الاستغفار في القرآن الكريم (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)

د. فاضل حسن شريف

لا توجد آية واحدة محددة تسمى آية الاستغفار، بل وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تحث عليه أو تتضمن صيغه. ومن أبرزها آية سورة نوح التي تدل على فضل الاستغفار في جلب الرزق والمطر، وآية الزمر التي تعد أوسع آية في الرجاء والمغفرة.إليك أبرز هذه الآيات مع مواضعها:1. آية الاستغفار لجلب الرزق والفرج “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)” (نوح 10-12). فضلها: تدل على أن ملازمة الاستغفار سبب لنزول المطر، وزيادة الرزق، والبركة في المال والذرية.2. آية الرجاء والمغفرة الشاملة “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر 53).فضلها: أنها أرجى آية في القرآن، لبيانها سعة مغفرة الله لجميع الذنوب لمن تاب.3. آيات جامعة بصيغة الدعاء: استغفار الأنبياء (دعاء يونس عليه السلام): “وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الأنبياء 87). دعاء المؤمنين: “رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ” (الحشر 10). صيغة الاستغفار في السنة النبوية (سيد الاستغفار) أفضل صيغة للاستغفار وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي: (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (المنافقون 6) ثم ذكر سبحانه أن استغفاره لا ينفعهم فقال “سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم” (المنافقون 6) أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار “لن يغفر الله لهم” لأنهم يبطنون الكفر وإن أظهروا الإيمان “إن الله لا يهدي القوم الفاسقين” (المنافقون 6) أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين والإيمان إلى طريق الجنة قال الحسن أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة وأن يكون الباطن مثل الظاهر فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعهم مع إبطانهم الكفر والنفاق.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز وجل “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (المنافقون 6) سَوَاءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. عَلَيْهِمْ (عَلَى): حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. أَسْتَغْفَرْتَ “الْهَمْزَةُ” حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ لِلتَّسْوِيَةِ حَرْفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اسْتَغْفَرْتَ): فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ”تَاءُ الْفَاعِلِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنَ الْهَمْزَةِ وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَالتَّقْدِيرُ: اسْتِغْفَارُكَ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. لَهُمْ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. أَمْ حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. لَمْ حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. تَسْتَغْفِرْ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “أَنْتَ”. لَهُمْ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. لَنْ حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَغْفِرَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. اللَّهُ اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. لَهُمْ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. إِنَّ حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. اللَّهَ اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ): مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. لَا حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَهْدِي فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ):. الْقَوْمَ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. الْفَاسِقِينَ نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (المنافقون 6) لا جدوى من استصلاحهم إذن فلا جدوى من طلب المغفرة لهم. ان اللَّه غفور رحيم، ما في ذلك ريب، ورحمة اللَّه وسعت كل شيء إلا من يأباها ويتكبر عليها.. وليس من الرحمة في شيء أن ترحم من لا يرى نفسه محتاجا إلى رحمتك “إِنَّ اللَّهً لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ” (المنافقون 6) ما داموا مصرّين على الفسق. وتقدم مثله في الآية 80 من سورة التوبة ج 4 ص 75 “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 80).

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (المنافقون 6) بعبارة أخرى: إن استغفار النبي ليس علة تامة للمغفرة، بل هي مقتض تؤثر حينما تكون الأرضية مهيأة، أي عندما يتوبون بصدق وإخلاص ويتخذون طريقا آخر، ويهجرون الكذب والغرور، ويستسلمون للحق، هنالك يؤثر استغفار الرسول وتقبل شفاعته. وعبرت الآية ( 80 ) من سورة التوبة بما يشبه ذلك حينما وصفت قسما آخر من أهل النفاق، إذ قال تعالى: “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 80). ومن الواضح أن العدد ( سبعين ) ليس هو المقصود، بل المقصود أن الله لن يغفر لهم مهما استغفر لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وليس كل المذنبين من الفساق، فقد جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لإنقاذ المذنبين، فالمقصود إذن هم تلك المجموعة من الفساق أو المذنبين الذين يصرون على ذنوبهم ويركبون. رؤوسهم.