفي عن ناظريها، ثم تتمتم بالدعاء وكأن الدعاء حبلٌ تمسك به أبناءها من بعيد.

كان أكبر الأبناء **شافي**، ضابطاً في الجيش، ورث عن أبيه الصلابة، وعن أمه رقة القلب التي كان يخفيها خلف ملامحه الجادة… ؛  أما أخوه **لافي**، فكان أصغر منه بقليل، جنديا لم يتجاوز الخامسة والعشرين، يضحك كثيراً، ويؤمن أن الإنسان يستطيع أن ينتصر على الخوف إذا ابتسم في وجهه.

وكانت أمه تقول دائماً وهي تنظر إليهما :”الله خلقكم توأمين بالروح، حتى لو اختلفت أعماركم.”

وكان الجميع يبتسم، لأنهم كانوا يعرفون أن أحدهما لا يستطيع أن ينام إذا كان الآخر بعيداً عنه.

في ليالي الشتاء، كان البيت يمتلئ بالأقارب… يجلس الرجال في الديوان، بينما تتعالى أصوات النساء من الداخل، ويجري الأطفال بين الغرف غير مدركين أن الحرب تقف خارج الباب تنتظر أن يكبروا.

كان **لافي** يحب أن يجلس قرب جده، يستمع إلى حكايات كربلاء، وإلى قصص الرجال الذين ماتوا وهم يدافعون عن معتقدهم وأرضهم. وكان الشيخ العجوز يقول له دائماً: “يا ولدي… البطولة مو أن تقتل أكثر… البطولة أن تبقى إنساناً وأنت تحمل السلاح.”

كانت تلك الكلمات تستقر في قلبه أكثر من أي درس عسكري.

لم يكن يعلم أن الأيام ستضعه أمام امتحان لا يقاس بالشجاعة وحدها، بل بقدرته على الاحتفاظ بإنسانيته وسط جحيمٍ صُنِع ليجرد الإنسان من كل شيء.

ومع بداية عام 1987، كانت الأخبار القادمة من الجنوب تزداد سواداً… معارك ضارية تدور شرق البصرة، وخسائر كبيرة، وأسماء وحدات عسكرية تُمحى من الخرائط قبل أن تعود إلى ثكناتها.

في إحدى الليالي، جلس شافي يقرأ أمر انتقال وحدته، ثم طوى الورقة بصمت.

نظر إليه لافي مبتسماً وقال:

ـ يبدو أننا سنتسابق مرة أخرى إلى الجنوب.

ابتسم شافي ابتسامة قصيرة، ثم أجابه:

ـ لا أتمنى أن نسبق أحداً… أتمنى فقط أن نعود معاً.

ساد الصمت.

كانا يدركان أن الحرب لا تعطي أحداً وعداً بالعودة.

وفي الخارج، كانت الريح تعصف بأغصان شجرة التوت القديمة، فتتناثر أوراقها فوق فناء الدار، كأنها تكتب منذ تلك الليلة أسماء الرجال الذين ستحتفظ بهم الأرض، وأسماء الذين ستعيدهم إليها شهداء بعد سنوات طويلة.

الفصل الثاني

**أبناء الطين الواحد**

حين اندلعت الحرب، لم تفرّق بين قرية ومدينة، ولا بين عربي وتركماني وكردي… كانت تنظر إلى الجميع بالعين نفسها؛ عينٍ لا ترى إلا شاباً يصلح أن يحمل بندقية، أو أماً تصلح لأن تقف سنوات على باب بيتها تنتظر خبراً.

في ربيع عام 1987، كان معسكر التدريب في أطراف العمارة يشبه مدينة صغيرة من الخيام والأسلاك الشائكة… آلاف الجنود تذوب أسماؤهم داخل الأرقام العسكرية، لكنهم كانوا، كلما أرخى الليل ستاره، يعودون إلى هوياتهم الأولى؛ ابن الناصرية، وابن العمارة، وابن الكوت، وابن بغداد، وابن البصرة، وابن طوزخورماتو.

هناك، لم يعد أحد يسأل الآخر عن قوميته بقدر ما يسأله عن أمه.

منين إنت؟

ـ من طوزخورماتو.

ـ تركماني؟

ـ نعم… تركماني شيعي.

ـ أهلًا بيك… إحنا كلنا أولاد هالوطن.

كان هذا الحوار يتكرر كل يوم حتى أصبح مألوفاً، وكأن الحرب، على قسوتها، كانت أحياناً تهدم الحواجز التي بناها الناس في أوقات السلم.

في السرية التي خدم فيها **لافي البياتلي**، اجتمع رجال من مدن شتى، لكنهم كانوا يشبهون أبناء بيت واحد.

كان **كاظم شكر أوغلو** من أحياء طوزخورماتو القديمة، طويل القامة، عريض الكتفين، لا تفارق الابتسامة وجهه، حتى في أصعب اللحظات. وكان يقول دائماً:

ـ إذا ضحكنا بوجه الموت… يخجل منا.

أما **حيدر قاسم بياتلي**، فكان أكثرهم هدوءاً… يحب الكتب، ويحمل في حقيبته ديوان المتنبي ونهج البلاغة معاً.. كان يقرأ في أوقات الاستراحة بينما الآخرون يلعبون الدومينو.

وكان بينهم أيضاً **عباس الموسوي** من العمارة، و**جبار الساعدي** من الكوت، و**أبو علي الشمري** من الديوانية، و**سلمان الفيلي** القادم من خانقين.

كانوا مختلفين في اللهجات والملامح، لكنهم إذا اصطفوا في صلاة المغرب، بدوا كأنهم أبناء قرية واحدة.

وفي ليالي الخندق، كانت الأحاديث تبدأ دائماً بالسؤال نفسه:

ـ إذا خلصت الحرب… شنو أول شي راح تسويه؟

فيجيب عباس:

ـ أريد أبني بيت لأمي.

ويقول جبار:

ـ أتزوج… تعبت من الانتظار.

ويضحك كاظم:

ـ أول يوم أظل نايم للظهر… بلا صافرة إنذار… بلا ضابط يصيح.

ثم يلتفتون إلى لافي.

ـ وإنت؟

كان يبتسم وهو يحدق في السماء.

ـ أرجع لطوز… أجلس يم التنور… وآكل خبز حار من إيد أمي.

فيضحكون جميعاً.

لكن أحداً منهم لم يكن يضحك طويلاً.

فما إن تنتهي الضحكات حتى تعود المدافع لتذكرهم بأن الأمنيات في زمن الحرب قد تتحول إلى أمنية واحدة فقط…

أن يبقى الإنسان حياً حتى صباح اليوم التالي.

كان شافي يخدم في لواء آخر قريب من وحدتهم، لذلك كان يزور أخاه كلما سنحت الفرصة.

كان الجنود يعرفون العلاقة بينهما، فيفسحون له الطريق كلما جاء.

وفي إحدى الأمسيات، جلس الشقيقان فوق ساتر ترابي يراقبان الشمس وهي تغرق في الأهوار.

قال شافي:

ـ تدري يا لافي… أخاف مو من الموت.

استغرب لافي.

ـ شتخاف إذن؟

ظل ينظر إلى الأفق طويلاً، ثم قال:

ـ أخاف أمّي تسمع خبرنا من غيرنا.

ساد الصمت.

ثم أضاف بصوت خافت:

ـ الأم العراقية ما تموت مرة وحدة… تموت كل يوم يرجع بيه ولدها متأخر.

خفض لافي رأسه.

كان يعرف أن أخاه لا يبالغ.

ففي طوزخورماتو وحدها، لم تعد هناك امرأة لا تحفظ أسماء المستشفيات العسكرية، ولا مراكز البريد، ولا أرقام الوحدات القتالية.

كانت الأمهات يتعلمن الجغرافيا من الخرائط العسكرية، لا من كتب المدارس.

ومع مرور الأيام، بدأت الجبهة تزداد اشتعالاً.

أصبحت سيارات الإسعاف تعود أكثر مما تغادر.

وأصبحت المروحيات تهبط وهي تحمل أجساداً أكثر مما تحمل أحياء.

في كل مساء، كان الجنود يخرجون لحمل النعوش الملفوفة بالعلم.

كان المشهد يتكرر حتى فقد عنصر المفاجأة.

لكن الألم…

لم يفقد حدته يوماً.

كان لافي يقف في طابور التشييع، وينظر إلى وجوه رفاقه.

بالأمس كانوا يضحكون.

واليوم أصبحوا أسماءً في بيان عسكري.

همس كاظم ذات ليلة:

ـ تعرف شنو أكثر شي يوجع؟

قال لافي:

ـ شنو؟

ـ إن العسكري يموت… وبعد أسبوع يجي غيره بنفس الفراش… ونفس الخوذة… وكأن الإنسان صار قطعة غيار.

لم يجد أحد جواباً.

حتى الريح التي كانت تعبر الخنادق بدت كأنها تحمل أنين آلاف الذين لم يعودوا.

في الأسبوع الأخير من شباط، دخل آمر الفوج إلى المقر، وكانت ملامحه أكثر صرامة من المعتاد.

وقف الجنود جميعاً.

فتح الخريطة فوق الطاولة، ثم مرر إصبعه على بقعة صغيرة شرق البصرة.

قال بصوت حازم:

ـ هنا…

ساد الصمت.

أكمل:

ـ خلال ثمانٍ وأربعين ساعة ستتحرك وحداتكم إلى هذا المحور.

نظر الجنود إلى الخريطة.

كانت بقعة صغيرة لا تكاد تُرى.

لكن الذين سبق أن قاتلوا هناك، تغيرت وجوههم فجأة.

همس أحدهم:

ـ هاي… نهر جاسم.

وقال آخر بصوت مرتجف:

ـ يعني… الأرض الحرام.

ساد سكون ثقيل.

حتى المصباح المعلق في سقف الخيمة بدا وكأنه توقف عن الاهتزاز.

أما لافي، فقد نظر إلى شافي، الذي كان يقف عند باب الخيمة بعدما جاء لتوديعه.

التقت عيناهما للحظة.

لم يتبادلا الكلمات.

كان كل واحد منهما يعرف ما يريد الآخر قوله.

وفي تلك الليلة، لم ينم أحد في المعسكر.

كان الجنود ينظفون بنادقهم ببطء، ويكتبون رسائل قصيرة إلى أمهاتهم، ويخفونها داخل حقائبهم، كأنهم يودعون حياتهم قبل أن يبدأوا الرحلة نحو المكان الذي أطلق عليه الجميع اسمًا واحدًا…

**الأرض الحرام.**

الفصل الثالث

**الطريق إلى نهر جاسم

تحركت القافلة العسكرية قبل الفجر بساعة… كانت السماء سوداء، والنجوم معلقة فوق السهل مثل عيونٍ تراقب بصمت، فيما كانت الشاحنات العسكرية  تتقدم ببطء، تهتز فوق الطريق الترابي كأنها تحمل العراق كله على ظهورها.

جلس لافي البياتلي قرب فتحة الشاحنة الخلفية، يضم بندقيته إلى صدره، بينما كان الهواء البارد يلسع وجهه. إلى جواره جلس كاظم شكر أوغلو يلف عنقه بكوفية صوفية، ويقاوم النعاس بنكتة جديدة كل عشر دقائق.

ـ إذا متّ اليوم، أريدكم تكتبون على قبري: “هنا يرقد رجل كان يكره الاستيقاظ باكراً.”

ضحك الجنود، حتى السائق ابتسم وهو يحدق في الطريق.

لكن حيدر قاسم لم يضحك.. كان ينظر إلى الظلام الممتد خارج الشاحنة، ثم قال بهدوء:

ـ الغريب أن الإنسان يعرف أحياناً أنه ذاهب إلى مكان لن يعود منه، ومع ذلك يذهب.

التفت إليه لافي:

ـ لو كل واحد فكر بالرجعة قبل الواجب، ما بقت مدينة واقفة.

هز حيدر رأسه.

ـ صحيح… لكن الأم لا تفكر بالواجب، تفكر بالباب الذي تنتظر أن يطرقه ابنها.

مع شروق الشمس، بدأت ملامح الجنوب البصري تظهر… نخيل بعيد، ومياه راكدة، وأرض موحلة حفرتها القذائف حتى صارت كأنها وجه شيخٍ عجوز امتلأ بالندوب.

كلما اقتربوا من الجبهة، ازداد عدد سيارات الإسعاف العابرة في الاتجاه المعاكس.

سيارة تحمل جريحاً يضغط بيده على بطنه.

وأخرى تحمل رجلاً مغطى بالدم حتى لم يعد يُعرف لون بزته.

وثالثة تحمل نعوشاً صامتة.

قال عباس الموسوي وهو يشيح بوجهه:

ـ الله يستر علينا.

أجابه كاظم محاولاً التخفيف:

ـ إذا الله ستر علينا، أول ما أرجع أطوز أتزوج بنت عمي.

ضحك عباس:  ولك هي مخطوبة من سنة!

رد كاظم:

ـ لهذا أدعي الله أكثر.

تعالت الضحكات للحظات، ثم خنقتها قذيفة انفجرت في مكان بعيد، فاهتزت الأرض تحت الشاحنة.

ساد الصمت.

وصلوا إلى موقع الفوج قبل الظهر… كانت الخنادق محفورة وسط الطين، تفصل بينها سواتر ترابية عالية، وتعلو المكان رائحة البارود والديزل والرطوبة.

استقبلهم ضابط مرهق الوجه، عيناه غائرتان من السهر.

ـ أهلاً بالوجبة الجديدة… حاولوا تحفظون وجوه بعض، لأن الليل هنا يبدل كل شيء.

قادهم إلى خندقهم.

في الطريق مروا بجندي يجلس وحده، يحدق في خوذة موضوعة أمامه.

سأل لافي:

ـ شبي هذا؟

أجاب الضابط دون أن يلتفت:

ـ صاحبه استشهد البارحة… ومنذ الصبح وهو ينتظر أن يقوم ويأخذ خوذته.

شعر لافي بوخزة في صدره.

أما كاظم، فانطفأت ابتسامته للمرة الأولى.

في المساء، جلس الجنود داخل الخندق الضيق… كان المطر الخفيف يطرق أكياس الرمل، بينما كانت القذائف البعيدة ترسم ومضات حمراء في الأفق.

أخرج حيدر صورة صغيرة من جيبه.

ـ هاي أختي يوم تخرجت من المتوسطة.

تناقلوا الصورة بينهم.

ثم أخرج عباس صورة أمه.

وأخرج سلمان الفيلي صورة طفله الذي لم يتجاوز عامه الأول.

أما لافي، فلم يخرج صورة.

قال كاظم:  ما عندك صورة؟

ابتسم:

ـ عندي وجه أمي بذاكرتي… يكفيني.

سكتوا جميعاً.

كان لكل واحد منهم شيء يخاف أن يفقده، وشيء يخجل أن يعترف بأنه يقاتل من أجله أكثر مما يقاتل من أجل الشعارات.

قبيل منتصف الليل، جاء الأمر بالاستعداد للتقدم.

انتشر الجنود على طول الساتر.

كان القمر محجوباً بالدخان، والهواء مشبعاً برائحة الطين المحترق.

اقترب شافي البياتلي من أخيه قبل التحرك.. كان قد وصل مع مجموعته إلى المحور نفسه.

وقفا لحظة قصيرة وسط الفوضى.

ـ امي إذا سألت عني، شتكلها؟

قالها لافي وهو يشد حزام خوذته.

نظر شافي إليه طويلاً.

ـ أكولها ابنچ بعده يضحك ويزعج رفاقه.

ابتسم لافي.

ـ وإذا ما رجعت؟

أمسك شافي كتفه بقوة.

ـ لا تحچي هالحچي.

ثم خفض صوته:

ـ إذا صار شي… لا تخلي الخوف يدخل قلبك بآخر لحظة… تذكر طوز… وتذكر أمي.

لم يجد لافي جواباً.

فقط هز رأسه.

عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بدأ التقدم.

خرج الجنود من الخنادق واحداً تلو الآخر، ينحنون تحت ثقل العتاد، ويغوصون في الطين حتى الكاحل.

كانت السماء تومض بنيران المدفعية، وكل ومضة تكشف الوجوه لثانية، ثم تعيدها إلى العتمة.

سمعوا صفيراً حاداً.

صرخ أحدهم: ارتموا!

انفجرت القذيفة أمامهم، فتطاير الطين والشظايا فوق الرؤوس.

نهضوا وأكملوا الركض.

ثم انفجرت أخرى.

وثالثة.

ورابعة.

تحولت الأرض إلى فمٍ يفتح ويغلق تحت أقدامهم.

ركض كاظم بجوار لافي وهو يلهث:

ـ والله إذا نجينا الليلة، أعزمكم كلكم على دولمة بطوز!

ضحك لافي رغم الرعب:

ـ أول شي ننجو!

لكن الضحكة انقطعت فجأة.

ففي الأفق، خلف سحابة الدخان، ظهرت الأسلاك والعوائق والتراب الممزق بالنار.

همس جندي قديم:

ـ وصلنا…

سأل لافي:

ـ وين؟

نظر الرجل إلى الأمام، وكانت عيناه تحملان خوفاً لم يستطع إخفاءه.

ـ هاي بداية… الأرض الحرام.

وفي تلك اللحظة، دوّت المدافع دفعة واحدة، حتى بدا الليل كله وكأنه انشق، وعرف لافي ورفاقه أن ما عاشوه حتى الآن لم يكن حرباً بعد…

بل الطريق إليها فقط.

الفصل الرابع

**الأرض الحرام

لم يكن الفجر قد ولد بعد، لكن السماء كانت مضاءة بلونٍ غريب، لونٍ لا تصنعه الشمس، بل تصنعه المدافع وهي تمزق الليل بقذائفها.. كانت الأرض تهتز تحت أقدام الجنود حتى خُيّل إليهم أنهم لا يسيرون فوق التراب، بل فوق قلبٍ عملاق يخفق بعنف.

توقفت السرية خلف ساتر ترابي منخفض، وأمر آمر الفصيل الجميع بالانبطاح.

قال بصوتٍ خافت لكنه حاسم:

ـ من هسه… أي واحد يرفع رأسه بلا أمر… يموت قبل لا يشوف العدو.

التصقت الوجوه بالطين البارد.

كانت رائحة الأرض مختلطة بالبارود والديزل والدم القديم.. رائحة لا تشبه شيئاً في الحياة، لكنها تصبح بعد أيام الرائحة الوحيدة التي يعرفها الجندي.

نظر **لافي البياتلي** إلى الأمام.

لم يرَ سوى ضباب كثيف يتخلله وميض القذائف.

أما **كاظم شكر أوغلو** فكان يهمس بآيات قصيرة من القرآن، بينما كان **حيدر قاسم** يضم صورة أخته داخل جيبه، كأنه يخشى أن تضيع أكثر مما يخشى أن تضيع حياته.

في الساعة الخامسة فجراً، صدر الأمر.

ـ تقدموا…

خرجت المجموعة من الساتر بخطوات متباعدة.

كان الطين يغوص بأحذيتهم حتى منتصف الساق، وكل خطوة تحتاج إلى قوة تكفي لاقتلاع القدم من الأرض.

وفجأة…

شق السماء صوت صفير طويل.

صرخ ضابط الهندسة:

ـ قذائف… ارتموا…

لم تكد الأجساد تلامس الأرض حتى انفجرت القذيفة الأولى.

اهتزت الدنيا كلها.

ارتفع عمود من التراب والنار، ثم تبعته قذيفة ثانية، وثالثة، وعاشرة، حتى اختفى الليل تحت ضوء الانفجارات.

كانت الشظايا تصفر فوق الرؤوس مثل أسراب من الغربان المعدنية.

رفع لافي رأسه قليلاً.

رأى جندياً كان يركض قبل ثوانٍ.

لم يعد موجوداً.

بقيت خوذته فقط، تتدحرج فوق الوحل، كأنها تبحث عن صاحبها.

أخفض رأسه بسرعة.

همس لنفسه:”يا رب… لا تجعل أمي ترى خوذتي وحدها.”

استمر القصف أكثر من ساعة.

ولم يكن أحد يعرف كم مضى من الوقت.

في الحرب، لا تُقاس الساعات بالعقارب، بل بعدد القذائف التي تسقط بين دقتين للقلب.

كان الجرحى يصرخون في كل اتجاه.

ـ مسعف…

ـ مي…

ـ يمّه…

كانت الكلمة الأخيرة هي الأكثر تكراراً.

لم يكن أحد ينادي قائده.

ولا رتبته.

ولا وطنه.

كلهم كانوا ينادون أمهاتهم.

حتى أولئك الذين تجاوزوا الأربعين.

في لحظة الألم، يعود الإنسان طفلاً.

بعد انحسار القصف قليلاً، تقدمت السرية من جديد.

كان أمامهم حقل ألغام، ثم سواتر متشابكة، ثم منطقة مكشوفة يسميها الجنود جميعاً:**الأرض الحرام.**

لم يكن الاسم مبالغة.

فهناك…

لا إسعاف.

ولا إخلاء.

ولا خندق يحميك.

ولا شجرة تختبئ خلفها.

مجرد أرض مفتوحة، تتقاطع فوقها نيران الطرفين.

من يسقط فيها…

يبقى فيها.

قال أحد الجنود القدامى بصوت مرتجف:

ـ إذا أصيب واحد بينا هناك…

لا ترجعون له… ؛ لا تخلون اثنين يموتون.

نظر الجميع إليه.

لم يعترض أحد.

كان هذا هو القانون الوحيد الذي تفرضه الأرض الحرام.

قانون أقسى من الموت نفسه.

بدأوا العبور.

كان الصمت أغرب من أصوات المدافع.

كل واحد يسمع دقات قلبه فقط.

وفجأة دوى رشاش ثقيل.

سقط أول جندي.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

صرخ آمر الفصيل:

ـ انتشروا…

ارتمت الأجساد في الحفر الصغيرة.

لكن الأرض نفسها كانت ترتجف من كثافة القصف.

التفت لافي يبحث عن كاظم.

كان قريباً منه.

ابتسم كاظم رغم الرصاص.

وصاح: بعدك تريد الدولمة؟

ضحك لافي للحظة.

وقبل أن يجيبه… ؛ انفجرت قذيفة بينهما.

ارتفع دخان كثيف، وتناثرت كتل الطين فوق الجميع.

اختفى كاظم.

صرخ لافي:  كاظم!

لم يصله جواب.

راح يزحف بجنون نحو مكان الانفجار.

أمسكه حيدر من سترته بقوة.

ـ لا…

لا تطلع…

راح تموت.

صرخ لافي وهو يحاول الإفلات: أخويه هناك…

أفلت نفسه، وزحف أمتاراً قليلة.

لكن ما إن رفع رأسه حتى مرت رصاصة على بعد سنتيمترات من وجهه، مزقت حافة خوذته.

تجمد في مكانه.

ورأى…

خوذة كاظم.

ثم بندقيته.

أما هو…

فلم يكن هناك.

لم يبقَ إلا حفرة واسعة امتلأت بالماء والدم.

أغلق لافي عينيه.

لم يبكِ.

كان الوقت لا يسمح بالبكاء.

عاد يزحف إلى الخلف، بينما بقيت كلمات كاظم الأخيرة تتردد في رأسه :”بعدك تريد الدولمة؟”

استمرت المعركة حتى الظهيرة.

كانت السماء سوداء من الدخان.

والأرض سوداء من آثار الحريق.

والوجوه سوداء من البارود.

عند الظهيرة أصيب **حيدر قاسم** بشظية في ساقه.

سقط وهو يضغط على جرحه.

حاول أن ينهض، لكنه لم يستطع.

اقترب منه لافي.

ـ قوم…

لا تبقى هنا.

قال حيدر بصوت متقطع: اتركني… روح … اذهب بسرعة .

أنت بعدك تگدر تركض...

أمسكه لافي من كتفيه.

ـ إذا تموت… نموت اثنين.

إذا أتركك…أموت طول عمري.

سحب جسده رغم الرصاص.

كان يجره متراً…

ثم يسقط.

ثم ينهض.

ثم يجره من جديد.

كانت الشظايا تضرب الأرض حولهما، والطين يتناثر فوق وجهيهما.

وبعد دقائق بدت كأنها عمر كامل، وصلا إلى منخفض صغير احتميا فيه.

وصل المسعفون بعد قليل.

قال أحدهم وهو ينظر إلى لافي:

ـ شلون طلعته؟

أجاب وهو يلهث: والله… ما أعرف.

يمكن أمي كانت تدفعني من بعيد.

مع حلول المساء، خفت أصوات المدافع.

لكن الصمت لم يكن أقل رعباً.

بدأ الجنود يعدّون من بقي.

كل اسم لا يجيب…

يعني أن أماً في مدينة بعيدة ستبدأ انتظاراً جديداً.

قرأ الضابط الأسماء.

ـ عباس الموسوي…

ـ حاضر.

ـ سلمان الفيلي…

ـ حاضر.

ـ حيدر قاسم…

ـ حاضر…

لكن بصوت ضعيف من سيارة الإسعاف.

ثم توقف الضابط.

نظر إلى الورقة.

قال بهدوء: كاظم شكر أوغلو…

لم يجب أحد.

أعاد اسمه مرة ثانية.

ثم ثالثة.

وبقي الصمت وحده يجيب.

في تلك اللحظة، أدرك لافي أن الحرب لا تسرق الرجال فقط…

بل تسرق الضحكات أيضاً.

أما في الجهة الأخرى من الجبهة، فقد كانت المدافع تستعد لجولة جديدة.

وكانت **الأرض الحرام** لا تزال جائعة، تنتظر أسماءً أخرى لتضيفها إلى سجلها الطويل.

لم يكن الليل يعني نهاية القتال.

في جبهة نهر جاسم، كان الليل يبدأ حين تتوقف العيون عن التمييز بين التراب والإنسان، ويصبح كل ظل مشروع جثة، وكل حركة احتمالاً للموت.

جلس لافي داخل حفرة ضيقة لا يتجاوز عمقها نصف متر… كانت بندقيته مغطاة بالطين، وملابسه أثقل من جسده بعد أن تشبعت بالماء والتراب والدم.. لم يعد يعرف إن كان الدم الذي يلطخ كمه دمه أم دم أحد رفاقه.

كانت السماء تمطر مطراً خفيفاً.

امتزج المطر بالبارود، فتحولت الأرض إلى عجينة سوداء، تغوص فيها الأقدام كما تغوص الذكريات في قلب لا يريد أن يتذكر.

من بعيد، سمع أنيناً... كان خافتاً… متقطعاً… لكنه أنين إنسان.

التفت نحو مصدر الصوت.

جاءه مرة أخرى.

“…مي…”

ثم صمت.

عاد الصوت بعد لحظات.

“…لا تخلوني…”

أغلق لافي عينيه.

كان يعرف أن الصوت يأتي من داخل الأرض الحرام.

قال الجندي الجالس إلى جواره: لا تنظر… كلنا سمعناه.

أجاب لافي: يمكن نكدر نطلعه.

ابتسم الرجل ابتسامة مرة.

ـ إذا طلعتله… راح يصير اثنين يصرخون.

ساد الصمت.

لكن الصوت ظل يلاحقه.

كان أشد من صوت المدافع.

فالرصاص يقتل الجسد مرة واحدة…

أما الاستغاثة التي لا تجد مجيباً، فإنها تقتل الروح كلما تذكرتها.

قبل الفجر بقليل، وصلت مجموعة صغيرة من الجنود المنسحبين من الخط الأول.

لم يكونوا يمشون…

بل كانوا يجرون أقدامهم.

وجوههم مغطاة بالسخام، وعيونهم زائغة، وكأنهم خرجوا من جوف بركان.

جلس أحدهم قرب لافي.

مد يده المرتجفة إلى علبة السكائر.

أشعل واحدة.

لكنه لم يدخنها.

ظل ينظر إلى النار المشتعلة في طرفها.

ثم قال بصوت أجش: فقدت أخوي اليوم.

لم يعلق أحد.

أكمل الرجل: كنا بنفس الفصيل…أصابه قناص.

ظل يناديني.

والله ظل يناديني.

لكن آمر الفصيل منعني أروحله.

سكت.

ثم انفجر باكياً لأول مرة.

ـ تركته…

تركت أخوي وحده…

رفع لافي رأسه.

لم يكن الرجل يبكي لأنه مات.

كان يبكي لأنه عاش.

وهذه هي المأساة التي لا تذكرها بيانات الحروب.

مع أول خيط من النهار، بدأ الضباب ينقشع.

وعندها ظهرت الحقيقة.

الأرض الممتدة أمامهم لم تعد أرضاً.

كانت مقبرة مفتوحة.

خوذات ممزقة.

بنادق مغروسة في الوحل.

أحذية بلا أصحاب.

حقائب مفتوحة تناثرت منها رسائل، وصور أطفال، ومسابح، وقطع خبز يابس لم يأكلها أصحابها.

كانت الغربان تحلق في دوائر منخفضة.

أما الكلاب السائبة، فقد اقتربت من أطراف الميدان، ثم توقفت، كأنها هي الأخرى خافت من كثرة الموت.

قال حيدر وهو ينظر إلى المشهد: هاي مو معركة… هاي نهاية العالم.

وصل أمر جديد.

يجب التقدم مرة أخرى.

نظر الجنود إلى بعضهم.

لم يعترض أحد.

لم يعد فيهم من يملك طاقة الاعتراض.

وقف لافي.

أعاد تثبيت خوذته التي مزقتها شظية الليلة الماضية.

رفع بندقيته.

ثم التفت إلى المكان الذي اختفى فيه كاظم.

همس: سامحني…ما كدرت أرجعك.

وأقسم بينه وبين نفسه، أنه إن كتب الله له النجاة، فلن ينسى اسم صديقه ما بقي في قلبه نبض.

بدأ الهجوم الثاني.

هذه المرة كان أعنف.

انهمرت القذائف كالمطر.

وتحول النهار إلى ليل من الدخان.

وفي خضم الفوضى، سمع لافي صراخاً قادماً من جهة اليمين.

التفت بسرعة.

كان أحد الجنود الشباب قد أصيب في كتفه، وسقط وسط منطقة مكشوفة.

لم يكن يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.

ظل يصرخ: عمو… لا تخلوني… كانت الكلمة كافية.

نسي لافي كل شيء.

قفز من الساتر، وانطلق نحوه تحت وابل الرصاص.

صرخ به الضابط: ارجع…ارجع لا تموت… لكنه لم يسمع.

وصل إلى الجندي.

أمسك سترته.

وبدأ يجره.

كل متر كان يبدو كأنه ميل كامل.

الرصاص يضرب الأرض حولهما.

والشظايا تمزق الهواء.

وفجأة…  ؛ شعر بضربة عنيفة في ذراعه اليسرى.

لم يسمع صوت الإصابة.

لكنه شعر بحرارة غريبة، ثم بدأ الدم يتدفق داخل كم بزته.

نظر إلى ذراعه.

كانت الشظية قد مزقت الساعد، وقطعت اللحم حتى ظهرت العظام.

اختفى الإحساس بالألم... ؛ لم يبق إلا ثقل الذراع.

ورغم ذلك… واصل جر الجندي...!!

كان يضغط بأسنانه حتى كادت تتكسر، ويسحب المصاب بيده اليمنى وحدها، بينما ذراعه اليسرى تتدلى بلا قوة، تاركة خلفها خطاً طويلاً من الدم فوق الطين.

وحين وصل إلى الساتر، سقط الاثنان معاً.

هرع المسعفون نحوه.

قال أحدهم وهو يفتح الضماد:

ـ الأعصاب انقطعت…

لازم إخلاء فوراً.

حاول لافي أن يرفع رأسه.

كان أول سؤال خرج من بين شفتيه: الولد… عاش؟

ابتسم المسعف رغم الدماء.

ـ نعم… عاش.

أغمض لافي عينيه.

وللمرة الأولى منذ بدء المعركة، شعر براحة قصيرة.

لم يكن لأنه نجا… ؛ بل لأنه لم يترك إنساناً خلفه ينادي أمه وحده في الأرض الحرام.

كان المسعفون يعملون تحت القصف، وكأنهم يقاتلون الموت بأيديهم العاريتين.

ألقى أحدهم نظرة سريعة على ذراع لافي، ثم صاح: اربطوا العضد… النزف شديد.

لفَّ الجندي رباطاً مطاطياً فوق الجرح بقوة حتى كاد يكسر العظم.

صرخ لافي صرخة مكتومة، لكنه لم يسحب ذراعه.

كانت عيناه تبحثان عن الجندي الشاب الذي أنقذه.

وجده مستلقياً إلى جواره، شاحب الوجه، لكنه ما يزال يتنفس.

ابتسم لافي بصعوبة.

همس: الحمد لله… اقترب منه الشاب، وكانت دموعه تختلط بالطين.

قال بصوت متقطع: عمي… ليش رجعت إليّ؟

كان السؤال بسيطاً، لكنه هز قلب لافي.

ابتسم رغم الألم.

ـ لأن أمي علمتني… ما أترك إنسان وحده.

أطرق الشاب رأسه وبكى.

وصلت سيارة الإخلاء بعد دقائق بدت دهراً.

لكن الوصول إليها لم يكن أقل خطراً من البقاء في الخندق.

كانت المسافة بين الساتر والسيارة نحو مائة متر.

ومائة متر في نهر جاسم…

تعادل عمراً كاملاً.

بدأ أربعة جنود يحملون النقالات.

كلما ركضوا بضعة أمتار، سقطت قذيفة بالقرب منهم، فيرتمون أرضاً، ثم ينهضون من جديد.

كان أحد المسعفين يضحك كلما انفجرت قذيفة.

نظر إليه لافي باستغراب.

قال الرجل: إذا بطلت أضحك… راح أجن.

عندها أدرك لافي أن للحرب وجوهاً كثيرة، وأن الجنون ليس دائماً صراخاً… أحياناً يكون ضحكةً في المكان الخطأ.

وصلوا إلى محطة الإخلاء الخلفية.

كانت أشبه بمدينة من الألم.

صفوف طويلة من الجرحى.

أطباء يغسلون الدم عن أيديهم ثم يعودون إلى دم آخر.

ممرضون يركضون دون توقف.

وأصوات تنادي:

ـ بلازما…

ـ مورفين…

ـ نقالة…

ـ طبيب جراحة…

كانت الأرض مفروشة ببطانيات عسكرية، فوقها رجال فقدوا أطرافهم، وآخرون ينتظرون دورهم إلى غرفة العمليات.

لم يكن أحد يسأل عن اسمه.

كان السؤال الوحيد: يتنفس؟

إذا كان الجواب نعم… ؛ انتقل إلى الصف التالي.

بينما كان الطبيب يفحص ذراع لافي، توقف فجأة.

نظر إليه طويلاً.

قال: شكد عمرك؟

ـ خمسة وعشرين.

هز الطبيب رأسه بحزن.

ـ شبابكم كله يضيع هنا.

ثم بدأ ينزع بقايا القماش الملتصق بالجرح.

كانت الشظية قد مزقت الساعد، وقطعت عدداً من الأعصاب.

قال الطبيب بهدوء: لازم نحولك للبصرة… ؛ يمكن نكدر ننقذ اليد…لكن ما أگدر أوعدك.

لم يهتم لافي بيده.

سأل مباشرة: وحدتي؟

رفع الطبيب رأسه.

ـ شبيها؟

ـ رفاقي…

رجعوا؟

صمت الطبيب.

لم يكن يحتاج إلى الإجابة.

ففي الحرب… ؛ الصمت هو أكثر الأجوبة صدقاً.

في مساء اليوم التالي، استعاد لافي شيئاً من وعيه داخل المستشفى العسكري.

كانت رائحة المطهرات تخفي رائحة البارود، لكنها لم تستطع أن تخفي صور المعركة.

كلما أغلق عينيه، عاد يرى كاظم.

يضحك.

ثم يختفي وسط الانفجار.

استيقظ مذعوراً.

وجد ممرضاً يثبت المصل في ذراعه.

قال: أخويه… وصل؟

ابتسم الممرض.

ـ بعده بالطريق.

بعد ساعات… ؛ دخل شافي.

كان متعباً إلى حد أن لحيته نبتت خلال يومين، ووجهه مغطى بالغبار.

وقف عند الباب صامتاً.

لم يستطع الاقتراب.

أما لافي، فابتسم ابتسامته القديمة.

ـ ها… ؛ شفته؟

اقترب شافي بسرعة.

احتضنه بحذر، خشية أن يؤلمه.

لكنه لم يتمالك نفسه.

بكى... ؛ لأول مرة منذ سنوات... ؛ بكى الضابط الذي لم يره أحد يبكي.

قال وهو يمسح دموعه: حسبتك رحت.

أجابه لافي بصوت خافت: بعدني مدين لأمي باستكان چاي.

ضحك شافي وسط دموعه.

وكانت تلك الضحكة القصيرة أثمن من كل الأوسمة التي يمكن أن تمنحها الحروب.

بعد أسبوع، صدر تقرير الخسائر.

كانت السرية التي دخلت نهر جاسم قد فقدت أكثر من نصف رجالها.

أما البقية… ؛ فإما جرحى، أو مفقودون، أو عادوا بأجساد سليمة وأرواح لن تعود كما كانت.

قرأ لافي أسماء الشهداء.

توقف عند اسم: **كاظم شكر أوغلو.**

ظل يحدق فيه طويلاً... ؛ ثم طوى الورقة ببطء... , لم يبكِ… ؛ لكنه شعر أن شيئاً في داخله قد دُفن مع صديقه.

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى طبق دولمة على مائدة، تذكر ضحكة كاظم الأخيرة، وتذكر وعداً بسيطاً لم يتحقق أبداً.

وفي تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن القدر، الذي أنقذه من الموت في نهر جاسم، لم يكن قد أعفاه منه، بل كان يؤجل موعد اللقاء ثلاثين عاماً… إلى أن تدق ساعة أخرى، فوق أرضٍ أخرى، اسمها **طوزخورماتو**.

الفصل الخامس

**العائدون من الموت

هناك رجالٌ يعودون من الحرب بأجسادهم… وهناك رجالٌ لا يعود منهم سوى الاسم... أما الذين ينجون، فإنهم لا يعودون كما كانوا أبداً.

كانت سيارة الأجرة تشق الطريق بين بغداد وكركوك ببطء، تهتز فوق الحفر التي خلّفتها الشاحنات العسكرية…  جلس **لافي البياتلي** إلى جوار النافذة، وذراعه اليسرى معلقة بحمالة بيضاء، بينما بقيت أصابعه ساكنة كأنها لا تنتمي إلى جسده.

كان ينظر إلى الحقول الممتدة على جانبي الطريق… القمح ينمو... النخيل ما زال واقفاً... الرعاة يسوقون أغنامهم… والنساء ينشرن الغسيل أمام البيوت... كل شيء يبدو طبيعياً…حتى يخيل للمرء أن الحرب لا وجود لها...!!

ابتسم في مرارة.

قال في نفسه:”الحرب لا تسكن الطرق… الحرب تسكن الذين يسلكونها.”

كلما أغمض عينيه، عاد يسمع الانفجار… ويرى كاظم يبتسم... ثم يختفي.

فتح عينيه بسرعة.

نظر إلى يده.

حاول أن يحرك أصابعه... ؛ لم تستجب... كرر المحاولة... لا شيء.

اقترب السائق منه وقال بلطف: لا تتعب نفسك .. الله كريم … ؛ الطبيب كال يمكن ترجع بعد العلاج.

ابتسم لافي… ؛ لكنه كان يعرف أن بعض الأشياء إذا انكسرت…لا تعود كما كانت.

عند مدخل **طوزخورماتو**، كان الهواء مختلفاً.

رائحة التراب بعد السقي... ؛ دخان التنانير... وصوت الباعة في السوق القديم.

أحس أنه عاد إلى حضن أمه قبل أن يصل إلى البيت… ؛ توقفت السيارة عند أول الشارع.

ما إن ترجّل منها حتى شاهده طفل صغير… ؛ ركض الطفل وهو يصيح: إجا…

إجا لافي …كان الخبر أسرع من السيارة... ؛ خرج الرجال من الدكاكين... ؛ وتركت النساء أعمالهن... وأخذ الأطفال يركضون خلفه.

كان كل واحد يريد أن يتأكد أن الشاب الذي قالوا إنه سقط في الأرض الحرام… ؛ قد عاد حياً.

في تلك اللحظة، كانت **الحاجة زهراء** تجلس في فناء البيت... ؛ منذ أيام وهي لا تنام إلا قليلاً... كلما سمعت صوت سيارة، قامت إلى الباب... وكلما مر عابر في الزقاق، ظنت أنه يحمل خبراً… ؛ كانت تحمل مسبحتها بيد، وصورة ابنها باليد الأخرى.

دخلت إحدى الجارات مسرعة.

لم تستطع الكلام... كانت تلهث.

قالت الحاجة زهراء وهي ترتجف: خير… شصار؟

ابتسمت المرأة وهي تمسح دموعها :  لا تبجين… ابنك لافي رجع سالم

لم تصدق... وقفت... ثم جلست... ثم وقفت مرة أخرى... كأن قدميها لم تعودا تعرفان كيف تحملانها… وفي اللحظة نفسها…؛ ظهر لافي عند باب الدار... ؛ بملابسه العسكرية وشحوبه وذراعه المعلقة.

لكنه كان واقفاً.

صرخت أمه باسمه... ؛ لم تركض نحوه... ؛ بل هرولت إليه كما تهرول الأرض إلى أول قطرة مطر بعد قحط طويل... ؛ احتضنته بقوة... ؛ ثم أخذت تتحسس وجهه وكتفيه وشعره... , وكأنها تريد أن تتأكد أنه ليس حلماً.

قالت وهي تبكي: يمّه لافي … بعدك بخير؟

ابتسم وهو يخفي ألمه.

ـ يمّه… رجعت... هذا يكفي.

لم يكن في البيت مكان يتسع للناس... ؛ امتلأت الغرف… , وامتلأ الفناء... ؛ حتى الجيران الذين كانت بينهم وبين العائلة خصومات قديمة جاءوا يهنئون بعودته.

قال شيخٌ طاعن في السن: الحرب تعلمنا أن الزعل أصغر من الموت.

هز الجميع رؤوسهم... ؛ لم يكن أحد يخالفه.

في الليل…جلس لافي في وسط الديوان...وحوله الرجال وبقربه … ؛ كل واحد يسأله عن ابنه... ؛ أو ابن أخيه... أو قريبه... ؛ وكانت أصعب مهمة في حياته…؛أن يخبر أمّاً أن ولدها لن يعود.

قال أحد الرجال: ابني عباس…شفته؟

خفض لافي رأسه.

سكت.

فهم الأب الجواب قبل أن يسمعه... أدار وجهه نحو الجدار... ولم ينطق بكلمة... ؛ أما المرأة الجالسة خلف الستار…فقد علا نشيجها حتى خُيل للحاضرين أن البيت كله يبكي.

في تلك الليلة، أدرك لافي أن الناجي من الحرب لا يحمل جراحه وحده…بل يحمل أيضاً أخبار موت الآخرين.

مرت الأشهر.

ثم السنوات.

انتهت الحرب على الورق.

لكنها لم تنته في البيوت.

كل صباح، كان لافي يحاول أن يحرك أصابع يده... وكل صباح تخونه.

أجرى عملية... , ثم ثانية... ثم ثالثة.

قال الأطباء إن الأعصاب تحتاج إلى وقت... ومر الوقت… ؛ لكن اليد بقيت نصف غريبة عنه.

أما الليل… فكان أكثر قسوة… كان يستيقظ مذعوراً على صوت انفجار لا يسمعه أحد سواه.

توقظه أمه... تجلس إلى جواره… تمسح العرق عن جبينه...

وتقول: انتهت الحرب يا ولدي.

فيجيبها وهو ينظر إلى الفراغ: يمكن انتهت عند الناس… بس هي بعده هنا... ؛ ويضع يده السليمة على صدره.

عاد شافي إلى خدمته... ؛ وعاد لافي إلى الحياة المدنية... ؛ لكن شيئاً فيه ظل واقفاً هناك…عند نهر جاسم... ؛ كان يزور قبور الشهداء كلما سنحت له الفرصة... ؛ ويقرأ الفاتحة.

ثم يقف طويلاً أمام اسم واحد : **كاظم شكر أوغلو.**

كان يحدثه كما لو كان يسمعه.

ـ وعدتك بالدولمة… وتأخرت... ؛ سامحني... ؛ ثم يبتسم... ؛ ويمضي.

ومع مرور الأعوام، تزوج لافي، ورُزق بأبناء... ؛ كبرت الأشجار التي زرعها مع أبيه... ؛ وشاخت أمه... , وتغيرت وجوه المدينة... ؛ لكن شيئاً واحداً لم يتغير... , كلما سمع صفارة سيارة إسعاف…أو دوياً بعيداً… كان قلبه يعود إلى تلك الليلة... ؛ إلى الأرض التي لا تُعيد أبناءها.

كان يظن أن نصيبه من الحرب قد انتهى... ؛ وأن الله كتب له عمراً جديداً ليعيش ما بقي من حياته بين أهله... ؛ لكنه لم يكن يعلم أن التاريخ، الذي أغلق صفحة نهر جاسم، كان يتهيأ لفتح صفحة أشد قسوة.

فبعد سنوات، ستظهر على أرض العراق رايات سوداء، تحمل الموت باسم الدين، وتقترب شيئاً فشيئاً من مدينته... ؛ وحينها…سيجد لافي نفسه أمام السؤال ذاته الذي واجهه شاباً: هل يستطيع الإنسان أن يختار السلام…؛ إذا جاءت الحرب إلى باب بيته؟

الفصل السادس

**ثلاثون عاماً من الندوب

هناك حروبٌ تنتهي بتوقيع اتفاقية…؛ وحروبٌ لا تنتهي إلا بموت آخر شاهدٍ عليها.

كانت الحرب العراقية الإيرانية قد وضعت أوزارها، لكن أحداً في طوزخورماتو لم يشعر بأن السلام قد عاد كاملاً… ؛  صحيح أن أصوات المدافع خفت، وأن القطارات عادت تحمل المسافرين بدل الجنود، وأن المدارس امتلأت بالأطفال من جديد، إلا أن الحرب بقيت تعيش في تفاصيل الناس، في نظراتهم، وفي صمتهم الطويل، وفي الصور المعلقة على جدران البيوت.

في كل شارع من شوارع المدينة كان هناك بيتٌ يفتح بابه كل صباح على صورة شهيد... ؛ وفي كل حسينية كان اسم جديد يُقرأ في مجالس الفاتحة.

أما الأمهات، فقد تعلمن أن يبتسمن وهن يحملن الحزن في أعماقهن، لأن الحياة لا تمنح أحداً فرصة البقاء عند المأساة إلى الأبد.

عاد **لافي البياتلي** إلى أرضه... ؛ كان يستيقظ قبل شروق الشمس، يحمل معوله بيده اليمنى، أما يده اليسرى فكانت ترافقه كضيفٍ ثقيل، لا هي ميتة تماماً، ولا هي حية كما كانت.

كان يحاول أن يقبض بها على جذع شجرة... ؛ فتخذله... ؛ يحاول أن يرفع دلواً من الماء... فتخذله... يحاول أن يربط حزمة حطب... فتخذله.

فيبتسم ابتسامة صغيرة ويقول: لا بأس… يدٌ واحدة تكفي إذا بقي القلب سليماً... لكن قلبه لم يكن سليماً... ؛ كل ليلة، كان يزور نهر جاسم في أحلامه... ؛ يرى كاظم يلوح له من بعيد، ويضحك ضحكته القديمة، ثم يختفي داخل سحابة من الدخان… ؛ فيستيقظ قبل الفجر، ويخرج إلى فناء الدار، ويجلس تحت شجرة التوت التي زرعها والده، ينظر إلى السماء حتى يطلع الصباح...

كانت الحاجة زهراء تراقبه من خلف النافذة... ؛ تعرف أن ابنها لا ينام… , وتعرف أن بعض الجروح لا يستطيع الطبيب الوصول إليها.

تزوج لافي من ابنة عمه **زينب**، وهي امرأة هادئة، صبورة، لم تكن ترى في يده المصابة نقصاً، بل كانت تراها وساماً دفع ثمنه من شبابه.

وفي ليلة زفافه، همس له أحد أصدقائه: الله عوضك بعد الحرب.

ابتسم لافي وقال: الإنسان ما يتعوّض عن رفاقه…؛ بس يحاول يكمل حياته حتى لا يخذل اللي استشهدوا.

رزقه الله ولدين وبنتاً... ؛ وكان كلما حمل طفله الأول بين ذراعيه، يتذكر ذلك الجندي الشاب الذي أنقذه في الأرض الحرام.

ويقول في نفسه: “ربما لهذا أبقاني الله حيّاً.”

أما **شافي**، فقد بقي في المؤسسة العسكرية سنوات طويلة… ؛ كان يعود إلى البيت في الإجازات، وقد ازداد الشيب في رأسه، حتى قبل أن يبلغ الخمسين … ؛ كانت الحروب والمعارك والتحركات العسكرية قد أخذت من عمره أكثر مما أخذت من شعره.

وفي إحدى الليالي، جلس الشقيقان فوق سطح الدار.

قال شافي وهو ينظر إلى السماء: تدري يا لافي… أكثر شي يوجعني … ؛  شنو؟

ـ إن الناس يظنون الحرب انتهت.

سكت قليلاً ثم تابع: الحرب انتهت على الحدود… ؛ أما داخلنا، فهي بعده مستمرة.

أومأ لافي برأسه.

لم يكن بحاجة إلى شرح.

مرت السنوات… ؛ وجاءت سنوات الحصار... ؛ تغيرت ملامح العراق... ؛ ازدادت الطوابير أمام الأفران… ؛ وأصبحت الأدوية أغلى من قدرة الناس… ؛ كانت الأسواق التي تعج بالحركة قد خفت ضجيجها، وأصبح الأب يحسب ثمن الخبز كما كان يحسب سابقاً عدد الرصاصات...!!

كانت زينب تقسم رغيف الخبز إلى أجزاء صغيرة حتى يكفي الأطفال... ؛ وكان لافي يخرج فجراً ليعمل في أرضه، ثم يعود مساءً حاملاً ما تيسر من الرزق.

قال له ابنه الأكبر يوماً: أبي… ليش إيدك ما تتحرك مثل إيدي؟

نظر إلى يده طويلاً.

ثم أجاب بابتسامة هادئة: لأن هاي اليد ظلت تحرس العراق أكثر من اللازم.

لم يفهم الطفل... ؛ أما زينب… ففهمت... ؛ وأدارت وجهها حتى لا يرى أحد دموعها.

ثم جاء عام 2003...؛ وفي أيام قليلة، تبدل وجه العراق مرة أخرى... ؛ سقطت الدولة والحكومة البعثية الصدامية الغاشمة ، وانفتحت أبواب الفوضى... ؛ اختفت وجوه، وظهرت وجوه… ؛ وانقسم الناس بين الخوف والانتظار.

أما طوزخورماتو، فقد بدأت تشعر بثقل موقعها الجغرافي، وبثقل التنوع الذي كان يوماً مصدر غناها، ثم حاولت السياسة أن تحوله إلى سببٍ للفرقة... ؛ لكن أهل المدينة كانوا يعرفون شيئاً واحداً:أن الدم الذي امتزج في الخنادق لا يمكن أن تفرقه خطابات السياسة.

كان لافي كلما سمع حديثاً عن الطائفية، يتذكر رفاقه... ؛ يتذكر عباس من العمارة... , وسلمان الفيلي من خانقين... , وجبار من الكوت... ,ويتذكر كيف كانوا يتقاسمون آخر جرعة ماء وآخر كسرة خبز.

فيقول: اللي شاف الموت ويّه أخوه… ؛ ما يسأل بعدين عن قوميته.

غير أن العراق بدأ يدخل حرباً من نوع آخر... ؛ لم تعد الجبهات واضحة... ؛ صار العدو يختبئ بين الأزقة... ؛ وصارت المفخخات تصل إلى الأسواق والمساجد... ؛ وصارت نشرات الأخبار تحمل كل يوم أسماء مدن جديدة تنزف.

وفي إحدى الأمسيات، كان لافي جالساً في دكان صغير يحتسي الشاي مع بعض رفاقه القدامى.

قال أحدهم:  تتذكرون نهر جاسم؟

ساد الصمت.

ثم قال آخر: جان عبالنا تلك آخر الحروب.

أجاب لافي وهو يحدق في استكان الشاي: لا… الحرب ما تغيرت... اللي تغير… إنها صارت أقرب إلى بيوتنا.

بدأت الأخبار القادمة من الموصل والأنبار وصلاح الدين تثير القلق.

تنظيمات تكفيرية واجنبية وطائفية محلية متطرفة تظهر هنا وهناك.

قرى تسقط... وأسر تنزح.

وكان لافي يشعر، دون أن يدري لماذا، أن العاصفة تتجه نحو مدينته.

وفي إحدى الليالي، خرج إلى سطح البيت... ؛ كانت طوزخورماتو هادئة... ؛ الأضواء الصفراء تتناثر بين البيوت... ؛ وصوت الأذان يرتفع من مسجد قريب.

نظر إلى المدينة طويلاً... ؛ ثم همس: يا رب… لقد أخذت الحرب منّا شبابنا… فلا تأخذ أبناءنا أيضاً.

لكن الريح التي مرت بين الأزقة تلك الليلة، كانت تحمل رائحةً عرفها جيداً... رائحة البارود... الرائحة نفسها التي شمها قبل ثلاثين عاماً عند ضفاف نهر جاسم... ؛ وحين هبّت الريح، شعر بأن الزمن لم يمضِ…بل كان يدور في دائرة كبيرة، ليعيده مرة أخرى إلى النقطة التي بدأ منها كل شيء...

الفصل السابع

**عندما عاد الظلام

لم يبدأ الظلام يوم دخلت السيارات  والرايات السوداء إلى المدن…؛ بل بدأ يوم اعتقد الناس أن الحروب قد انتهت.

في صيف عام 2014، كان العراق يستيقظ كل صباح على خبر سقوط مدينة جديدة… ؛ مدينة تلو الأخرى… لوحة تلو الأخرى… وثكنة تلو الأخرى.

وفي المساء، كانت نشرات الأخبار تتحدث عن آلاف العائلات التي خرجت من بيوتها بثيابها فقط، تاركة وراءها العمر كله.

جلس **لافي البياتلي** أمام شاشة التلفاز، بينما كانت زوجته **زينب** ترتب أواني العشاء.

ظهر مذيع الأخبار بصوت متوتر: “سقطت الانبار …”

ساد الصمت.

لم يسمع أحد صوت المذيع بعد ذلك.

كانت الجملة وحدها تكفي.

رفع لافي رأسه ببطء.

قال: الانبار..

زينب، التي كانت تعرف زوجها أكثر مما يعرف نفسه، وضعت يدها على كتفه.

ـ لا تفكر.

أجابها وهو ما يزال يحدق في الشاشة: المشكلة مو بالانبار…المشكلة بالطريق بعدها.

خلال أسابيع قليلة، بدأت أخبار **تكريت** و**بيجي** وقرى محافظة صلاح الدين تصل تباعاً.

صار الخوف يقترب من طوزخورماتو يوماً بعد يوم... ؛ كانت المدينة تدرك أنها ليست بعيدة عن الخطر… ؛ وفي الأسواق، تغيرت أحاديث الناس... ؛ لم يعودوا يتحدثون عن أسعار القمح أو مواسم الزراعة… ؛ صاروا يتحدثون عن الذخيرة... , وعن السواتر... , وعن الطرق التي قد يسلكها المسلحون والارهابيون إذا اقتربوا.

في إحدى الأمسيات، اجتمع رجال الحي في حسينية قديمة... ؛ لم تكن الدعوة رسمية... , لكن الجميع حضر… ؛ كان بينهم شيوخ تجاوزوا السبعين، وشباب لم يبلغوا العشرين.

وقف أحد الوجهاء وقال: إذا وصلوا إلى طوز…؛ ما عدنا مكان نروحله … , هاي مدينتنا... ؛ إما تبقى إلنا… أو نموت بيها.

لم يعترض أحد.

كان القرار قد اتخذ قبل أن يُقال.

عاد لافي إلى بيته متأخراً.

وجد ابنه الأكبر، **علي**، ينتظره.

كان قد بلغ الثالثة والعشرين، طويل القامة، يشبه أباه في ملامحه، ويشبه أمه في هدوئه.

قال: بابا … ؛ إذا صار قتال… أنه أطلع وياكم.

نظر إليه لافي طويلاً... رأى فيه نفسه قبل ثلاثين عاماً... , نفس الحماسة... ونفس البراءة… ونفس الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تكون قصيرة.

جلس إلى جواره... ؛ وقال بهدوء: تعرف شنو أصعب شيء بالحرب؟

أجاب علي: الموت؟

هز لافي رأسه.

ـ لا…؛  أصعب شيء…؛ أنك تظل حي، وتشوف أصحابك يموتون واحداً واحداً.

سكت لحظة... ؛ ثم أكمل: الحرب مو بطولة يا ولدي…الحرب خسارة... ؛ لكن إذا إجت لبيتك…ما يبقى عندك خيار.

خفض علي رأسه.

ولم يجب.

في صباح اليوم التالي، فتح لافي صندوقاً خشبياً قديماً كان موضوعاً في إحدى زوايا المخزن... , ظل مغلقاً منذ نهاية الثمانينيات... , أزال الغبار عنه... , فتحه ببطء… , كانت داخله خوذته القديمة... ,وحزامه العسكري... وصور رفاقه... , ورسالة كتبتها له أمه وهو في الجبهة... ؛ أخذ الرسالة... , قرأها مرة أخرى… , كانت الحروف قد بهت لونها... , لكن الكلمات بقيت حية :  “يمّه… إذا ضاقت عليك الدنيا، تذكر أن الله يحفظ عباده الصابرين… ولا تجعل قلبك يقسو مهما اشتدت الحرب.”

أعاد الرسالة إلى مكانها... ثم حمل الخوذة بين يديه... ؛ ظل ينظر إليها طويلاً.

قال في نفسه: “ثلاثون سنة…وها أنت تعودين ؟!”

في المساء، طرق الباب... ؛ كان الطارق **شافي**.

لكن الزمن لم يتركه كما كان... ؛ اشتعل الشيب في رأسه كله ... وصارت التجاعيد تحفر وجهه... أما عيناه…؛فما زالتا تحملان صرامة الضابط القديم.

تعانق الشقيقان طويلاً... ؛ ثم جلسا في الحديقة تحت شجرة التوت نفسها.

قال شافي: استدعوني.

أجاب لافي: كنت أعرف.

ثم أضاف: وأنا أيضاً…

لن أبقى بالبيت.

نظر إليه شافي.

ثم إلى ذراعه المصابة.

ـ يدك…

أجاب لافي مبتسماً:

ـ اليد تعبت… بس القلب لا.

خلال الأيام التالية، بدأت المدينة تتحول إلى ورشة دفاع كبيرة... ؛ الشباب يحفرون السواتر... ؛ الحدادون يصنعون المتاريس الحديدية … , وأصحاب الجرارات ينقلون أكياس الرمل  والتراب مجاناً... , حتى النساء… ؛ كن يخبزن الخبز للمقاتلين، ويجمعن الأدوية، ويخطن الأعلام.

قالت امرأة عجوز وهي توزع الخبز: أيام الحرب الأولى كنا نرسل أولادنا للجبهة… هالمرة… الجبهة إجت إلنا.

وفي مساء قائظ من شهر حزيران، وقف لافي فوق سطح منزله... , كان الأفق الجنوبي يشتعل بضوء الحرائق البعيدة... , وسمع لأول مرة منذ ثلاثين عاماً… صوت المدفعية... ؛ أغلق عينيه... ؛ عاد إليه نهر جاسم… ؛ وعادت الأرض الحرام... وعادت ضحكة كاظم... وعاد وجه أمه وهي تنتظر عند الباب.

فتح عينيه ببطء... ثم نزل إلى غرفته... أخرج بزته العسكرية القديمة... مرر يده على القماش الذي بهت لونه… ارتداها بصعوبة... كانت أضيق مما كانت عليه في شبابه.

وقف أمام المرآة... ؛ لم يرَ الرجل الذي كانه عام 1987... ؛ رأى رجلاً تجاوز الخمسين، يحمل في جسده آثار حربين، وفي ذاكرته قبور عشرات الرفاق... ؛ لكن شيئاً واحداً لم يتغير…تلك النظرة التي يعرفها كل من قرر أن يدافع عن أرضه مهما كان الثمن.

وفي فجر اليوم التالي، خرج من بيته... ؛ وقبل أن يغلق الباب، التفت إلى زينب.

وقال بهدوء:لا أعرف إن كنت سأعود.

ابتسمت وهي تخفي دموعها.

ـ قبل ثلاثين سنة قلت الكلام نفسه... ؛ ورجعت.

اقترب منها... قبّل رأسها... ؛ ثم احتضن أبناءه واحداً واحداً... ؛ ولما وصل إلى حفيده الصغير، حمله بين ذراعيه، وقبّل جبينه طويلاً... ؛ كأن قلبه كان يشعر أن هذه القبلة…قد تكون الأخيرة.

خرج إلى الزقاق... كانت سيارات المتطوعين تنتظر... ؛ وفي كل سيارة، كان يجلس رجل عاد من حرب قديمة، ومعه شاب يذهب إلى حربه الأولى... ؛ وكأن الزمن يعيد نفسه…لكن هذه المرة، لم تكن وجهتهم نهر جاسم... , كانت وجهتهم… حدود **طوزخورماتو.**

الفصل الثامن

** الرجال الذين لم يخلعوا خوذهم

لا يعود بعض الجنود إلى الحرب…بل تعود الحرب إليهم.

مع انبلاج فجر اليوم التالي، كانت  حدود **طوزخورماتو** قد استيقظت على صوت لم تسمعه منذ سنوات... ؛ دوي المدافع... لم يكن بعيداً هذه المرة... , كان قريباً بما يكفي ليرتجف زجاج النوافذ، ولتستيقظ الأطفال مذعورين، ولتفتح الأمهات الأبواب قبل أن يطرقها أحد.

وقف **لافي البياتلي** على الساتر الترابي الذي أُقيم على عجل عند المدخل الجنوبي للمدينة.

نظر حوله... ؛ لم يرَ جنوداً نظاميين كما كان الحال في نهر جاسم... ؛ رأى معلمين... وفلاحين...وأطباء... وعمالاً... وتجاراً... ورأى رجالاً تجاوز بعضهم الستين من العمر... كلهم حملوا السلاح لأن المدينة لم تعد تملك غير أبنائها.

اقترب منه **شافي** وهو يحمل منظاراً عسكرياً قديماً... ناول المنظار إلى أخيه.

قال: شوف... رفع لافي المنظار... كانت أعمدة الدخان ترتفع من القرى القريبة... بيوت تحترق... وسيارات مدنية تهرب... وأناس يركضون في الحقول حاملين أطفالهم... خفض المنظار ببطء.

همس: نفس المشهد…لكن هالمرة أقرب.

قال شافي: الحرب إذا ما توقفها بعيد…راح توقفها بباب بيتك.

قبل الظهر بقليل، وصلت أولى العائلات النازحة... ؛ نساء يحملن أطفالاً رضعاً... ؛ شيوخ يتكئون على العصي... ؛ وأطفال حفاة فقدوا القدرة على البكاء... ؛ كانت إحدى النساء تحتضن مفتاحاً كبيراً مربوطاً بخيط في عنقها.

سألها لافي: شنو هذا؟

أجابت وهي تنظر إلى الطريق الذي جاءت منه: مفتاح بيتنا… يمكن نرجع يوم.

أطرق رأسه.

تذكر رجلاً قال الشيء نفسه قبل ثلاثين عاماً في الجنوب… ؛ واكتشف يومها أن بعض المفاتيح تبقى سنوات تبحث عن أبوابها.

تحولت مدرسة “الإمام علي” إلى مركز لإيواء النازحين... كانت زينب مع عشرات النساء يطبخن الطعام ويوزعن البطانيات... وفي زاوية من القاعة، جلس طفل لا يتجاوز السابعة... لم يتكلم منذ وصوله.

اقترب منه لافي... جلس إلى جانبه.

قال مبتسماً: شنو اسمك؟

لم يجب.

أخرج لافي قطعة حلوى من جيبه.

ناولها إليه.

رفع الطفل عينيه لأول مرة.

كانت عيناه تشبهان عيون الجنود بعد المعارك.

قال بصوت خافت: بابا ظل هناك… لم يعرف لافي ماذا يقول... ربت على رأسه فقط.

ثم نهض... وفي داخله عاد سؤال قديم:كم طفلاً تحتاج الحروب حتى تشبع؟

في مساء ذلك اليوم، اجتمع قادة مجموعات الدفاع في مبنى البلدية... لم تكن الخرائط كثيرة... ولا أجهزة الاتصال حديثة... ولا الذخيرة كافية... لكن الإرادة كانت أكبر من كل نقص.

قال أحد الضباط: إذا سقط هذا المحور…راح يدخلون المدينة... وأشار إلى الطريق الرئيسي.

رفع شافي رأسه.

ـ إذن…هنا نقاتل.

قال آخر: إلى متى؟

نظر لافي إلى الرجل.

ثم أجاب بهدوء: إلى أن يبقى خلفنا طفل واحد.

ساد الصمت.

لم تكن جملة حماسية... ؛ كانت حقيقة.

في اليوم الثالث، بدأ القصف يطال أطراف المدينة... ؛ سقطت أول قذيفة قرب السوق القديم... ؛ احترق محل صغير لبيع الكتب... ؛ وقف لافي أمامه بعد انطفاء النار... ؛ كانت الصفحات المحترقة تتطاير في الهواء... ؛ التقط كتاباً نصف محترق... نفخ عنه الرماد... قرأ عنوانه بصعوبة.

ابتسم بحزن.

وقال: حتى الكتب صارت تدخل الحرب.

مع غروب الشمس، وصلت أخبار استشهاد مجموعة من المتطوعين في المحور الغربي... ؛ كان بينهم شاب اسمه **حسين**... ؛ لم يتجاوز التاسعة عشرة... ؛ اقترب والده من جثمانه... , جلس إلى جواره... لم يصرخ... , لم يلطم... , وضع يدَه على جبين ابنه.

وقال بصوت هادئ: الحمد لله…سبقتني إلى الله.

ظل لافي يراقبه... ؛ ثم همس لشافي: شلون يتحمل الإنسان هيچ ؟!

أجاب شافي: الإيمان…و كثرة الوجع…وأحياناً الاثنين معاً.

في تلك الليلة، لم ينم أحد... كان الرجال يتناوبون الحراسة...أما لافي، فجلس وحده فوق الساتر... رفع رأسه نحو السماء... لم تعد عيناه تريان النجوم... كان يرى وجوهاً... وجه كاظم... وجه عباس... وجه سلمان... وجوه الرفاق الذين تركهم في نهر جاسم.

قال بصوت خافت: يمكن لهذا السبب نجوت… حتى أكون هنا اليوم... ؛ سمع صوت خطوات خلفه... التفت... كان ابنه **علي**... جلس إلى جواره.

قال: بابا … إذا صار الهجوم باچر… خليني أكون يمك.

نظر إليه طويلاً... كان يرى فيه نفسه قبل ثلاثين عاماً... لكنه هذه المرة لم يكن أخاً… بل أباً.

قال بعد صمت طويل: إذا شفتني أوقع…لا ترجع إلي.

اتسعت عينا علي.

ـ مستحيل.

ابتسم لافي.

ـ هذا أول درس تعلمته بالحرب... ؛ إذا رجعت إلي… يمكن نموت اثنين.

انحنى علي، وقبّل يد أبيه اليمنى... ؛ أما اليسرى المشلولة، فأمسكها برفق، ثم قبلها أيضاً.

وقال: هاي اليد علمتني شنو يعني الشرف.

ارتجف قلب لافي... وأدار وجهه نحو الظلام حتى لا يرى ابنه الدموع التي تجمعت في عينيه.

وقبل طلوع الفجر بدقائق، دوّى صوت انفجار هائل هز المدينة بأكملها... ؛ أعقبه إطلاق نار كثيف من المحور الجنوبي... أمسك شافي جهاز اللاسلكي.

جاءه صوت متقطع: العدو…بدأ الهجوم… كرر…بدأ الهجوم.

نهض الرجال دفعة واحدة... حمل كل منهم سلاحه... ولم يعد بينهم من يفكر في النجاة... كانوا يفكرون في شيء واحد فقط…أن تبقى **طوزخورماتو** واقفة عندما تشرق الشمس... ومن خلف السواتر، كان لافي يشد خوذته القديمة فوق رأسه... الخوذة نفسها التي حملها في نهر جاسم قبل ثلاثين عاماً.

ابتسم ابتسامة هادئة.

وقال لنفسه:”يبدو أننا سنعبر الأرض الحرام… مرةً أخرى.”

الفصل التاسع

**الطريق الأخير

ليست كل الطرق تؤدي إلى المدن… بعضها يقود إلى الخلود.

قبل أن تشرق الشمس، كانت السماء فوق **طوزخورماتو** مشتعلة بلون أحمر قاتم…  لم يكن لون الفجر، بل لون القذائف التي كانت تشق العتمة ثم تنفجر على أطراف المدينة... ؛ وقف **لافي البياتلي** خلف ساتر من أكياس الرمل، يتفقد الرجال واحداً واحداً... لم يعد يرى فيهم متطوعين... كان يرى آباءً تركوا أبناءهم نائمين... وشباباً لم يكتبوا بعد أول رسالة حب... وشيوخاً عادوا يحملون السلاح بعدما ظنوا أن أعمارهم انتهت مع الحرب الأولى.

قال بصوت هادئ: اليوم لا أحد يقاتل حتى يصير بطلاً…كلنا نقاتل حتى لا تصبح بيوت أهلنا ساحة معركة.

هز الرجال رؤوسهم... ؛ لم يكن بينهم من يبحث عن بطولة... كانوا يبحثون عن وطن صغير اسمه البيت.

بدأ الهجوم مع أول ضوء... تقدمت العربات المسلحة تحت غطاء كثيف من النيران... اهتزت الأرض كما اهتزت قبل ثلاثين عاماً في نهر جاسم... لكن الفرق هذه المرة أن خلف لافي لم تكن صحراء…بل كانت المدينة... كان يسمع أصوات الأطفال المختبئين في الأقبية... وكان يعرف أن كل متر يتراجع عنه، يعني اقتراب الموت من باب أحد البيوت.

صرخ شافي: لا تطلقون حتى يقربون.

انتظر الرجال... كانت الثواني تمر ببطء قاتل... اقتربت العربات أكثر... ثم أكثر... حتى أصبح بالإمكان رؤية وجوه من فيها... رفع شافي يده.

ـ الآن!

انفجر خط الدفاع كله دفعة واحدة... تعالت أصوات البنادق والرشاشات والقاذفات ... واختلط الدخان بالغبار... وسقطت أول عربة عند مدخل الطريق... لكن الهجوم لم يتوقف.

في الجهة اليسرى، كان **علي** يقاتل إلى جانب أبيه... رآه لافي يبدل مخزن بندقيته بسرعة.

ابتسم رغم القتال.

“تعلم بسرعة…”

قالها في نفسه... ثم عاد يركز على الجبهة... وفجأة دوى انفجار هائل... تطايرت الحجارة والتراب... وسقط علي أرضاً... قفز قلب لافي... ركض نحوه دون تفكير... وصل إليه... ؛ كان مصاباً بشظية في كتفه.

فتح علي عينيه.

ابتسم.

ـ لا تخاف… بعدني حي.

أغلق لافي عينيه لحظة، ثم قال :الحمد لله... ؛ ربط الجرح بسرعة، وسلمه إلى المسعفين.

وقبل أن يعود إلى موقعه، أمسك علي بيده.

ـ بابا ..

ابتسم.

اليوم فهمت ليش رجعت حتى تنقذ ذاك الجندي قبل ثلاثين سنة.

سكت قليلاً.

ثم أضاف:ـ لأن الإنسان…يبقى إنسان حتى بالحرب.

تركه لافي وعاد إلى الساتر... وكان يشعر أن ابنه لم يعد ذلك الشاب الذي خرج معه قبل أيام... ؛ لقد كبر في ساعات... ؛ كما كبر هو ذات ليلة عند نهر جاسم.

اشتد القتال مع حلول الظهيرة... ؛ بدأت الذخيرة تنفد... وأخذ المسعفون يركضون أكثر من المقاتلين... ؛ وفي إحدى الزوايا، سقط شاب وهو يصرخ: مي…

تجمد لافي... ؛ الكلمة نفسها... ؛ النبرة نفسها... الصوت نفسه الذي سمعه قبل ثلاثين عاماً في الأرض الحرام.

نظر إلى شافي... ؛ ونظر شافي إليه... ؛ فهم كل منهما ما يدور في قلب الآخر.

قال شافي بحزم: لا…هذه المرة أروح أني.

انطلق لافي اليه  وزحف بين الرصاص... ؛ وصل إلى الشاب... كان النزف شديداً.

رفع رأسه.

قال الشاب: لا تتركني…

ابتسم لافي.

ـ وعد… ما أخليك... حمله على كتفه اليمنى... وبدأ يعود به... ؛ كان الرصاص يضرب الساتر من حوله... وفجأة… ؛ أصابت رصاصة خوذته... ؛ مالت إلى الجانب... ؛ لكنه واصل السير... ؛ ثم جاءت رصاصة ثانية... ؛ استقرت في صدره... ؛ توقف... ؛ نظر إلى الدم الذي بدأ ينتشر على بزته.

ابتسم ابتسامة صغيرة... ؛ وقال بهدوء: الحمد لله… وصلنا … ووضع الشاب خلف الساتر... وفي اللحظة نفسها، انهارت ركبتاه... ؛ ركض شافي نحوه... ؛ احتضنه... ؛ كان الدم يملأ يديه.

صرخ: مسعف!

لكن لافي أمسك بيده.

ـ لا…خلهم للجرحى.

قال شافي وهو يبكي: اسكت…راح تنجو.

ابتسم لافي.

ـ تتذكر… شنو گلتلي بنهر جاسم؟

ارتجف صوت شافي.

ـ شنو؟

ـ گلتلي…لا تخلي الخوف يدخل قلبك بآخر لحظة.

أطرق شافي رأسه.

لم يعد قادراً على الكلام.

اقترب علي وهو يضغط على جرح كتفه... ؛ جلس عند قدمي أبيه.

قال باكياً: سامحني… ؛ ما كدرت أحميك.

رفع لافي يده اليمنى بصعوبة... ؛ وضعها على رأس ابنه.

ـ لا تبكي ... الرجال… ؛ يموتون حتى يعيش أولادهم.

ثم نظر إلى المدينة... ؛ كانت المآذن ما تزال قائمة... وأعمدة الدخان ترتفع بعيداً عن مركزها.

ابتسم.

قال بصوت خافت: الحمد لله… بعدها واقفة.

بدأت أنفاسه تضعف... ؛ رفع عينيه نحو السماء... ؛ لكن ما رآه لم يكن السماء... ؛ رأى شجرة التوت في بيتهم... ؛ ورأى أمه زهراء تناديه إلى الغداء... ؛ ورأى كاظم يضحك، حاملاً طبق الدولمة الذي وعدهم به... ؛ ورأى رفاق نهر جاسم جميعاً، يقفون على ضفة نهر هادئ، يلوحون له.

ابتسم.

وهمس: تأخرت عليكم…ثم أغمض عينيه... لآخر مرة.

ساد الصمت للحظات... ؛ حتى المدافع بدت كأنها ابتعدت... ؛ غطى شافي وجه أخيه بالكوفية التي كان يحتفظ بها منذ زمن طويل .

وقف ببطء... رفع بندقيته... ؛ وقال للرجال:

ـ لافي أدى واجبه…والآن…دورنا.نهض الجميع... ولم يعد أحد يفكر في نفسه... ؛ قاتلوا حتى غروب الشمس... ؛ وعندما انسحب المهاجمون عن أطراف المدينة، كانت **طوزخورماتو** لا تزال واقفة.

لكنها كانت قد دفعت ثمن بقائها من دماء أفضل رجالها... ؛ وفي المساء، حين عاد الأهالي إلى الشوارع، مروا بجانب الساتر الذي سقط عنده لافي... ؛ كان التراب ما يزال مبللاً بدمه... ؛ اقترب طفل صغير لا يعرفه... ؛ التقط خوذته القديمة.

نظر إليها طويلاً... ؛ ثم وضعها فوق الساتر باحترام... ؛ وكأن المدينة كلها…كانت تؤدي التحية الأخيرة لرجلٍ عبر **الأرض الحرام** مرتين… وعاد منها شهيداً.