جديد

تطور المؤسسة العسكرية والأمنية في العراق: قراءة تاريخية في بناء الدولة وتحديات الأمن الوطني (1921–2026)

رياض سعد

مقدمة

يرتبط تاريخ الدولة العراقية الحديثة ارتباطًا وثيقًا بتاريخ مؤسساتها العسكرية والأمنية… ؛  فمنذ تأسيس الدولة عام 1921، كان الجيش أحد أبرز مؤسساتها، وتعرض خلال قرن من الزمن لتحولات عميقة تأثرت بالتغيرات السياسية، والانقلابات، والحروب، والعقوبات، والاحتلال، ثم مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد عام 2003.

ولا يمكن فهم التحديات الأمنية المعاصرة في العراق بمعزل عن هذا المسار التاريخي الطويل.

أولًا: مرحلة التأسيس (1921–1958)

مع قيام المملكة العراقية الهجينة ، تأسس الجيش العراقي بوصفه إحدى الركائز الرئيسة للدولة الناشئة… , وأسهم في حماية الحدود، كما لعب دورًا متزايدًا في الحياة السياسية والقمع الداخلي ، وهو ما انعكس لاحقًا في سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدها العراق والمنطقة خلال منتصف القرن العشرين.

ثانيًا: الجمهوريات الأولى (1958–1968)

شهدت هذه المرحلة تغيرات سياسية متسارعة، انعكست على المؤسسة العسكرية… , وأصبح الجيش طرفًا فاعلًا في الصراع على السلطة، وهو ما أثر في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

ثالثًا: مرحلة حكم حزب البعث الاجرامي  (1968–2003)

شهدت هذه المرحلة توسعًا كبيرًا في حجم القوات المسلحة، لكنها ترافقت أيضًا مع تركيز شديد للسلطة في يد القيادة السياسية الهجينة … ؛  وخاض العراق خلالها حروبًا كبرى، كان لها أثر بالغ في المجتمع والاقتصاد ومؤسسات الدولة.

وفي التسعينيات، أدت العقوبات الدولية إلى إضعاف كثير من مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات العسكرية، وترك ذلك آثارًا استمرت حتى السنوات اللاحقة.

رابعًا: ما بعد عام 2003

بعد سقوط النظام الصدامي الاجرامي ، واجه العراق تحديًا كبيرًا تمثل في إعادة بناء مؤسساته الأمنية والعسكرية في ظل ظروف أمنية معقدة، شملت تصاعد أعمال العنف وظهور جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية طائفية وتكفيرية .

ومع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014، دخلت البلاد مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية، شاركت فيها القوات المسلحة العراقية، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، وفصائل المقاومة الاسلامية الشيعية ، إضافة إلى قوات الحشد الشعبي التي أُقرت ضمن إطار قانوني.

وقد انتهت هذه المرحلة باستعادة السيطرة على الأراضي التي كان التنظيم قد سيطر عليها، لكنها تركت تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الاستقرار.

خامسًا: التحديات الراهنة

تواجه المؤسسة الأمنية العراقية اليوم مجموعة من التحديات، من أبرزها:

حماية الحدود ومنع تسلل الجماعات المسلحة التكفيرية .

مكافحة بقايا التنظيمات الإرهابية.

تطوير القدرات التقنية والاستخبارية.

تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات الأمنية.

ترسيخ مبدأ سيادة القانون.

مواصلة إصلاح القطاع الأمني بما يعزز كفاءة المؤسسات وثقة المواطنين بها.

خاتمة

يُظهر تاريخ العراق أن المؤسسة العسكرية كانت، في مراحل مختلفة، عنصرًا مؤثرًا في مسيرة الدولة… ؛  كما يبين أن قوة أي مؤسسة أمنية لا تقاس بعدد أفرادها أو تجهيزاتها فحسب، بل بمدى مهنيتها، وخضوعها للدستور والقانون، وقدرتها على حماية الوطن والمواطن، والعمل ضمن مؤسسات دولة مستقرة تحترم سيادة القانون وحقوق جميع المواطنين.

إن بناء منظومة أمنية فعالة هو عملية مستمرة تتطلب الاستثمار في الكفاءة، والحوكمة، والتدريب، والتنسيق المؤسسي، بما يعزز أمن العراق واستقراره على المدى الطويل.