بين النائبة طگ طگة العلاچة و هيبة الدولة المفقودة

لقمان البرزنجي

اتذكر في نهاية السبعينيات کنت في ريعان شباي مقيم في بغداد ، كان هناك بائع (علچ) يقف في وسط شارع النهرفي قلب بغداد. کانوا يسمونها بشارع (البنات) .لكونها ملتقى الشباب والشابات في بغداد في ذلک الزمن الجميل. في تلک الحقبة کنت احد رواد هذا الشارع الجميل. خاصة في اوقات العصر حتی منتصف الليل و التسوق مفتوح . كان هناک في وسط الشارع شخص ودود ومرح يبيع (العلچ) و يصيح بنبرته البغدادية العذبة ( علچ ماي علچ كردي) ثم يبدأ بلحن جميل و نبرة قوية يصيح (ما أحلى طگات العلچ و نفاخاتها بين شفايف الحبايب اويليي) اقسم باللە ، كنت قد نسيت هذا الموضوع ولم يخطر ببالي يوما أن أكتب عنه شيئا، لكن ما رأيته مؤخرا في مشاهد (النائبة العلاجة) زينب الموسوي وهي (تطگ العلچ) باستهتار غير مسبوق أثناء حديث وانفعال النائب الرائع الصادق عزيز ناصرو هو يدافع عن حق المواطن بشغف ، أعاد إلى ذاكرتي طگات علچ المراهقين في شارع النهر. لكن شتان بين ذوق الشارع البغدادي القديم، وبين مهزلة اعلى مؤسسة تشريعية في البلد.من ذوق الشارع إلى قبة البرلمان .إن طقطقة العلچ في ذلك الزمن البغدادي الجميل كانت حكاية عن الشغف و طيبة اهل بغداد ، وشقاوة الشباب العفيفة، واحترام الذوق العام في شارع له حرمته وجماله. أما أن تنقلب هذه الحركة إلى ممارسة علنية تحت قبة البرلمان العراقي، فهذا يمثل الانحدار بعينه. لم تكتفِ السيدة او الانسة النائبة زينب الموسوي بـ (طگة العلچ و عمل نفاخة باستهتار أمام الكاميرات بل ذهبت الی ابعد منها وفي وجه زميلها الذي يتحدث بحرقة عن هموم الوطن، بل أتبعتها بإخراج هاتفها المحمول لتجري مكالمة تلفونية جانبية بكل أريحية. وكأن السيدة النائبة تجلس في مقهى شعبوي أو ينتظر دورها في صالون تجميل، لا في قبة يفترض أن تُشَرَّع فيها القوانين وتُرسم تحتها مقدرات شعب صابر.ان مهزلة السلوك والجهة التي أفرزتها . هذا المشهد المستفز لا يعبر عن تصرف فردي طائش فحسب، بل هو تجسيد صارخ للمهزلة التي وصلت إليها الحياة النيابية، ويطرح أسئلة جادة ومؤلمة حول المنظومة التي أفرزت هكذا نماذج. ان غياب الأدب الوظيفي واللباقة في البرلمان ليس ساحة للاستعراض الشخصي أو قتل الوقت. الممارسة المبتذلة أثناء مداخلات النواب الوطنيين تشي بغياب تام للوعي بالمسؤولية الوطنية والحد الأدنى من الاحترام للجمهور. ثم تاتي سقوط معايير الترشيح. السؤال الأهم الذي يطرحه الشارع والمواطن العراقي اليوم. من التي رشحها وقدمها للجمهور؟ وعن اي كفاءة او ثقافة او رصانة تم اختيارها لتمثيل الأمة؟ عندما تصبح القوائم الانتخابية قائمة على المحاصصة وتجميع الأرقام دون النظر إلى هيبة المرشح وثقافته، تكون النتيجة نوابا(يطقطقون العلچ) ويجرون مكالماتهم الهامشية تحت القبة. هذە اکبر إهانة لمؤسسة التشريعية. في الوقت الذي يقاتل فيه نواب شرفاء لإيصال صوت المواطن، تختزل المؤسسة التشريعية لدى البعض في صورة مستفزة لا تبالي بوطن ولا بموقف. ايا مفارقة الزمن البغدادي يا لها من مفارقة موجعة، بائع (علچ) بسيط في شارع النهر في نهاية السبعينيات كان يملك حسّا فنيا وذوقا واحتراما للمكان ورواده، بينما من تجلس على كرسي التشريع بامتيازات وحمايات ومخصصات ضخمة، تفقد المكان هيبته و وقاره.