جناية الإنجاب في الفلسفة التشاؤمية عند أبي العلاء المعري

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي

تمثل قضية الإنجاب واحدة من أعقد الإشكاليات في مسيرة الفكر الإنساني، حيث يقف المرء بين غريزة البقاء وإدراك مأساوية الوجود. تتجلى هذه الإشكالية في أطروحات أبي العلاء المعري، الذي اتخذ موقفاً حازماً يعتبر الإنجاب فعلاً يحمل بعداً أخلاقياً إشكالياً. ولم يكتفِ المعري برفض النسل كتفضيل شخصي، بل وضعه ضمن نسق تشاؤمي أشمل يدعو إلى الإحجام عن استدعاء كائنات جديدة إلى الوجود.

تتأسس فلسفة تحريم النسل عند المعري على رؤية قاتمة لواقع الإنسان. فالحياة في نظره سلسلة من المكابدات والآلام، وبناءً عليه، يغدو تمرير هذه الحياة إلى الجيل اللاحق فعلاً يفتقر إلى الرحمة. يقرر المعري أن “الأمر الأحزم عدم النسل”، ذلك أن استمرار النوع البشري يعني، في تصوره، توريث الشقاء أو الضعف، إذ إن كل إنسان يُقذف به إلى الوجود إما أن يُظلم لضعفه أو يُهتضم رغم قوته. وبناءً على ذلك، يوجه المعري نصيحته للإنسان بالإحجام عن الزواج والإنجاب، معتبراً أن النسل فرش لهموم الفتى، وأن العاقل هو من يمتنع عن هذه الفعلة.

تكتسب هذه الفكرة بعداً أخلاقياً يتجاوز مجرد الزهد في متعة الأبوة. فالمعري يحمّل الآباء مسؤولية عن أي عذاب يلحق بأبنائهم. وفي صورة بليغة، يعيب المعري على الطيور (الورقاء) بناء أعشاشها لتفريخ صغارها، متسائلاً عن غياب الوعي لديها بمآل صغارها في عالم قاسٍ. ولتوضيح هذا النسق الفكري في سياق معاصر، يمكن ملاحظة تقاطعات بين هذه الأطروحة وبين “اللاإنجابية” المرتبطة بفلاسفة مثل ديفيد بيناتار، والتي تجادل بأن جلب إنسان إلى الوجود يحمل احتمال أذى لا يمكن تفاديه بيقين، وأن العدم يمثل حالة خالية من الألم، مما يجعل الامتناع عن الإنجاب، في هذه الرؤية، التزاماً أخلاقياً لتجنيب الكائن المحتمل معاناة قد تلحق به.

يمتد هذا الموقف في فكر المعري ليشمل وصف الإنجاب بأنه ذنب للفتى لا يُقاله. فهو يرى أن مسؤولية أخلاقية تقع على الوالد تجاه ولده بمجرد استدعائه للوجود، حتى وإن بلغ هذا الولد أعلى مراتب السلطة والمجد، ما دامت حتمية الموت والفناء ستطاله في النهاية. ويتبدى هذا الموقف من خلال إشارة المعري إلى الآباء كمن يعرضان أبناءهما لمخاطر الردى والخطوب. وتعيد هذه النظرة تأطير فعل الإنجاب بوصفه فعلاً يمكن قراءته في ضوء مصلحة الوالدين في الامتداد البيولوجي مقابل ما يعتبره المعري استقراراً وجودياً للأبناء، مما يجعل هذا الموقف أحد أبرز تجليات الفلسفة التشاؤمية في التراث الفكري الإنساني.

#الفلسفة_التشاؤمية #أبو_العلاء_المعري