رياض سعد
ليست المشكلة في جنسية الزائر، ولا في انتمائه المذهبي أو الديني، وإنما في السلوك حين يغيب القانون، وفي الدولة عندما تتخلى عن مسؤوليتها في فرض النظام. فما نشهده في بعض المدن العراقية، ولا سيما المدن التي تستقبل ملايين الزائرين سنوياً، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل ثقافة اجتماعية متساهلة مع المخالفات، وغياب الرقابة، وضعف التخطيط الحضري.
فمن يزور إيران أو الأردن أو المملكة العربية السعودية أو دولة الإمارات يلاحظ أن رمي النفايات في الشوارع ليس أمراً اعتيادياً، لأن القانون هناك حاضر، والعقوبات تُطبق، والرقابة مستمرة، كما أن البيئة العامة لا تسمح بتحويل الشارع إلى مكب للنفايات. ولهذا يلتزم أغلب الناس بالنظام، سواء كانوا مواطنين أم زائرين، لأنهم يدركون أن المخالفة ستقابل بالمحاسبة.
أما في العراق، فإن المشهد يختلف كثيراً… ؛ إذ يلاحظ أن بعض الزائرين الأجانب والغرباء ، ومن بينهم بعض الزائرين الإيرانيين، يتخلصون من النفايات في الأرصفة والطرقات أو في غير الأماكن المخصصة لها… ؛ ولا يمكن تفسير هذا السلوك بأنه صفة ملازمة لجنسية معينة، فالكثير من هؤلاء يلتزمون بالنظافة في بلدانهم حيث الرقابة والعقوبات أشد، لكنهم عندما يجدون بيئة تتسامح مع المخالفة ولا تحاسب مرتكبها، يتصرف بعضهم بالطريقة نفسها التي يشاهدها أمامه.
غير أن تحميل الزائر وحده مسؤولية هذا الواقع يعد ظلماً للحقيقة؛ لأن المسؤول الأول هو المجتمع والدولة… ؛ فالزائر يتأثر غالباً بالسلوك السائد في المكان الذي يزوره… ؛ فإذا رأى المواطنين أنفسهم يلقون النفايات من نوافذ السيارات، ويتركون مخلفات المواكب والاحتفالات والمناسبات الدينية في الشوارع، ويحولون الأرصفة إلى أماكن لتكديس القمامة رغم وجود الحاويات وعمال النظافة، فمن الطبيعي أن يظن أن هذا السلوك مقبول اجتماعياً، أو على الأقل لا يترتب عليه أي عقاب.
وأقول هذا من واقع تجربة ميدانية؛ إذ إنني أشاهد يومياً أن المشكلة ليست نقصاً في جهود عمال النظافة، ولا في قلة الآليات، فكثيراً ما تنتشر الحاويات والكابسات وفرق التنظيف، لكن ما إن تُرفع النفايات حتى تعود من جديد خلال ساعات بسبب السلوك غير المسؤول لبعض المواطنين قبل غيرهم.
إن المؤلم حقاً أن العراقي نفسه، عندما يسافر إلى إيران أو الأردن أو السعودية أو الإمارات أو أي دولة تطبق القانون، يتحول إلى شخص مختلف تماماً… ؛ فلا يرمي ورقة في الشارع، ولا يتجاوز النظام، ولا يعتدي على الممتلكات العامة، لأنه يعلم أن هناك كاميرات مراقبة، وغرامات مالية، ومحاسبة لا تستثني أحداً… ؛ لكنه ما إن يعود إلى العراق حتى يتصرف أحياناً وكأن الشارع لا مالك له، فيلقي النفايات من نافذة السيارة، ويترك مخلفات الطعام في الحدائق، ويعامل الفضاء العام وكأنه خارج نطاق المسؤولية.
وهذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في شخصية الإنسان العراقي، وإنما في البيئة التي يعيش فيها… ؛ فالسلوك يتغير عندما يتغير القانون، وتتبدل الثقافة عندما تصبح المخالفة مكلفة… ؛ ولو كانت العقوبات تطبق في العراق كما تطبق في الدول الأخرى، لتغيرت كثير من العادات السلبية خلال سنوات قليلة.
ومن جانب آخر، فإن كربلاء، بوصفها إحدى أهم مدن السياحة الدينية في العالم الإسلامي، تستحق واقعاً عمرانياً يليق بمكانتها… ؛ فهي تستقبل سنوياً عشرات الملايين من الزائرين، وفي بعض المناسبات الدينية تستوعب ملايين الأشخاص خلال أيام معدودة، الأمر الذي يفرض على الدولة أن تضع خططاً استثنائية للبنية التحتية والخدمات.
لكن الواقع يكشف عن تحديات كبيرة؛ فالكثير من الشوارع ضيقة، وبعض الأرصفة متهالكة أو غير موجودة، وتوجد مناطق ما زالت تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، كما أن التوسع العمراني في أجزاء من المدينة لم يواكبه تخطيط حضري ينسجم مع حجم الزيادة السكانية والزخم الكبير للزائرين… ؛ ويضاف إلى ذلك انتشار المباني غير المتجانسة، وتشابك الأسلاك، وضعف المساحات الخضراء، وهي مظاهر تؤثر في المشهد الحضري لمدينة يفترض أن تكون واجهة حضارية للعراق.
ولا يمكن معالجة هذه المشكلات بالشعارات أو بإلقاء اللوم على طرف واحد، بل تحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على ثلاثة أركان: تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام، وتطوير البنية التحتية والتخطيط العمراني بما يتناسب مع المكانة الدينية والاقتصادية للمدينة.
إن احترام المدن يبدأ باحترام الشارع، واحترام الشارع يبدأ من المواطن قبل البلدية، ومن تطبيق القانون قبل حملات التنظيف… ؛ فالمدينة التي لا يحافظ أهلها وزائروها على نظافتها، ولا تفرض فيها الدولة النظام، لن تستطيع أن تعكس صورتها الحضارية مهما بلغت قداسة أماكنها أو أهمية تاريخها.